كنت أود أن أكتب مقالاً تحت هذا العنوان، وبعد كتابة عنوان المقال "رمضان يحطم الغلاء" وأثناء إمساكي بالقلم بينما أستعد ذهنيًّا ونفسيًّا وأبدأ باسم الله....

إذا بزوجتي تضع لي مشروبًا يساعد على صفاء الذهن وقوة الذاكرة وهو مشروب "الزنجبيل" الذي اعتدت عليه.

 

نظرت إلى هذا العنوان الذي شد انتباهها فجلست بجانبي، ودخلت معي في حوار.

 

قالت زوجتي: عنوان غريب ومهم في نفس الوقت... نحن نبحث عمن يحطم الغلاء الفاحش الذي نعيشه ونتمنى أن يأتي من له القدرة على إنهاء هذا الغلاء ويرخص لنا أقواتنا ومعيشتنا، ولكن لم أفهم هذا العنوان، فكيف لرمضان أن يحطم الغلاء؟!.

 

قلت لها: هكذا سيتحول المقال إلى حوار بيني وبينك على

أية حال لا بأس.

لقد تعلمت من أساتذتي أن شهر رمضان هو دورة تدريبية لتربية المسلم باقي أيام السنة كما يعيش في شهر رمضان.

قالت: هل تعني الصيام طوال العام؟!

قلت: كلا ولكنني أقصد إن كل ما ألفناه طوال العام يأتي شهر رمضان ليغيره أعني يخرجنا عن المألوف من العادات.

قالت: اضرب لي بعض الأمثلة.

قلت: تعودت على تناول ثلاث وجبات في أوقاتها طوال العام ولكن رمضان يغير هذا النظام تمامًا ويجعله وجبتين في أوقات تختلف تمام عن الأوقات المعتادة.

وكذلك النوم، كنت أنام طوال الليل أما في رمضان فيتغير الحال وتقل ساعات النوم ليلاً بل نستبدل النوم بقيام الليل (التراويح والتهجد).

رمضان لا يهدف إلى تغيير الأوضاع فقط لمجرد التغيير وإنما يهدف إلى أن يتحرر الفرد المسلم من أن يكون أسيرًا للشهوات والهوى والمزاج وغيره. وعندما يتحرر الفرد من الأسر يستطيع أن يختار ما يشاء بإرادته هو.

قالت: فعلاً هو دورة تدريبية مهمة.

قلت: ليس هذا فحسب، وإنما تعلمت كذلك من أساتذتي أن شهر رمضان تشمل دورته هذه تدريب الفرد على العبادة والصيام والقيام، والزهد وترك الفضول في كل شيء؛ فضول الطعام، وفضول الكلام حتى الزمن.

قالت: لا أفهم فضول الطعام ولا الكلام والزمن.

قلت: الفضول هو الزائد عن الاحتياج في كل شيء.. ففي الطعام مثلاً الجسم يحتاج إلى مائة جرام من اللحم ولكننا تعودنا على "المناب" الذي يقارب النصف كيلو أو (ربع فرخة والنصف فرخة) فالجسم يأخذ حاجته وهي المائة جرام والباقي يذهب خارج الجسم أو يصيب الجسم بالأمراض!!!!!!!!

 

وفي الكلام فخير الكلام ما قل ودل وما زاد فهو لغو الحديث: "من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليقل خيرًا أو ليصمت" (صحيح) وفي الأثر (من كثر كلامه كثر خطؤه)، والله تعالى يصف المؤمنين بالإعراض عن اللغو وتركه فيقول: ﴿وَالَّذِينَ هُمْ عَنْ اللَّغْوِ مُعْرِضُونَ (3)﴾ (المؤمنون)، ويقول: ﴿وَالَّذِينَ لا يَشْهَدُونَ الزُّورَ وَإِذَا مَرُّوا بِاللَّغْوِ مَرُّوا كِرَامًا (72)﴾ (الفرقان).

ويقول: ﴿وَإِذَا سَمِعُوا اللَّغْوَ أَعْرَضُوا عَنْهُ﴾ (القصص: من الآية 55).

ورمضان يعلمنا الصمت وألا نتكلم إلا بخير ومن الأدب اختيار الألفاظ تمامًا كما يختار أحدنا الفاكهة ﴿وَفَاكِهَةٍ مِمَّا يَتَخَيَّرُونَ (20)﴾ (الواقعة).

أما الزمن فلا بد من استخدامه بطريقة صحيحة وأن نكون قومًا منتجين يعني أن ننجز عملاً كبيرًا في زمن قصير وبتكلفة قليلة.

 الصورة غير متاحة

 الإمام الشهيد حسن البنا

وقال الإمام حسن البنا: "الوقت هو الحياة".

وقال أيضًا "الواجبات أكثر من الأوقات فعاون غيرك على الانتفاع بوقته فإن كان لك مهمة فأوجز في قضائها".

فالالتزام بالموعد وقلة الكلام وتنظيم الوقت يستطيع المرء ذلك.

وشهر رمضان يعلمنا الحرص على الزمن وعدم إضاعته، وذلك لأن أجر العمل في رمضان مضاعف إلى سبعين ضعفًا فكيف لا يستفيد المسلم باقي أيام السنة؟.

فعلينا أن نستفيد من الدورة الرمضانية ونحافظ على الزمن ونستخدمه لله تبارك وتعالى قبل أن نندم ونتمنى استخدامه في الأفضل فنقول يوم القيامة ﴿يَا لَيْتَنِي قَدَّمْتُ لِحَيَاتِي﴾ (الفجر: من الآية 24).

قالت زوجتي: لقد تحدثت كثيرًا عن الدورة الرمضانية ولم تتحدث عن موضوعك وهو رمضان يحطم الغلاء.

قلت لها: الدورة الرمضانية هي الأصل إذ نجحنا فيها يمكننا أن نحطم الغلاء.

فقالت: من الذي سيحطم الغلاء رمضان أم نحن؟

قلت لها: (فكرك رمضان هيرخص الأسعار؟)

رمضان لن يفعل ذلك فالأسعار هي هي بل ستأخذ في الزيادة أكثر فأكثر، وإنما ما سيفعله رمضان أنه سيجعلنا نحن كبارًا جدًّا أكبر من الغلاء أو من أي أزمة أو مصيبة.

قالت: وضح كلامك أكثر.

قلت: قلت إن شهر رمضان دورة تدريبية أتعلم فيها العبادات والزهد، والخروج عن المألوف من العادات والممارسات، وترك الفضول كما شرحت. وسيجعل شهر رمضان من الفرد المسلم فردًا ذا إرادة قوية، فردًا حرًّا من كل أسر.

يا زوجتي العزيزة نحن نعلم أن الإنسان المسلم في رمضان يرتقي إلى مرتبة الملائكية ويتخلق بصفة من صفات الله تبارك وتعالى وهي صفة الصمدية بترك الطعام والشراب وشهوة الفرج.

فهو فرصة عظيم للاستفادة من هذه الدورة التي مدتها شهر لنكون باقي أيام السنة كذلك. أقصد مرتبة الملائكية، فنحن لا يمكن أن نتحول إلى ملائكة وإنما مع بشريتنا إلا أننا سنرتقي إلى مرتبة الملائكية في الخلق والسلوك والطهر والسمو.

قالت: ادخل في موضوع الغلاء مباشرة.

قلت: موضوع الغلاء أهون من أن أوضح أو أدخل فيه مباشرة.

الغلاء أزمة من الأزمات، أما موضوع الدورة الرمضانية فهي إعداد الفرد وتربيته والرقي به والسمو حتى ينظر إلى الدنيا من علٍ وبنظرة الآخرة أي يعيش في الدنيا بجسده، وروحه في الآخرة فيصير أكبر من كل الأزمات.

وبهذا يقهر الغلاء ويقهر كل الأزمات والمصائب والعثرات بل الدنيا وما فيها من شهوات وملذات تصغر في عينه.

وقلت لها: طبعًا (أنت عايزة واحد زائد واحد يساوي اثنين بالأمثلة حاضر يا ستي).

إذا استعد الفرد المسلم بهذا الفهم واستقبل شهر رمضان فإن الأمر بالنسبة له أمر عبادة وزهد وقرب وليس الأمر أكلاً وشربًا وطربًا وسهرًا وتسليةً ومضيعةً للوقت.

فالأمور الأولى التي ذكرتها موفرة والأخرى مكلفة، فالاقتصاد في الأكل والشرب والزهد فيه موفر للمال، وترك باقي الأمور أيضًا موفر للمال. وبهذا فلا يؤثر الغلاء على المسلم أبدًا.
قالت: يعني رمضان يعلمنا إزاي نقتصد في معيشتنا ونشتري الضروري ونوسع على أنفسنا بس في الحدود.

 

قلت: صحيح...... نحن نتعلم من رمضان كيفية إدارة حياتنا الاستهلاكية، ومش بس في الأكل والشرب، إنما في كل شيء، فمثلاً غلاء المحروقات، فزيادة سعر البنزين، وبالاستفادة من رمضان في ترك فضول الزمن فإنني أنظم مشاويري وأحدد اتجاهاتي وأدرس طرقاتي وبهذا أستطيع توفير المشاوير ومن ثم توفير استهلاك البنزين وهكذا.

قالت: فهمت مدى أهمية الفهم الصحي بشهر رمضان وأنه دورة تدريب للمسلم وإعداده أن يكون فردًا له إرادة قوية، زاهدًا يستطيع إدارة حياته الشاملة الإيمانية والاقتصادية... الخ.

قلت: رائع هذا الفهم العميق، ولكنني نسيت أن أقول لك: يجب علينا أن نستفيد من الآخرين كما ذكر أن: (الحكمة ضالة المؤمن أنى وجدها فهو أحق الناس بها).

فمثلاً في العالم بي أوروبا وأمريكا يذهب الفرد إلى السوق ويشتري ما يحتاجه وبالقدر المطلوب الذي يحتاج إليه فقط الفواكه يشتري ة والثمرتين والخضروات كذلك واللحوم بالجرام، وليس كما نفعل نحن بكميات كبيرة زائدة عن الطلب، ومائدته أيضًا بالقطعة والجرام والثمرة وليس كما نفعل نحن (ثقافة ملء الطبق الكبير أو القصعة ونظام السفر المعروف لدينا- المحمر والمشمر)، ونعتقد أننا كرماء وأن كثرة الطعام كرم!!!

وختامًا نقول: يا مسلمون إنما جاء الإسلام منهجًا شاملاً لنا والله تعالى يأمرنا بعدم الإسراف فيقول ﴿وَكُلُوا وَاشْرَبُوا وَلا تُسْرِفُوا﴾ (الأعراف: من الآية 31)، وينهانا عن التبذير في كل شيء وليس في الأكل والشرب فقط فيقول ﴿وَلا تُبَذِّرْ تَبْذِيرًا﴾ (الإسراء: من الآية 26)، ويقول ﴿إِنَّ الْمُبَذِّرِينَ كَانُوا إِخْوَانَ الشَّيَاطِينِ﴾ (الإسراء: من الآية 27).

قالت: يا لروعة شهر رمضان الذي يربي المسلم هذه التربية العظيمة في كل شئون حياته، فعلاً هي دورة تدريبية من نوع عظيم.

ولكنني لم أكن أتوقع أن لشهر رمضان تأثيرًا على الغلاء.

قلت: الحمد لله..

انتهى الحوار كما كنت أريد أن أكتب مقالي وأن يفهم كل الناس أن شهر رمضان يربي المسلم ويجعله أكبر من كل ما في هذه الدنيا ويعلو به محلقًا إلى الملأ الأعلى فينظر إلى الدنيا من فوق، من السماوات ويجدها صغيرة.

وهكذا نخلص من حوارنا أن شهر رمضان يحطم الغلاء ويقضي عليه تمامًا بل يفعل ذلك في كل الأزمات التي يعيشها المسلمون.

فهيا إلى استقبال شهر رمضان بهذا الفهم الفريد.

-----------

*halfa12@hotmail.com