أنا أعمل في مستشفى، ويفرض علينا أن نلبس قفازًا مطليًّا بمادة تشتمل على الكحول، وذلك وقاية من الإصابة بمرض إنفلونزا الخنازير؛ فهل يجوز لنا أن نلمس الكحول وهو نجس؟
يجيب عنه الدكتور رجب أبو مليح، دكتوراه في الشريعة الإسلامية بكلية دار العلوم، جامعة القاهرة بقوله:
بسم الله، والحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وآله وصحبه ومن والاه..
يمكنكم لبس هذا القفاز بغير حرج شرعي، حيث إن الكحول مختلف على نجاسته، وإن كان نجسًا، فالضرورات تبيح المحظورات.
والكحول لم يكن موجودًا عند فقهائنا القدامى بوصفه وشكله الموجود الآن، ولذلك لم نجد حديثًا مباشرًا عن الكحول وحكم طهوريته، وإنما تحدث الفقهاء عن حكم نجاسة الخمر، ولأن الكحول يشترك مع الخمر في علة الإسكار؛ فيرى بعض العلماء أنه يشترك معها في النجاسة أيضًا.
وقد ذهب جمهور الفقهاء إلى أن الخمر نجسة نجاسة مغلظة، كالبول والدم؛ لثبوت حرمتها وتسميتها رجسًا، كما ورد في القرآن الكريم: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالأَنصَابُ وَالأَزْلامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (90)﴾ (المائدة).
وذهب بعض الفقهاء؛ منهم ربيعة شيخ مالك والصنعاني والشوكاني، والمزني صاحب الشافعي، والنووي وغيرهم، إلى طهارتها، تمسكًا بالأصل، وحملوا الرجس في الآية على القذارة المعنوية.
يقول النووي في (المجموع): ولا يظهر في الآية دلالة ظاهرة؛ لأن (الرجس) عند أهل اللغة: القذر، ولا يلزم من ذلك النجاسة، وكذا الأمر بالاجتناب ﴿فَاجْتَنِبُوهُ﴾: لا يلزم منه النجاسة.
قال: وأقرب ما يقال: ما ذكره الغزالي؛ أنه يحكم بنجاستها تغليظًا وزجرًا عنها، قياسًا على الكلب وما ولغ فيه. اهـ.
ويقول الشوكاني في (السيل الجرار): ليس في نجاسة المسكر دليل يصلح للتمسك به، أما الآية، وهو قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالأَنصَابُ وَالأَزْلامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ﴾ (المائدة: من الآية 90)، فليس المراد بالرجس هنا النجس بل الحرام، كما يفيده السياق. اهـ.
فإن كانت الخمر، وهي الأصل في التحريم؛ مختلفًا حول نجاستها نجاسة مادية، فمن باب أولى الكحول.
- ولو أخذنا بنجاسة الخمر، ثم بنجاسة الكحول قياسًا على الخمر؛ فإن الضرورات تبيح المحظورات، ولمس النجاسة جائز عند الضرورة أو الحاجة؛ فالمسلم ربما يلمس النجاسة المتفق عليها أثناء الاستنجاء والتنزه من البول والغائط، وقد يلمس الطبيب الدم أثناء الولادة أو العمليات الجراحية، وقديمًا كان الحجام يأخذ الدم بفمه، ثم يمجه (يلفظه) ولم يرد نهي الشرع عن هذا.
- والكحول من المواد سريعة التبخر، وسرعان ما تزول، وبالتالي لا حرج في استعمالها.
- حفظ النفوس مقصد من مقاصد الشريعة الإسلامية وهو مقدم على غيرها، فيجوز لمس الكحول؛ حتى ولو كان نجسًا مجمعًا عليه إذا لم يكن بديلاً عنه في موضوع الوقاية، وهي من باب الأسباب التي أمرنا بأخذها في شريعتنا الغراء.
والله أعلم.