مدخل:
لم يزل الكثيرون ممن يشغلهم البحث عن جذور الهوية المشكِّلة للوجدان المصري يتذكرون كيف نجح الراحل الكريم الدكتور عبد العزيز حمودة- رحمه الله تعالى- في التقاط مصطلح نافذ، كان سبق إلى صكِّه الأستاذ عباس محمود العقاد، وهو اصطلاح (الهوية الواقية)، وسعى حمودة منذ أن التقط هذا المصطلح إلى إقرار ما تحوَّل عنوةً إلى مسلَّمة فكريةً ملخصها: أن الهوية الثقافية هي حائط الصد الأخير في مواجهة كل محاولات الاقتلاع، والطمس اللذين هما أبعد بكثير جدًّا، مما سمي زمانًا باسم التغريب أو التغرُّب.
كان ذلك من حمودة في آخر أجزاء موسوعته التي شكلت ملامح مشروعة الفكري في البحث عن نظرية نقدية عربية في كتاب "الخروج من التيه" المسبوق بحلقتين لهما تأثيرهما هما: المرايا المقعرة، والمرايا المحدبة!
منذ ذلك الحين والحقيقة التي كانت قائمة ظاهرة؛ لكن شغب الحداثيين أتى عليها، فطمرتها تيارات قوية من غباره، وزال عنها ما كان يطمس تألقها ويخفي بريقها.
ومنذ ذلك الحين أيضًا وفكرة الاستمداد المباشر من التراث بما هو المكوِّن الأساسي للوجدان العربي والإسلامي خلال مسيرة ممتدة جدًّا في عمق التاريخ، تمثل أصلاً من أصول الإحياء في النهضة المعاصرة من أكثر من زاوية، فلقد تراوحت بواعث الإحيائيين بين كونها قامت بسبب من غيرة دينية، دعت إلى الاهتمام بكل ما هو عربي إسلامي، وبين كونها جاءت استجابة للجهاد القومي الذي خلق حسًّا إحيائيًّا، اتجه إلى جذور الموروث العربي الإسلامي، باحثًا فيه عن المثل الأعلى في الحياة، على حدِّ تعبير الدكتور عبد الحكيم راضي في كتاب النقد الإحيائي في ضوء التراث 1/ 9.
من كل ذلك يأتي المدخل الصحيح لقراءة أبعاد الجهاد العلمي الذي اضطلع به الدكتور النبوي شعلان بما هو الآن واحد من أكبر من أسهم في إعادة إحياء عدد ضخم من المؤلفات الأصول الخاصة بنظرية النقد العربي التي نبتت في الأرض العربية الإسلامية، متعاطية مع النصوص التي شكلت السياق الحاكم للعقل والوجدان العربي المسلم.
حدود الإسهام:
لقد عكف النبوي شعلان مدة طولية جدًّا من الزمن على خدمة الكتب الأصول في ميدان النقد العربي بوجه خاص، وهو ما يمثل الخطوة الأساسية فيما توصل إليه عبد العزيز حمودة ودعا إليه.
وفيما يلي رصد لما توجهت إليه عناية النبوي شعلان فأعاد إحياء فيما يُعرف علميًّا بالتحقيق:
1- مسائل الانتقاد، لمحمد بن شرف القيرواني، مطبعة المدني سنة 1402هـ 1982م.
2- كفاية الطالب في نقد كلام الشاعر والكاتب، لضياء الدين بن الأثير المتوفى سنة 617هـ، طبعة الزهراء للإعلام العربي سنة 1415هـ 1994م.
3- العمدة في صناعة الشعر ونقده، لابن رشيق القيرواني، مكتبة الخانجي سنة 1420هـ 2000م.
4- سر الفصاحة لابن سنان الخفاجي دار قباء سنة 2003م.
5- ديوان المعاني لأبي هلال العسكري، مؤسسة العلياء سنة 1429هـ 2008م.
كما أسهم الدكتور النبوي شعلان في خدمة آداب العربية بما أخرجه محققًا من النصوص الأدبية التالية، وهي كذلك مراجع داخلة في خدمة النظرية النقدية العربية من باب ثانٍ بما تضمنته من آراء نقدية، جاءت تابعة لما أورده مؤلفوها من نصوص عالية القيمة في إطار تصنيفي يرعى القيم والموضوعات:
1- من غاب عنه المطرب، للثعالبي، مكتبة الخانجي سنة 1405هـ 1984م.
2- أدب النديم، لكشاجم، القاهرة سنة 1406هـ 1987م، ثم مكتبة الخانجي سنة 1419هـ 1999م.
3- المصون في سر الهوى المكنون، للحصري القيرواني، دار العرب للبستاني سنة 1989م.
قيم ظاهرة:
ومن تأمل هذه القائمة الموزعة على فرعين ضاربين في الصميم من خدمة التراث العربي عمومًا، ومن خدمة النظرية النقدية العربية بما هي شكل من أشكال الهوية الواقية بوجه خاص، يظهر لنا ما يلي:
أولاً: وعي الدكتور النبوي شعلان بوحدة الأمة العربية الإسلامية مشرقها ومغربها، وهو ما تجلَّى في عنايته بتحقيق نصوص تراثية مشرقية على ما يظهر من كتابات ابن الأثير وابن سنان وأبي هلال العسكري والثعالبي، مع رعايته لنصوص من المغرب الإسلامي على ما يظهر في كتابات القيروانيين؛ ابن مشرف والحصري وابن رشيق، وفي هذا الجانب الأخير ما يعكس ضرورة البعد عما شاع زمنًا طويلاً باسم الإقليمية في خدمة تراث الأمة؛ حيث شاعت لفترة نغمة أن يخدم المشارقة تراث المشرق، وأن يعني المغاربة بتراث أهل المغرب.
ثانيًا: وعي بضرورة قراءة المنجز النقدي الأدبي في امتداداته الزمنية الطويلة، وهو ما انعكس في عنايته بتحقيق نصوص مهمة ممتدة خلال قرون متطاولة من القرن الثالث حتى السابع الهجريين.
ثالثًا: وعيه الظاهر بالتنوع في المذاهب (المدارس النقدية)؛ سواء ما كان منها منتميًا إلى النزعة الأدبية أو الفلسفية، مضافًا إليها ما ظهر من عنايته بالنصوص النظرية للنقد العربي، متعانقًا مع التطبيقات، وهو ما يفرض على النهضة العربية المعاصرة في سعيها نحو إقامة نظرية عربية نقدية أن تلم بخيوط النقد العربي التراثي في أبعاده ونطاقاته المختلفة.
النبوي شعلان وسلاح الهوية:
وبهذا الذي رصدناه يتضح لنا أن الجهاد العلمي للدكتور النبوي شعلان المتمثل في تحقيقاته لهذه النصوص المهمة جدًّا في تاريخ النقد والأدب العربيين.. له قيمة بارزة من عدة جوانب يمكن إجمالها فيما يلي:
أولاً: إذا كان الاستمداد المباشر من التراث على حدِّ تعبير الكريم الدكتور عبد الحكيم راضي، يمثل مفتاحًا لازمًا في طريق الإحياء والتجديد؛ فإن ما قدمه النبوي شعلان يصب مباشرةً في خدمة هذا الرافد الخطير على طريق التسلح للكشف عن أبعاد النظرية النقدية العربية التي تنتشر مسائلها، وحدودها ابتداء في أدبيات النقد العربي، وما دار في فلكها من نصوص الأدب، وكتابات البلاغيين واللغويين وشراح الشعر والنثر من علماء العربية على امتداد عطائهم.
ثانيًا: وإذا كان الإثبات من المنظرين لمقام الهوية والمؤطرين لخصائص النفس المصرية والعربية المعاصرة، ينطلقون في تنظيرهم وتأطيرهم من حقيقة مسلَّمة، تقرر أن خصائص النفس العربية تستمد ملامحها الأصلية من تعانق ما أورثه الإسلام من جانب، وما انسرب من العروبة من جانبٍ آخر؛ فإن ما قدمه النبوي شعلان من تحقيقات لنصوص مهمة جدًّا، تتضمن كنوزًا من الأشعار والفقرات النثرية المتنوعة زمنًا وغرضًا ومكانًا وصدورًا عن مؤلفيها، يمثل زادًا لا يمكن تقدير قيمته خطرًا، ولا تثمين وزنة علوًّا في باب خدمة الوجدان المعاصر الذي لا يصح أن ينفصل عن روافده الموصولة بتاريخ الإسلام والعروبة خلال الزمان الطويل.
إن توقفنا أمام عطاء عَلَم من أعلام العناية بالتراث العربي في باب من أخطر الأبواب التي يعبث من خلالها خصوم الروح الإسلامية العربية، وهو باب النقد يهدف إلى تقدير أبعاد هذا الجهاد العلمي الذي استغرق عمر رجل من أثبت من تعامل مع نصوص النقد العربي القديم.
كما أنه بانتمائه للأزهر الجامعة يعيد الأمل في إمكان استعادة هذه المؤسسة العلمية العريقة لسابق مكانتها.
باسم الهوية الواقية التي تتجلَّى بعض روافدها فيما تركه لنا الأسلاف العظام، مدونًا بهذه اللغة العالمية التي تتعرض لواحد من أقسى المواجهات والمحن، وباسم هذا العكوف والتبتل في محراب التحقيق نسوق أخلص تحية يدفعها تقدير حقيقي لهذا الجهد الذي هو ضرب من الجهاد بكل ما تجله من دلالات.
----------
* كلية الآداب- جامعة المنوفية