إن الحمد لله نحمده سبحانه ونستعينه ونستغفره ونستهديه، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، إنه من يهده الله فلا مضل له ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، هدانا لهداية الإسلام وما كنا لنهتدي لولا أن هدانا الله، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله خير مَن صام لربه وقام صلى الله عليه وعلى آله وصحبه، ومَن دعا بدعوته، واهتدى بهديه إلى يوم الدين.. الله أكبر الله أكبر ولله الحمد.

 

أيها الإخوة الأحباء:

يومنا هذا يوم عيد لمَن أشرقت مصابيح الهداية في قلبه، وسطعت أنوار المعرفة في فؤاده، وهتفت به هواتف الحقيقة ﴿ وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالإِنسَ إِلاَّ لِيَعْبُدُونِ (56)﴾ (الذاريات)، ﴿ قُلْ إِنَّ صَلاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَاي وَمَمَاتِي للهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (162) لا شَرِيكَ لَهُ وَبِذَلِكَ أُمِرْتُ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ (163)﴾ (الأنعام)، ففقه سر وجوده، وهُدِي إلى غايته، واطمأنَّ إلى وجهته، فأخذ في التشمير، وجدَّ في المسير، فهذا هو الرجل والرجال قليل، و"الناس كإبل مائة لا تكاد تجد فيها راحلة".

 

أيها الإخوة الأحباء:

يومنا هذا يوم عيد في الأرض ويوم الجائزة في السماء، ينادي الحق تبارك وتعالى ملائكته: ما جزاء الأجير إذا عمل عمله قال فتقول الملائكة إلهنا وسيدنا جزاؤه أن توفيه أجره قال فيقول فإني أشهدكم يا ملائكتي أني قد جعلت ثوابهم من صيامهم شهر رمضان وقيامهم رضاي ومغفرتي ويقول يا عبادي سلوني فوعزتي وجلالي لا تسألوني اليوم في جمعكم لآخرتكم إلا أعطيتكم ولا لدنياكم إلا نظرت لكم فوعزتي لأسترن عليكم عثراتكم ما راقبتموني وعزتي وجلالي لا أخزيكم ولا أفضحكم بين أصحاب الحدود وانصرفوا مغفورًا" (الترغيب والترهيب للمنذري).

 

أيها الإخوة الأحباء:

يُذكرنا هذا العيد فيما يذكر بوحدة المسلمين مهما نأت ديارهم، ومهما بعدت أوطانهم فهم إخوة ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ﴾ (الحجرات: من الآية 10)، بعضهم أولياء بعض متعاونون على البر والتقوى، يربط بينهم الإخاء الذي يرتفع إلى مرتبة الحب الذي يعلو حتى يصير إلى الإيثار ﴿وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ﴾ (الحشر: من الآية )، و"المسلم أخو المسلم، لا يظلمه ولا يسلمه، ومَن كان في حاجة أخيه كان الله في حاجته" (رواه البخاري).

 

يا أخي في الهند أو في المغرب      أنا منك أنت مني أنت بي

لا تسل عن عنصري عن مذهبي         إنه الإسلام أمي وأبي

ولقد كان ذلك مهمة رسول الله- صلى الله عليه وسلم- وصحبة الكرام دعوا إلى الله عزوجل وشاع فيهم الإخاء تحقيقًا لقول الله عز وجل: ﴿وَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ لَوْ أَنفَقْتَ مَا فِي الأَرْضِ جَمِيعًا مَا أَلَّفْتَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ وَلَكِنَّ اللهَ أَلَّفَ بَيْنَهُمْ إِنَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ (63)﴾ (الأنفال)، فالله أكبر الله أكبر ولله الحمد.

 

ضاعت أوطان ومقدسات، وقامت دولٌ على أنقاض بعض الدول الإسلامية.. فأين مسلم بن قتيبة؟ وأين صقر قريش؟ وأين المحافظون على ديار الإسلام بدمائهم؟ أين قرطبة وغرناطة وصقلية وصيحة الحق في فرنسا وسمرقند؟ أين المعتصم وخالد ومعاوية؟ أين هارون الرشيد وجهاده؟ أين سيف الدين قطز والعز بن عبد السلام وبيبرس؟ أين صلاح الين ووقوفه على المنبر في المسجد الأقصى ومن قبله نور الدين محمود وعماد الين زنكي؟ أين الفتى البطل الشجاع فاتح القسطنطنية محمد الفاتح؟

 

أيها الإخوة الأحباء:

لقد جاهد المسلمون السابقون حتى فتحوا هذه الديار بدمائهم الطاهرة، ثم جئنا نحن فأضعنا هذه الأوطان ولم نحافظ عليها حفاظ الرجال، و﴿للهِ الأَمْرُ مِنْ قَبْلُ وَمِنْ بَعْدُ﴾ (الروم: من الآية 4).

 

إذا كان حالنا ليس بالصورة المرجوة فأرى أن نورَ الله قد سطع بقوةٍ في كل مكان، وليس إسلام الصينيين في الحرم في أخريات أيام رمضان هذا منا ببعيد.

 

وليس موقف الفتاة المسلمة في سويسرا (لاعبة كرة السلة) عندما طلب منها المنظمون للعبة هناك خلع حجابها فرفضت قائلةً إن ترتيب أولوياتها "إرضاء الله والاعتزاز بديني، وكل ما يأمر به الله، والحجاب جزءٌ منه، ثم يأتي بعد ذلك أي شيء فإن تعارض أي أمر مع ديني فديني أولاً".

 

وليس موقف أهل غزة منها ببعيد.. فكم ضحوا وبذلوا وهم صامدون، وضربوا المثل الأعلى في حبِّ دينهم والذود عنه بأغلى ما يملكون من (آباء وأبناء وأزواج وبنات وزوجات وديار وأطفال فأين ياسين والرنتيسي وريان والدرة وأبناء أم نضا ل وغيرهم الكثير؟).

 

وتفرَّق شمل الأعداء إلا على المسلمين، ﴿وَاللهُ غَالِبٌ عَلَى أَمْرِهِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ﴾ (يوسف: من الآية 21).

 

أيها الإخوة الأحباء:

أنتم المسئولون عن إقامة هذا الدين والدعوة إليه والجهاد في سبيله، أنتم المسئولون عن ردِّ هذه الأوطان المسلوبة والمقدسات المغصوبة وردها إلى حوزة الإسلام.. فأروا الله من أنفسكم خيرًا، وتطلعوا إلى ما عند الله، فما عنده خير وأبقى، فليجد كل واحد من أجل نصرة الدين وانتشاره بالقدوة والعمل الصالح والإتقان والخلق الحسن.

 

حددوا أهدافكم- أيها الأحبة- فهنيئًا لمَن استخدمه الله لنصرة دينه، فالناس كثر وقليل منهم مَن يهتم بأمر دينه فكن من القليل، اجعل مصعب بن عمير قدوة لك، وكيف حوَّل المدينة في فترةٍ قليلةٍ وجهَّزها لاستقبال الإسلام، فما ترك من دورٍ ولا شخصٍ ولا مكان إلا ذهب إليه فأكرمه الله بالشهادة.

 

وذاك الشاب المحمودي (خرج من البحيرة ) وحدد هدفه منذ الصغر، وكوَّن هو في صباه جماعةً مع زملائه في الابتداتية تأمر بالمعروف وتنهى عن المنكر ذاك هو (البنا) خريج دار العلوم، هل تعلمون شيئًا عن البحث الذي قدَّمه للكلية أثناء التخرج.. ارجع وتعلموا كان يسعى إلى (الفرد المسلم الذي يقيم الإسلام في نفسه وبيته لحين قيام الدولة ثم البيت المسلم الذي أقامه الرسول في زمن الإسلام الأول، ثم المجتمع على دعائم سورة الحجرات والنور وآي القرآن، ثم الخلافة الراشدة وأستاذية العالم، وما ذلك على الله بعزيز، وكانت نهايته كنهاية مصعب الشهادة.

 

إن للإسلام صرحًا كل ما فيه حسن      لا تسلني من بناه إنه (البنا) حسن

يوم الجائزة

هذا هو عيد الفطر الذي يأتي أول يومٍ بعد رمضان، ويفرح فيه المسلم الصائم فرحتين؛ فرحة القيام بواجب الطاعة لله عز وجل، وفرحة الفوز بجائزة الله له على هذه الطاعة.. وهي جائزة تفوق كل تثمين وتقدير.. يحدثنا عنها جابر الجعفي قال: قال رسول الله- صلى الله عليه وسلم-: "إذا كان يوم عيد الفطر وقفت الملائكة على أبواب الطرق فنادوا: أغدوا يا معشر المسلمين إلى ربٍّ كريم يمنُّ بالخير ثم يثيب عليه الجزيل، فقد أُمرتم بقيام الليل فقمتم، وأُمرتم بصيام النهار فصمتم، وأطعتم ربكم فاقبضوا جوائزكم، فإذا صلوا نادى منادٍ: ألا أن ربكم قد غفر لكم فارجعوا راشدين إلى رحالكم، فهذا يوم الجائزة، ويُسمى ذلك اليوم في السماء يوم الجائزة" (رواه الطبراني في الكبير).

 

لمن العيد اليوم؟

العيد لمَن أطاع الله ربه فحرص على:

1- صيام وقيام رمضان إيمانًا واحتسابًا ليغفر الله له ما تقدَّم من ذنبه (وكلنا ذوو خطأ).

 

2- تعلَّق قلبه بالمساجد فما خرج من مسجدٍ حتى حنَّ قلبه إليه (رجل قلبه معلق بالمساجد)، فهنيئًا له ظل عرش الرحمن.

 

3- ذكر الرحمن (كان لسانه رطبًا بذكر الله) بين الناس وبينه وبين الرحمن (رجل ذكر الله خاليًا ففاضت عيناه بالدمع من خشية الله).

 

4- اصطحاب القرآن معه في كل مكان (كان رجلاً قرآنيًّا) يتلو ويتدبر ويحفظ ويعلم ويتعلم.

 

5- صلة الأرحام يتذكر نداء الرحم (اللهم صل مَن وصلني واقطع من قطعني)، يعي ويعلم أن الواصل ليس كالمكافئ.

 

6-حرص على إطعام الصائمين لوجه الله "فمن أطعم مسلمًا على جوعٍ أطعمه الله من طعامِ الجنة، ومن سقى مسلمًا على ظمأ سقاه الله من ماء الجنة".

 

7- إخراج الصدقات سرًّا وعلانيةً ابتغاءَ مرضاة الله "فالمرء في ظلِّ صدقته يوم القيامة".

 

8- لمَن استخدم نفسه لله وجعلها وقفًا له لخدمة المسلمين.

 

9- لمَن لم ينسَ المسلمين في كل مكان في دعائه عند فطره وعند سجوده (فلسطين والشيشان والعراق والصين والسودان أفغانستان إلخ...).

 

10- يتابع أحوال المسلمين في كل مكان ما بين فرحٍ وتوسع ونصر وما بين غير ذلك
11- أن يراه الله حيث أراد الله ﴿إِنَّ اللهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾ (النساء: من الآية 1).

 

وهناك الكثيرون الذين يفرحون بالله وأعمالهم في رمضان اللهم اجعلنا منهم امين.

 

همسة في أذن إخواني في الله

ثبات على الدرب:

قال الله تعالى في سورة النحل: ﴿وَلاَ تَكُونُواْ كَالَّتِي نَقَضَتْ غَزْلَهَا مِن بَعْدِ قُوَّةٍ أَنكَاثًا تَتَّخِذُونَ أَيْمَانَكُمْ دَخَلاً بَيْنَكُمْ أَن تَكُونَ أُمَّةٌ هِيَ أَرْبَى مِنْ أُمَّةٍ إِنَّمَا يَبْلُوكُمُ اللّهُ بِهِ وَلَيُبَيِّنَنَّ لَكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ مَا كُنتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ (92)﴾ (النحل).

 

هل يليق بأي مؤمنٍ ذاق طعم الإيمان أن ينقلب على عقبيه بعد ما وصل إلى مرحلة القرب من الملك؟! (اللهم يا مقلب القلوب والأبصار ثبت قلوبنا على طاعتك).

 

الفوز للمؤمنين ونور لهم.. وحسرة وندامة للمنافقين.. قال تعالى:

﴿يَوْمَ تَرَى الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ يَسْعَى نُورُهُمْ بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَبِأَيْمَانِهِمْ بُشْرَاكُمْ الْيَوْمَ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا ذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ (12) يَوْمَ يَقُولُ الْمُنَافِقُونَ وَالْمُنَافِقَاتُ لِلَّذِينَ آمَنُوا انْظُرُونَا نَقْتَبِسْ مِنْ نُورِكُمْ قِيلَ ارْجِعُوا وَرَاءَكُمْ فَالْتَمِسُوا نُورًا فَضُرِبَ بَيْنَهُمْ بِسُورٍ لَهُ بَابٌ بَاطِنُهُ فِيهِ الرَّحْمَةُ وَظَاهِرُهُ مِنْ قِبَلِهِ الْعَذَابُ (13) يُنَادُونَهُمْ أَلَمْ نَكُنْ مَعَكُمْ قَالُوا بَلَى وَلَكِنَّكُمْ فَتَنْتُمْ أَنْفُسَكُمْ وَتَرَبَّصْتُمْ وَارْتَبْتُمْ وَغَرَّتْكُمْ الأَمَانِيُّ حَتَّى جَاءَ أَمْرُ اللهِ وَغَرَّكُمْ بِاللهِ الْغَرُورُ (14)﴾ (الحديد)، بالله عليكم أي الفرقين أولى بالاتباع؟ وأي طريقٍ أولى بالسير فيه؟.

 

العيد الحقيقي

دخل رجلٌ على أمير المؤمنين علي- كرَّم الله وجهه- يوم عيد فوجده يتناول خبزًا فيه خشونة، فقال: يا أمير المؤمنين، يوم عيد وتأكل خشنًا؟ فقال علي: اليوم عيدٌ لمَن قُبل بالأمس صيامه وقيامه، عيدٌ لمَن غُفر ذنبه، وشُكر سعيه ، وقُبل عمله، اليوم لنا عيد، وغدًا لنا عيد، وكل يومٍ لا نعصي الله فيه فهو عيد.

 

تهنئة بالعيد

قال البحتري يهنئ الخليفة المتوكل بالعيد:

 

بالبر صمت وأنت أفضل صائم             وبسنة الله الرضية تفــطر

فأنعم بعيد الفطر عيدًا إنه                يوم أغر من الزمان مشهر

اللهم اجعل عيدنا عيد عز وتمكين، وحرر المسجد الأقصى من دنس اليهود وحرر العراق من كل غاصبٍ لئيمٍ، واحقن دماء المسلمين في كل مكان، وأذن لشرعك أن يسود، واهدِ المسلمين، وانصر مَن نصر الدين، واخذل من خذل المسلمين، اللهم آمين.