د. جابر قميحة

يقع في الخطأ- بل الخطيئة- من يصنِّف الصحف الصادرة في مصر إلى ثلاثة أنواع: صحف قومية، مثل (الأهرام) و(الجمهورية) و(الأخبار) و(المصور) و(روز اليوسف) و(أكتوبر).
وصحف حزبية، مثل (الوفد) و(الأحرار) و(الأهالي).
وصحف مستقلة، مثل (الشروق)، و(صوت الأمة).
ووقفتنا هنا مع ما يسمَّى بالصحف القومية.. إنها أكذوبة كبرى؛ لأن الصحيح أن نسميها: الصحف الحكومية التي تصدر لتحقيق هدف أساسي؛ وهو الوقوف بقوة مع النظام الحاكم، وتبرير أخطائه، وتضخيم الشخصيات القيادية التي تمسك بخناق مصرنا المطحونة.
ومن ناحية أخرى الهجوم البشع على من يعارض الحكومة، وخصوصًا جماعة الإخوان المسلمين، التي يطلقون عليها اسم "المحظورة".
وأصبح الالتقاء على هادفية واحدة، واستخدام وسائل غير مشروعة: كذبًا وتزويرًا ومغالطات؛يصنع "مدرسة إعلامية"، سميتها "مدرسة المستنقع"؛ وأهم أعضائها من يتربَّعون على تكية الصحافة، ويتقاضون مرتباتٍ خرافيةً تتعدى مئات الألوف شهريًّا، من أمثال:
ممتاز القط، وأسامة سرايا، وعمرو عبد السميع، وأحمد موسى، ومحمد علي إبراهيم، والدقاق، وحمدي رزق.. وغيرهم.
وعلى سبيل التمثيل نرى "المحترم" أسامة سرايا يكتب في ذم الإخوان الكثير والكثير، ونكتفي مما كتبه بالسطور الآتية:
"... وتواجهنا من الجهة الأخرى مشكلة الإخوان المسلمين، أو أعضاء الجماعة "المحظورة"، والذين يهدِّدون الاستقرار المصري، وقد شهدنا خلال الأيام الماضية القبض على بعض خلاياهم التي تمارس الإرهاب، وتثير القلاقل، وتقف عقبةً أمام الإصلاحات السياسية المصرية، ونتركهم لأجهزة التحقيق التي نثق بعدالتها".
"... إنه جزءٌ من تاريخهم وبعضٌ من جرائمهم التي يجب أن يعرفها شباب مصر، الذين يحاول البعض إيهامهم بأن الحكم الحالي يضطهد الإخوان؛ باعتباره منافسًا له، وتلك أكذوبة كبرى يجب تعريتها، فالحقيقة أنه لا الحكم الحالي، ولا الحكومات السابقة اضطهدتهم؛ وإنما هم الذين اضطهدوا المجتمع عندما حاربوه منذ أكثر من ستين عامًا، ولم يتغيَّر سلوكهم في مختلف العهود من العهد الملكي ومن حكومات النحاس والنقراشي، وأحمد ماهر إلى عبد الناصر، والسادات، وصولاً إلى الوقت الراهن".
"... وإذا كنا مطالَبين بحماية تجربتنا السياسية من الأفكار الفاشية والنازية؛ فإن علينا أن نواصل حمايتها أيضًا من أفكار جماعة "الإخوان المسلمين" التي ترفع "شعارات ظاهرية" باسم الإسلام، فخطرها لا يقتصر على النظام السياسي وحده، فهي تستهدف هذا النظام كمدخل للتسلط على الاقتصاد، والسياسة، والمجتمع، والناس جميعًا". (الأهرام 24 من أغسطس 2007م).
******
وكتب سرايا: "على كل الأصوات التي تطاولت وهاجمت مصر على زيارة نتنياهو للقاهرة، ولقائه مع الرئيس حسني مبارك؛ أن تبادر بتقديم الاعتذار لمصر ورئيسها؛ لأن الحقائق التي أسفرت عنها الزيارة، وما طرحته مصر على رئيس الوزراء "الإسرائيلي"؛ أثبتت قدرتها وفعاليتها السياسية على محاصرة اليمين "الإسرائيلي"، بل وانتزعت المبادرة من "الإسرائيليين" ومن نتنياهو، ووضعت أمامهم وأمام الرأي العام العالمي والأمريكيين مسارًا عمليًّا جديدًا، وتجاوزت كل الخطط بتحديد إستراتيجية التفاوض". (الأهرام 18 من سبتمبر 2009م).
******
وهنا نرى "أسامة سرايا" ملك تكية الأهرام- في سبيل تلميع النظام القائم- يتدرَّع بمخادعات ومغالطات لا تجوز على تلميذ خائب في المرحلة الابتدائية:
1- فنتنياهو حضر إلى مصر وفي ذهنه خارطة عدوانية محددة، لم يتخلَّ عن نقطة واحدة منها، فكيف تطالب- يا سرايا- ممن اعترض على هذه الزيارة بأن يبادروا بتقديم الاعتذار لمصر ورئيسها؟؟!!
2- وبلغ من وقاحته أن بعث علانيةً واحدًا من رجاله إلى دول حوض النيل؛ لهدف خبيث لا يخفى على أحد، وهذا ما لم يذكره، ولم يشر إليه سرايا.
******
وكتب سرايا تحت عنوان: فاروق حسني خسارة بطعم الفوز
"... كان يسعدنا بالقطع نحن المصريين والعرب أن يواصل فاروق حسني وزير ثقافة مصر تقدمه في الجولة الأخيرة (الخامسة), ويفوز برئاسة اليونسكو, وهي منظمة التربية والعلوم والثقافة في الأمم المتحدة وعالمنا المعاصر, ولكنه خسر في الجولة الأخيرة بعد ماراثون انتخابي مثير, ظل متقدمًا فيه برغم المنافسة الحادَّة, قطع علينا إجازات الأعياد بالمتابعة الدقيقة بكل تفصيلاتها, فقد كانت منافسةً انتخابيةً صعبةً وقويةً بكل المقاييس, أبلى فيها الوزير المصري بلاءً حسنًا, وأعطى ما كنا ننتظره منه, وما نعرفه من شخصيته الناجحة، بل والمتفوقة والمثيرة للجدل والحيوية في مصر؛ حيث قدم برنامجًا لليونسكو في المرحلة المقبلة, سعى من خلاله للتعارف المتسع بين الشمال والجنوب, وبين الجنوب والجنوب, والدفاع عن السلام, في محاولةٍ لبعثٍ جديدٍ للروح الإنسانية في مواجهة الصراعات والحروب, وركَّز في نقاط برنامجه على إسهام العلوم في التنمية ومكافحة الفقر, ولم ينسَ البيئة والتنوُّع البيولوجي والاحتباس الحراري، كما أفرد للتنوع الثقافي بندًا خاصًّا؛ باعتباره بعدًا أساسيًّا في دعم السلام..
أما فاروق حسني، وهو شخصية محظوظة، فبالرغم من هزيمته فقد كسب المعنى والهدف والرسالة، فقد احتفظ بالمنصب الأهم وهو وزير ثقافة مصر, وأمامه مهام كبيرة، أبرزها استكمال المتحف المصري العظيم حتى يستكمل دوره التاريخي في بعث آثار مصر وحضارتها وتنمية الوعي الداخلي بقدرتنا على التغيير والتطور..
ولا ننسى أن نهنِّئ السيدة البلغارية الفائزة لأول مرة أيرينا بوكوفا، ونهنئ من خلالها كل السيدات، ونتمنَّى لها التوفيق، وأن تصدُق في تعاونها مع الجميع، وألا تنجرف بمنظمة الثقافة والعلوم نحو التسييس والعنصرية التي اندفع إليها المتطرفون خلال معركة الانتخابات". (الأهرام: 24/9/2009م).
******
وهذا العنوان الغريب "خسارة بطعم الفوز" يذكِّرنا بما يحبه الأطفال، من أكياس شرائح الشيبس (أي البطاطس)، فهناك شيبس بطعم الجبن، وشيبس بطعم الكباب، وثالث بطعم الجمبري، وهذا هو الذي دفعنا أن نجعل عنوان مقالنا: "سرايا بطعم الفراولة".
ونقول للسيد سرايا: يا محترم "جدًّا"، إن النصر نصر، والهزيمة هزيمة، فهي هزيمة بطعم الهزيمة، فلماذا التمحُّل والخروج على قواعد العقل والتفكير السليم؟ وللأسف نحن أكثر الدول في تحويل انكساراتها وهزائمها الفعلية إلى انتصارات "دعائية" لا وجود لها في الواقع.
وقد نسيت يا سيد سرايا أن هزيمة فاروق حسني لم تحزن واحدًا من المصريين ولا حتى العرب؛ لأن فاروق حسني عاش سنوات "حكمه" مسيئًا لقيمنا التراثية والدينية ومجاملة العدو الصهيوني، فهو يستعين في حفلاته بمايسترو "إسرائيلي" صهيوني، وهو يصرِّح بأنه على استعداد لأن يزور "إسرائيل"، ويقبل دعوتها إذا وُجِّهت إليه.
ولا ننسى أنه أنفق قرابة مائة مليون جنيه من دم الشعب على الاحتفال بالألفية الثالثة.
ولا ينسى له الشعب أنه هاجم الحجاب الشرعي، ووصفه بأنه يمثل عودةً للوراء والتخلف.
وللأسف أسقط مجلس الشعب طلبًا مقدمًا من 130 نائبًا بمحاكمة فاروق حسني سياسيًّا وبرلمانيًّا، طبقًا لقانون محاكمة الوزراء.
ورفض أن يعتذر عن آرائه الساقطة، وأعلن أنه لن يعتذر عنها، بل طالب البرلمان والدولة بأن يعتذرا له.
ولا ينسى له الشعب أنه في وزارته صدرت كتب وروايات تُسيء إلى الدين والخلق وقيمنا الموروثة، مثل الرواية الساقطة "وليمة لأعشاب البحر"، وأنه منح "سيد القمني" جائزة الدولة التقديرية، ومعروف- بل مشهور- عنه إزراؤه بالدين والقيم الموروثة، بل ثبت تزويره الفاضح بادِّعائه أنه حصل على الدكتوراه، فكيف يكون انهزامه بطعم الفوز يا سرايا؟!
******
ومن عجبٍ أن يذكر سرايا أن فاروق حسني بعد هزيمته الوردية قد كسب المعنى والهدف والرسالة، فقد احتفظ بالمنصب الأهم، وهو وزير ثقافة مصر, وأمامه مهام كبيرة، أبرزها استكمال المتحف المصري العظيم حتى يستكمل دوره التاريخي في بعث آثار مصر وحضارتها وتنمية الوعي الداخلي بقدرتنا على التغيير والتطور!.
ألا يرى السيد سرايا أنه أعطى لنفسه ما لا يستحق؛ إذ ذكر أن فاروق حسني محتفظ بوزارة الثقافة، يعني لن يتركها أو يقال منها، وهذا حقٌّ لرئيس جمهورية مصر العربية، لا لرئيس تكية الأهرام، إلا إذا كان سرايا مطلعًا على خفايا الأمور عند الساسة الكبار؟!!
ومن عجب أن سرايا لم يفتح أذنيه وعينيه لما يتردَّد في أوساط كثيرة جدًّا من أن التغيير الوزاري القادم سيشمل الوزير فاروق حسني.
ورحم الله امرأً عرف قدر نفسه يا سيد سرايا.
----------------