دقَّ ناقوس الخطر لقدوم موجة الأوبئة الثانية والثالثة في بداية فصل الخريف؛ وذلك بعد أن بدأت الفيروسات في تحورها لتأخذ شكلاً جديدًا للمرض يُنهي حياة الإنسان في خلال أيام قليلة إن لم يتم السيطرة عليه.

 

ودعت منظمة الصحة العالمية العالم ليكون جاهزًا لصدمة موجة ثانية لفيروس إنفلونزا الخنازير "المتقلب الأطوار" الذي فتك بنحو 1800 شخص في وقتٍ يستعد فيه النصف الشمالي للكرة الأرضية لبدء الفصل البارد المواتي لانتشار الوباء.

 

وحذَّرت منظمة الأغذية والزراعة، التابعة للأمم المتحدة (فاو)، من إمكانية انتشار فيروس إنفلونزا الخنازير "H1N1" عن طريق إصابة الطيور الداجنة به، يأتي ذلك بعد اكتشاف حالات إصابة في مزارع الديك الرومي في تشيلي الأسبوع الماضي، وأوضحت المنظمة أن مزارع الطيور في أماكن أخرى من العالم معرضة أيضًا للإصابة، ويخشى العلماء من اختلاط الفيروس بفصائل أشد خطرًا.

 

وفي مصر بدأت الحكومة تتحرك لمواجهه هذا الوباء فقررت 4 جامعات هي "جامعة القاهرة وعين شمس وحلوان وسوهاج" مد اليوم الدراسي، مع تقسيم الطلاب إلى مجموعاتٍ لتقليل الكثافة الطلابية في المحاضرات، بهدف مواجهة تفشي فيروس إنفلونزا الخنازير، وأوصت بضرورة تشكيل لجان طوارئ، وتعيين طبيب مقيم في كل مبنى من مباني المدن الجامعية.

 

وقررت الجمعية الشرعية منع الاعتكاف في مساجدها بسبب إنفلزنزا الخنازير وإنفلونزا الطيور، وانتشار هذه الأمراض الفيروسية من خلال التزاحم والوجود بشكلٍ مكثفٍ في مكانٍ ضيق.

 

وأكدت دراسة أمريكية أن فيروس "H1N1" الجديد أقوى- فيما يبدو- من الإنفلونزا الموسمية؛ الأمر الذي يقلل من احتمال امتزاجه بفيروساتٍ أخرى منتشرة ليتحور إلى "فيروس خارق"، وهو أمر كان البعض يخشى حدوثه.

 

وذكر فريق الباحثين أن فيروس " H1N1" المعروف باسم "إنفلونزا الخنازير" ينتشر أيضًا بسرعة أكبر ويسبب مرضًا أشد في الدراسات التي تم إجراؤها على الحيوانات، لكنه لم يظهر أي مؤشرات على الامتزاج بأي من فيروسي الإنفلونزا الموسمية لتكوين فيروس جديد.
وقال الدكتور "أنتوني فارتشي" بالمعهد القومي للحساسية والأمراض المعدية التابع للمعهد

 

القومي للصحة: تشير النتائج إلى أن إنفلونزا " H1N1" التي ظهرت عام 2009م قد تكون أقوى من سلالتي فيروسات الإنفلونزا الموسمية.. وربما تكون أيضًا معدية بدرجة أكبر.

 

وقال "فارتشي" في بيان: إن الدراسة التي أجراها فريق من جامعة "ماريلاند" على حيوانات من فصيلة النمس تسلط الضوء على ضرورة التطعيم باللقاح الجديد المضاد لإنفلونزا الخنازير.

 

وعندما حقن الفريق حيوانات النمس بفيروس "إتش1 إن1" الذي ظهر عام 2009م بالإضافة إلى فيروس "إتش1 إن1" الموسمي أو فيروس "إتش3 إن2" الموسمي أصابها الفيروسان بالمرض، لكن فيروس "إتش1 إن1" فقط هو الذي انتقل إلى حيواناتٍ أخرى؛ الأمر الذي يشير إلى أنه سيفوق الإنفلونزا العادية.

 

وقال "دانييل بيريس" من جامعة "ماريلاند" في بيان: جائحة فيروس "H1N1" ذات ميزة بيولوجية واضحة على سلالتي الإنفلونزا الموسمية الرئيسيتين.

 

وتوصل الباحثون أيضًا إلى أن فيروس الجائحة سبب التهابات أعمق في الجهاز التنفسي لدى حيوانات النمس بما في ذلك الرئتان، بينما لم تتجاوز السلالات الموسمية التجويف الأنفي.

 

السؤال كيف يمكن التعامل مع الموجة الثانية والثالثة للفيروسات في الخريف؟ وما السيناريوهات التي يجب وضعها لتفادي هذه الأزمة؟ وكيف ستواجهه الحكومة هذه الكوارث؟

 الصورة غير متاحة

 مطالب بالاستعداد لأي تحور يطرأ على إنفلونزا الخنازير

 

(إخوان أون لاين) حاول الإجابة على هذه التساؤلات في التحقيق التالي:

يؤكد د. عادل عبد الحميد أستاذ الأمراض المعدية بكلية الطب البيطري بجامعة القاهرة أن الفترة القادمة ستشهد تغيرات كبيرة في أطوار الفيروسات المختلفة سواء إنفلونزا الطيور أو إنفلونزا الخنازير أو أي وباء يتوطن في مصر، وقد بدأ يظهر ذلك بعد وفاة أول حالة في اليابان التي أصاب الفيرس جهازها التنفسي وقضي عليها في أيامٍ قليلة، فبدأت تتغير أعراض الإصابة بالمرض.

 

ويرى أن الاستهانة بهذه الأوبئة وعدم إعطائها قدرًا من الاهتمام أدَّى إلى زيادة انتشارها وتحوُّر الفيروسات بطريقة سريعة، فالأفراد ما زالوا لا يهتمون بصحتهم الشخصية ولا يتبعون الإرشادات الصحية المناسبة للحفاظ على أنفسهم من العدوى.

 

ويضيف أن الحكومة المصرية لا بد أن يكون لديها رؤية أكبر لمواجهة الأزمات بطريقة صحيحة وبجدية، ولا يكفي التصريحات التي لا داعيَ لها، فالزحام ما زال مستمرًّا في المواصلات، ولا تعمل على إيجاد حلٍّ للتخفيفه، وتوطن فيروس إنفلونزا الطيور في مصر ولا تستطيع القضاء عليه.

 

ضرب الخصوصية

ويرى عبد المجيد وهبة رئيس قسم أمراض الدواجن بكلية الطب البيطري جامعة القاهرة أنه على مستوى الثلاث سنوات الماضية تكاد نسبة تنفيذ الخطط تكون قليلة بالنسبة لكمِّ المصائب والكوارث التي تجتاح الوطن بأكمله.

 

وينتقد الأسلوب التي تتعامل به الحكومة مع الطيور والعمل على منع تداولها حيةً في الأسواق، مشيرًا إلى أن قفل محلات الدواجن ومنع نقلها حية دون محاولة تطوير هذه الصناعة والتحرك السريع في إنشاء مجازر جديدة لاستيعاب العدد الكبير من الطيور يعتبر شكلاً من أشكال الاعتداء على الخصوصية العلمية، موضحًا أنه لا يوجد اكتفاء للمجازر في جميع محافظات الجمهورية.

 

ويؤكد أنه لا بد أن تحدث خطوات إيجابية في إنتاج اللقاح على أرض مصر، وهذا سيحقق استثمارًا وطنيًّا واستثمارًا علميًّا للكوادر الطبية الجيدة التي تمتلكها.

 

ويطالب بضرورة تطوير الوسائل المعملية للمحافظات، وألا يتم التعامل مع معمل واحد في مصر متركز في محافظة القاهرة، وتقييم التحصينات في 26 ألف مزرعة في مصر، موضحًا أنه لا بد أن تتم تقييم العينة على مرحلتين؛ المرحلة الأولى هو تقييم الحالات المشتبه فيها في الأقاليم، والحالات التي يثبت عليها المرض هي التي تُرسل للمعمل الدقيق في القاهرة.

 

ويستنكر ما قاله وزير الصحة حول الحملات الإعلامية الساذجة التي يعتبرها ناجحةً على الرغم أنه لا يوجد تقييم علمي يثبت نجاحها، وهذا الحملات أُنفق عليها أموال طائلة ولا توجد ثمرة لذالك.

 

وأدان استخدام أسلوب العصا أعلى من صوت العقل؛ مما سبب تهرُّب الكثير من الناس في الإبلاغ عن الحالات المصابة بالمرض، فالإجراءات العنيفة تسبق الإجراءات العلمية وسياسة التعويضات حتى الآن لا تُطبَّق بالشكل المطلوب تنفيذه؛ فالأمر لا بد أن يُقابل بعمق وحرفية وتوقع علمي مضبوط.

 

وطالب بضرورة بذل جهد أكبر مع دخول فصل الشتاء، خاصةً بعد ارتفاع معدل الإصابة بالمرض، وسيترتب عليه إبعاد ضخمة تؤثر على المجتمع كله، فلا بد من تجميد كل الأجهزة والاستعانة بكل الوزارات للسيطرة على الموقف.

 

توظيف العلم

 الصورة غير متاحة

د. سامي طه

ويرى سامي طه عضو النقابة العامة للأطباء البيطريين أن هذا الخريف خريف حاد؛ لأن الفيروسيات تنتعش في الجو البارد، وإنفلونزا الخنازير أو أية إنفلونزا المفتاح السحري لانتشارها هو الزحام سواء كان الزحام بين "الحيوانات أو الطيور أو البشر".

 

ويشير إلى أن مصر لها الحالة الفريدة من نوعها لانتشار الفيروسات في أنحائها، فبالنسبة لإنفلونزا الخنازير السبب الأصلي للتحول الفيروسات هو وجود الحظائر العشوائية، وعلى الرغم من الإجراءات التي اتخذت للقضاء على الخنازير إلا أنه ما زال هناك خنازير مهربة، وتؤكد مصادر أن الحكومة احتفظت بما يقرب من 100 ألف خنزير في الصحراء الغربية لإعادتها مرةً أخرى بعد انتهاء الأزمة.

 

ويوضح أنه لا داعي للاحتفاظ بالخنزير، فتربية الخنزير تختلف في الدول الأخرى عن مصر، فهناك مزارع متخصصة لتربية الخنازير ولديهم اللقاحات المتخصصة للتعامل مع المشكلة ولمحاربة المرض.

 

وألمح إلى أن الحالة المصرية شبيهة بالحالة المكسيكية؛ وذلك نظرًا للزحام الشديد في العاصمه على الرغم في بعض البلدان لا يتجاوز الشريط السكاني 4.5% أو 5% من الشريط السكاني.

 

وتساءل قائلاً: حتى هذه اللحظة لم يعلن وزير الصحة التقرير الذي كلَّفه به رئيس الحكومة حول الإجراءات المتخذة لمحاربة الأوبئة؟ وما زالت وزاره الصحة تدفن رأسها في الرمال ولا تتحرك بشكلٍ فعلي.

 

وفيما يتعلق بإنفلونزا الطيور أشار طه إلى وجود ما يقرب من 25 ألف مزرعة داجنة، والاستمرار في محاربة هذه المزارع والعمل على إغلاقها ليس حلاًّ، وما زال الفيروس مستمرًّا في طريقه، ويتم القضاء على الثروة الداجنة، موضحًا أن لا بد من التعامل مع الواقع، وتكليف طبيب بيطري ليكون الإنذار المبكر للإبلاغ عن الإصابات.

 

ويضيف أنه في عام 1952 تم استئصال مرض إنفلونزا الطيور من مصر عند ظهوره في ذلك الحين بالتحصين من اللقاح المصنع في مصر وبأطباء مصريين، وكان وقتها كلية طب بيطري واحدة، أما الآن فيوجد ما يقرب من 11 كليةً ولم تتم السيطرة على المرض.

 

وأدان الأسلوب الأمني السيئ في التعامل مع الطيور ما سيؤدي في النهاية إلى إغلاق هذه المزارع على الرغم من أن الإصابات ظهرت نتيجة التربية المنزلية للطيور.

 

ويؤكد طه أن هناك معهدًا عريقًا لإنتاج اللقاحات في العجوزة قد قام بتحضير لقاحٍ تجريبي لهذا الفيروس، وحتى يتم إنتاجه على أسلوبٍ تجاري لا بد من وجود العامل المادي القوي، ولكن مع الأسف لم يتم تلبية هذا الأمر على الرغم من المركز القومي للبحوث لا يستطيع إنتاج هذا المصل بمفرده.

 

ويطالب بضرورة عمل وزارة حرب الأوبئة بدلاً من اللجان التي تقوم بعملها الحكومة التي لا تعطي أي نتيجة مثل لجنة مقاومة إنفلونزا الطيور التي أُنشئت عام 2005م، والتي تبنتها ثلاث وزارات (الزراعة والبيئة والصحة)، وفي عهدها توطَّن الفيروس في البلد، ولجنة مقاومة إنفلونزا الخنازير.

 

وشدد على ضرورة توظيف العلم بشكلٍ تطبيقي وما يقوله العلماء لا بد أن يُنفَّذ على أرض الواقع، وأن يتم التحفظ على مَن يُصاب بالمرض وعدم التفرقة بين غني وفقير في تناول المصل المقاوم للمرض، أما ما نجده الآن هو بديات حصول الأغنياء على المصل؛ لأن السعر الحالي للمصل لا يستطيع الفقير الحصول عليه إذا تم استيراده.

 

تضارب الإجراءات

"الزحام المجتمعي وخطط الحكومة في مواجهته" هذا ما بدأ به د. الخولاني النائب البرلماني للإخوان عضو مجلس نقابة البيطريين ببورسعيد كلامه، موضحًا أن الحكومة لا بد أن تخطط للسيطرة على الزحام والتجمعات في الداخل قبل أن تتخذ قرار بوقف العمرة والحج أو تقليل أعداد المعتمريين.

 

وأكد أن هناك تناقضًا واضحًا بين الإجراءات التي تتخذها الحكومة، فهي تترك حفلات الغناء التي يتجمع بها ما يقرب من 40 ألف فرد في آنٍ واحد، كما استضافت دورة بطولة العالم لكرة اليد وكأس العالم للشباب على الرغم من كل الفرق القادمة تكون من خارج البلد وأحيانًا من البلاد التي يتفشى فيها المرض، فيما سارعت وزارة الأوقاف لمنع الاعتكاف في المساجد هذا العام ما يُعطي إيحاءً للمواطن بأن الحكومة تتحرك ضد الدين بصورة منظمة، ففي البداية تمنع الحج والعمرة، ثم بعد ذلك تمنع الاعتكاف، فلماذا لا يتم منع الزحام داخل مترو الإنفاق.

 

أما فيما يتعلق بالمدارس ومد اليوم الدراسي إلى 12 ساعةً ذكر الخولاني أنها محاولة لتخفيف الكثافة في الفصول، وكل هذه الأمور أشياء ثانوية لا تُغني ولا تُسمن من جوع على حدِّ قوله، فالحكومة تشعر بالقصور الشديد والعجز في مواجهة الأزمة، وتحاول التحرك لمواجهة أهداف أخرى.