هناك قصة حقيقة حدثت في التسعينيات في كلية دار العلوم جامعة القاهرة؛ حيث ذهب طالب إلى أحد كبار أساتذة البلاغة والنقد الأدبي أ. د. رجاء جبر، وسأله أن يقيِّم شعره ولم ينتظر رده، فقال: "ستجد شعرًا فريدًا عظيمًا متميزًا"، فدعاه إلى مكتبه واستمع إلى قصائده، ثم قال له بلغته الساخرة: "أنت فعلاً شاعر ممتاز، وشعرك فريد كما ذكرت، ولا ينقصه إلا عيبان فقط: الشكل والمضمون".

 

لا أدري لماذا تحضرني هذه القصة كثيرًا عندما أنظر إلى أحوال أمتي، ورغم أنني أدعو كثيرًا إلى الأمل مهما كان الألم، والعمل مهما كان الخلل، واستحضار الهمة مهما كانت هموم الأمة؛ لكني أعتبر أن ذلك لا يمنع من الصراحة مع النفس في وصف الداء، والشجاعة في تجرُّع مرارة الدواء.

 

وأعتقد أن من يريد تقييم أوضاع الأمة فإن مكة المكرمة هي المحطة الرئيسة التي يأتيها المسلمون من كل فجٍّ عميق، وبالتالي يكون التقييم على مساحة لا تتوفر في اجتماع جنسيات من كل دول العالم، كما يحدث في مكة المكرمة، حفظها الله تعالى.

 

إذا جئنا إلى الشكل عند الإفطار على سبيل المثال فإنك ستجد احتشادًا واهتمامًا بتوفير التمور والمياه والقهوة والحلويات، كأن هناك غزوةً ستتم بعد قليل، وما إن يؤذن المغرب حتى تسيل دماء القهوة ومياه زمزم وبقايا الطعام والمناديل الورقية على أرض الحرم الشريف، وتجد مخلَّفات المعركة مؤذيةً للعقل والقلب والوجدان، ولولا جهاد التنظيف حيث يأتي الجيش الآخر بمنتهى السرعة فينقضُّ ويطارد مخلَّفات هؤلاء الغازين الآكلين، ويفرون أمامهم هاربين، ويحملون نعوش القمامة إلى الخارج مسرعين.

 

هذا المنظر يستدعي في ذاكرتي مضمون الصيام الذي كان يتخفَّف فيه الصحابة والتابعون من الطعام، ويغزون أعداء الإسلام عملاً بالمقصد الشرعي من الصيام الذي أكده ابن القيم بقوله: "من صام طويلاً ثم أكل كثيرًا، كان كمن بنى قصرا وهدم مصرًا".

 

أحسب أن مراد الله تعالى من شعيرة الصيام في المضمون هو امتلاك ناصية الهوى، وإلزام النفس لجام التقوى؛ مما يؤثر في الشكل في أبهى صور التعفف والتنظف والترفع عن كل ما لا يليق بالإنسان، خاصةً عند بيته الحرام، الذي أوحى الله تعالى إلى إبراهيم وإسماعيل عليهما السلام ﴿أَنْ طَهِّرَا بَيْتِيَ لِلطَّائِفِينَ وَالْعَاكِفِينَ وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ﴾ (البقرة: 125)، فإلى طهارة المضمون ونظافة الشكل لتحقيق مقاصد الصيام كما أمر الرحمن، وليس كما يفعل أبناء الإسلام!.

 

الشكل يراه الناس ورب الناس، أما المضمون كله فلا يراه إلا رب الناس، فالناس يرون الظاهر ﴿وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ﴾ (آل عمران: 145)..

 

الشكل يبهر الناس، والمضمون يرضي أو يسخط رب الناس..

الشكل في الصيام امتناع عن الطعام والشراب والجماع والاستمناء والاستقاء من الفجر إلى المغرب، والمضمون هو امتناع اللسان عن الكذب والغيبة والنميمة واللغو والرفث والفسوق والبهتان والعصيان، وامتناع القلب عن الرياء والنفاق والشقاق والحقد والغِل والحسد، وامتناع العين عن مشاهدة أفلام العري والعنف والخمور، والزنا والخنا والفجور، وامتناع اليد عن توقيع القرارت الظالمة، أو تحريك الزراير نحو الأفلام الهابطة، وكتابة الرسائل الغرامية الساقطة، وكتابة المقالات المنافقة، والفتاوى النافقة، وامتناع الأذن عن الإصغاء إلى المسلسلات اللاهية والأغاني الهاوية.

 

الشكل في الصلاة هو أقوال وأفعال تبدأ بالتكبير وتنتهي بالتسليم، والمضمون هو الخشوع والخضوع والذلة والمسكنة بين يدي رب الوجود، ثم سلام ووئام مع المؤمنين، وعزة وشدة مع المغضوب عليهم والضالين.

 

شكل زكاة الفطر والمال هي حصة تجب على الأشخاص أو في الأموال بشروط مخصوصة، والمضمون ألا يكون المال دُولةً بين الأغنياء، وإغناء الفقراء والمساكين عن ذل السؤال، وصنع السلام بين أبناء المجتمع الواحد.

 

والحج هو قصد مخصوص إلى بيت الله الحرام، مع إحرام وطواف وسعي ووقوف بعرفة، والمضمون هو ذكر الله وبناء الأمة الواحدة، وإقامة قوة دفاع مشتركة، وسوق إسلامية واحدة، ومحاربة جماعية للرفث والفسوق والجدال بالباطل؛ حتى نكون شهداء على الناس.

 

الشكل في الحجاب غطاءٌ على الرأس والرقبة، لكنَّ المضمون نفْسٌ شريفة نظيفة عفيفة تقية ورِعة.

 

الشكل في الجهاد تدريب واستعداد ونزال وقتال، والمضمون هو ردعٌ للأعداء، ودرعٌ للأولياء، وشوق للقاء رب الأرض والسماء، في منازل الشهداء.

 

إن الشكل مهم، لكن الأهم هو المضمون، فيستطيع المنافق المخادع أن يستوفي الشكل ليخدع الخَلق، لكن الخالق لا يُخدع، ولا يقبل إلا عملاً تَوافَق فيه الشكل مع المضمون، وانفعل الجسم مع العقل والقلب؛ ولذا ركَّز حديث الصيام والقيام على الإيمان والاحتساب كشرطَيْن للمغفرة والقبول، كما أن من ذاق عرف، ومن حُرم انحرف، فمن ذاق حلاوة الصيام والصلاة والزكاة والحج؛ فلن يدع الصيام ولو ثلاثة أيام كل شهر، وستكون صلاته عنوان حياته، ومصدر راحته، وسينفق المال بالليل والنهار، وسيتابع بين الحج والعمرة.

 

فليكن رمضان شكلاً مع المضمون، لتصنعنا الصلاة والصيام، والزكاة والقرآن، على عين الرحمن طوال العام، ولتكون أيامنا أعيادًا؛ فرحًا برحمة الله ومغفرته والعتق من النيران وسكنى الجنان.

----------

* أستاذ الشريعة الإسلامية.

* www.salahsoltan.com