- د. ماجد خلوصي: على الحكومة الحفاظ على الهُويّة ومحاربة الفساد

- عمر عبد الله: استيراد الخبرات وتجاهل خبرائنا هما أساس المشكلة

- د. مجدي قُرقُر: يجب تحديد الرؤى الإستراتيجية عند تنفيذ المشروع

- د. علي حافظ: مليونا جنيه تكلفة المسابقة عبث بأموالنا 

 

تحقيق- هند محسن:

أصبح ميدان رمسيس على يد فاروق حسني وزير الثقافة معملَ تجارب دوليًّا، فمن وقتٍ لآخر يخرج علينا وزير الثقافة بأفكارٍ غريبة وتقاليع أكثر غرابةً، فمن نقل تمثال رمسيس من ميدانه والذي تكلَّف 6 ملايين جنيه، إلى ترميمه سرًّا بملايين الجنيهات، فلا نكاد نفرغ من فكرة لتبرز فكرة أخرى، ليخرج علينا الوزير بمسابقة دولية لوضع تخطيط عمراني وتنسيق حضاري لميدان رمسيس؛ الذي يُعد من أكبر ميادين مصر وأكثرها حيويةً لدى الشارع المصري، ليكون تحت إشراف دولي من قِبل الاتحاد الدولي للمعماريين، وفق رؤية خطة شاملة لتطوير مدينة القاهرة، والتي ينظمها الجهاز القومي للتنسيق الحضاري، قد نفقد من خلالها هُويَّتنا وحضارتنا!.

 

وجاءت نتيجة المسابقة التي أعلنها الدكتور عبد الله عبد العزيز رئيس لجنة التحكيم الدولية للمسابقة بفوز مجموعة آريب (Arep) الهندسية الفرنسية، بالاشتراك مع المكتب المصري بيكت (Bect) بالجائزة الأولى للمسابقة الدولية لإعادة تخطيط ميدان رمسيس، والتي تبلغ قيمتها 100 ألف دولار، وفاز المكتب الأيرلندي كويلجان أركتكت (Quilligan Architects ) بالجائزة الثانية وقيمتها 75 ألف دولار، أما الجائزة الثالثة فكانت من نصيب المجموعة التركية نعمت آيدن وقيمتها 50 ألف دولار، وبلغت المشروعات التي خضعت للتحكيم 35 مشروعًا.

 

(إخوان أون لاين) طرح تساؤلات عديدة حول المسابقة: لماذا الاستعانة بخبير أجنبي واستيراد خبراته في القيام بالتخطيطات العمرانية والتنسيقات الحضارية المحلية؟ وهل عجز مهندسو مصر وخبراؤها عن وضع تخطيط شامل لميدان رمسيس؟ وهل سيراعي الخبير الأجنبي عندما ينقل المواقع الحيوية من ميدان رمسيس مدى تأثير ذلك في المواطن المصري؟ ولماذا جاء عدم التوازن في أعضاء لجنة التحكيم؟ وما تأثير تكلفة هذه المسابقة في الميزانية؟، أليس خبراء مصر ومهندسوها أولى بهذه الميزانية؟ وما المخاوف القائمة بعد التعاقد مع الفائز؟!

 

ضياع للهوية

 الصورة غير متاحة

ميدان رمسيس

   بدايةً يرى الخبير المهندس د. ماجد خلوصي الأمين العام المساعد للاتحاد العربي للتحكيم الدولي ورئيس الشعبة المعمارية بنقابة المهندسين سابقًا أن فكرة تخطيط القاهرة وتطويرها فكرة جيدة، لكنْ أن يتم تطويرها على أيدي خبراء أجانب فهذا يُفقدنا هُويَّتَنا، فكل ما يخططه الخبير الأجنبي سيخرج حتمًا عن إطار معمارنا عندما نؤرخ لحضارتنا، وبالتالي يصبح الأمر تزويرًا للتاريخ.

 

وأوضح خلوصي أن هناك أمرًا آخر عند تعاقد جهاز التنسيق الحضاري مع الفائز في المسابقة؛ حيث إنه قد تحدث خلافاتٌ أثناء هذا التعاقد عند التنفيذ على أرض الواقع؛ لوجود اختبارات للتربة وكشف هيئة للمباني؛ الأمر الذي قد يؤدي بالفائز إلى اللجوء لمركز حسم المنازعات الدولية، وتقديم شكوى ضد الحكومة المصرية، والمطالبة بتعويضات باهظة قد تصل إلى ملايين الجنيهات!.

 

وتساءل خلوصي: لماذا لا يتم الاستعانة بالخبرات المصرية التي هي على دراية في الأصل بما يمس المجتمع والبيئة المحيطة به وبمخططاته ومشكلاته، فضلاً عن معاناة مكاتبنا الهندسية من قلة العمل، هذا غير ما تزخر به جامعاتنا ومراكزنا العلمية بخبرات هائلة في هذا المجال، فمصر لم تنضب علميًّا بعد!.

 

وعرض خلوصي للمشكلات العديدة التي سيئول إليها ميدان رمسيس من جرَّاء هذه المسابقة عندما يقوم بها خبيرٌ أجنبيٌّ ليس على علم بميدان رمسيس، فكيف سيتمُّ التعامل مع محطة مصر مكان التقاء المحافظات، وهناك الجراج الكبير بالميدان، الذي سيتم هدمه ضمن خطة التطوير، وكمّ الكباري المتداخلة بالميدان، هذا غير المنشآت الأثرية هناك، فضلاً عن توافد 5 ملايين مواطن يتردَّدون على الميدان يوميًّا!.

 

تخوفات ومطالب

وأعرب خلوصي عن عدة تخوفات؛ منها أن تكون فكرة التصميم التي فازت غير عربية أو إسلامية ولا علاقة لها بتاريخ مصر، وأن يشوب التعاقد الجهل أو الفساد المشروعَ، أو أن يتم التلاعب في نسبة حجم الأعمال والأتعاب، وتنصيب رئيس غير مؤهل للمشروع على أكبر الكفاءات كما حدث في مشروع مكتبة الإسكندرية، إضافةً إلى دخول آخرين غير متخصصين من جهاز التنسيق الحضاري بعدما ينتهي دور المحكمين المصريين، ومن ثَمَّ يتم اتخاذ قرارات تكون في غير موضعها.

 

وطالب خلوصي الجهاز القومي للتنسيق الحضاري عند التعاقد مع الفائز في المسابقة بالمحافظة على الهوية العربية والإسلامية وتاريخ مصر، والتأكد من أن الشريك المصري حصل على نسبة أعمال وأتعاب تبلغ 51%؛ حيث إن الفساد والجهل يكمنان في مثل هذه التعاقدات، بالإضافة إلى رؤية حجم الأعمال للمكتب المصري الشريك للفائز الأجنبي، وأن تكون نسبة أكثر من 50% من الإشراف والتنفيذ على المشروع للمكتب المصري، بل يُفضَّل أن يكون الإشراف والتنفيذ بشكلٍ كامل؛ حيث إننا نملك من الخبرات ما يؤهلنا لذلك.

 

كما طالبه بتشكيل لجنة استشارية على أعلى مستوى؛ لمراقبة آليات تنفيذ المشروع، فضلاً عن مراقبة شعبية، واستخدام ما يُسمى بإدارة العقد.

 

استيراد وتجاهل

 الصورة غير متاحة

 م. عمر عبد الله

   أما المهندس عمر عبد الله منسق تجمع "مهندسون ضد الحراسة" فيقول إن المشكلة تكمن في تدويل المسابقة والاستعانة بالمهندس الأجنبي، واستيراد خبراته في التعامل مع تخطيطات وتصميمات معمارية وحضارية في الدولة، رغم أن هذا مشروطٌ في غالبية دول العالم ومحظور في بعضها؟!، موضحًا أن مَن سيقوم بالتخطيط المعماري والحضاري في ميدان مصري كميدان رمسيس؛ لا يتعامل مع معمار في نيويورك أو هونج كونج أو حتى في ألمانيا، وبالتالي نحتاج لمَن تعايش مع البيئة المصرية وعايشها، ولديه القدرة على التعامل مع ظروفها.

 

وأكد عبد الله على وجود احتمالية قائمة في أن عدم التوازن في عدد أعضاء لجنة تحكيم المسابقة، والتي يُحكم فيها 3 مصريين و4 أجانب؛ له تأثير في اختيار الفائزين من دول أجنبية!.

 

واستنكر عبد الله التجاهُل المتعمَّد للعديد من أساتذة الجامعات في أكثر من 20 جامعة مصرية وخبراء تخطيط في العديد من المنشآت العلمية لمراكز البحوث وهيئات التخطيط العمراني والقومي في مصر!، فضلاً عن عدم استشارة نقابة المهندسين، والتي تُعتبر الهيئة الممثلة لهم، فضلاً عن كونها هيئةً استشاريةً للدولة في مجال تخصصها.

 

وأضاف عبد الله أن وزير الثقافة ومعاونيه قد استوردوا لمصر مَن يُحدِّد ماهية حضارتها، ويتم إنفاق أموال طائلة من ميزانية الدولة لذلك، وأقرب مثال هو مشروع مكتبة الإسكندرية والذي نفَّذه مقاول أجنبي بشراكة مع شركة "المقاولون العرب"، كواجهة فقط، كلَّفت مصر أموالاً باهظةً، وصلت إلى 120 مليون جنيه، معللاً موقف وزير الثقافة بأنه يداعب منصب أمين عام اليونسكو، وإن تمَّ بالقفز على بعض المسلمات الوطنية!.

 

رؤية إستراتيجية

 الصورة غير متاحة

د. مجدي قرقر

   وقال الدكتور مجدي قُرقُر الأستاذ بكلية التخطيط العمراني بجامعة القاهرة والأمين العام المساعد لحزب العمل إن القضية ليست مسابقة دولية؛ بقدر ما هي رؤية إستراتيجية لحركات النقليات في مستقبل مدينة القاهرة، وما إذا كان ميدان رمسيس سيظل المحطة النهائية للسكك الحديدية أم أنه سيتم نقل محطات محافظات الوجه البحري ومحافظات الدلتا إلى شبرا، ونقل محطات محافظات الصعيد، فضلاً عن تقديم حجم النقليات والأثر المترتب على هذا الحجم في ميدان رمسيس؛ لذا علينا أولاً تحديد الرؤى الإستراتيجية ككل.

 

تأييد

في حين أعربت الدكتورة سهير حواس أستاذ مساعد الهندسة المعمارية بجامعة القاهرة ورئيس الإدارة المركزية للدراسات والبحوث والسياسات، والتي أشرفت على مشروع تطوير القاهرة الخديوية عن تأييدها التام للمسابقة، معللةً بذلك أن الشعب المصري منذ زمن يعاني من منظر القبح في كل مكان في مصر عامةً والقاهرة خاصةً، ولا مانع من طرح مثل هذه المسابقات من وقت لآخر لنعطي فرصةً لبيوت الخبرة أن تتكون وتنضج، مؤكدةً وجود الشفافية الكاملة والنزاهة الواضحة في التحكيم.

 

وأشارت حواس إلى أنها فرصةٌ لعرض الكفاءات المصرية، وتكوين منافسة بينها وبين بقية الدول؛ حيث إننا نملك كفاءاتٍ عاليةً جدًّا من المهندسين نستطيع أن ننافس بها.

 

عبث بالمقدرات

وأكد الدكتور علي حافظ منصور الخبير الاقتصادي وأستاذ الاقتصاد بكلية الاقتصاد والعلوم السياسية بجامعة القاهرة؛ أنه عندما تكون تكلفة مسابقة دولية واحدة من أجل فكرة مشروع فقط؛ تبلغ ما يربو على مليوني جنيه؛ حيث إن الجوائز الثلاث للفائزين تبلغ قيمتها 225 ألف دولار أمريكي، هذا إلى جانب أتعاب لجنة التحكيم والتي تصل قيمتها عادةً إلى نصف قيمة الجوائز؛ أي ما يُعادل 110 آلاف دولار، وبالتالي يكون إجمالي ما تحملته الدولة من تكلفة المسابقة ككل 335 ألف دولار؛ أي ما يُعادل مليونًا و800 ألف جنيه مصري؛ فإن هذا يُعد عبثًا بمقدرات الدولة وأموالها، التي هي في نهاية الأمر حق الشعب المصري!.

 

ويشير منصور إلى أن هناك كليةً كاملةً لها القدرة على تخطيط ميدان رمسيس وتصميمه، ومن ثَم التنفيذ، وهي كلية التخطيط العمراني، فخريجوها وأساتذتها سيراعون النواحي الاجتماعية والجوانب الاقتصادية، كما سيكون لديهم القدرة على تنظيم مواصلات الأفراد، وستكون محطة السكة الحديد في بؤرة اهتمامهم.