أعيادنا لمسات من الأمل الجديد نتجاوز بها الألم العتيد، ونتعايش مع الفرحة بتوفيق الله الكريم الحميد، الذي أعاننا على الصيام فخلت البطون ساعات من النهار، وصفت القلوب بالليل والنهار، ولهجت الألسنة بالأذكار، ورُفعت الأيدي بالأسحار، توسلاً إلى الواحد الغفار أن يغفر الزلات، ويرفع الدرجات، ويحفظنا من الآفات، ويصلح ما هو آت، ويجعل لنا من كل ضيق مخرجًا ومن كل هم فرجًا، فمرت أيام رمضان فيضًا من الرحمات، فعمرت المساجد بالمؤمنين والمؤمنات، وامتلأت بطون خاويات، وتكاثرت البرامج الهادفة في الفضائيات، وتنافس المسلمون والمسلمات على فعل الخيرات وترك المنكرات، وانتشرت المسابقات في حفظ القرآن وتحصيل السند والروايات، وشعرت في ليلة القدر بأن الأرض ترتفع إلى السماوات، وأن بكاء المخبتين والمخبتات يغسل نفوسنا من الزلات، ويقربنا إلى ربِّ الأرض والسماوات.

 

لكن الألم عاودني عندما اعتبر كثير من المسلمين صلاة العيد حفل ختام للشعائر والعبادات، وفرصة للانبساط في الحلال والمكروهات والمحرمات، فبعد أن صليت مغرب يوم العيد جاءني سائل يقول: "لي صديق كانت له علاقة محرمة مع إحدى الفتيات، وتاب وأناب وانقطع عنها طوال رمضان، لكنه مع أول ساعات العيد عاد إلى ما كان عليه"، فقلت له: "أخبره أن يعود إلى التوبة فإن بابها مفتوح طوال العام، قبل أن يأتي الموت بغتة في ليل أو نهار"، ووجدتني أفتيه بأن يصوم أسبوعين متوالين لكسر شهوته، وهدم نزوته، وعقاب نفسه، وترغيم شيطانه، وأوصيته إن عاد أن يضاعف الكفارة،  فلما استغرب قلت له: "إذا رَكِبْت سيارتَك وقَتَلْت إنسانًا خطأ، أو قال زوج لزوجته: "أنتِ عليَّ كظهر أمي"، ومن كسر حرمة شهر رمضان بلقمةٍ من حلال، أو نزوةٍ مع زوجته في الحلال، فيجب في هذه الحالات كلها أن يصوم شهرين متتابعين، فكيف بمَن اجترأ على الحرام عمدًا؟! واقترف من الموبقات قصدًا، ولعل من تخفيف هذه الآلام أن نصوم ستًا من شوال حتى تظل النفس تحمل هذا اللجام، لجام الصيام الذي يكبح الهوى، فيعيد التوازن إلى الإنسان بين روح وفطرة تدعو إلى المعالي والمكارم، وبين نفس وهوى تشد الإنسان إلى المحارم، وعقل يفكر ويختار بين المغانم والمغارم.

 

يا أحبابنا أحيوا المكارم في النفوس ليعود الأمل في أن نكون ربانيين طوال العام لا رمضانيين بعض الأيام! ولنعمر المساجد بالصلوات والمدارسات، والقلوب بأوراد القرآن والنفوس بشعيرة الصيام، فما يزال العبد يتقرب إلى الله بالنوافل حتى يحبه.

-----------

* www.salahsoltan.com