سورة عبس:
اسم على حالة الرسول- صلى الله عليه وسلم- حدثت عندما جاء عبد الله بن أم مكتوم وانصرف عنه إلى علية القوم لعلهم يؤمنون، وهو يرجو بذلك نصر الإسلام وعزته فعاتبه الله بعد أن وصف حالة العبوس التي انتابته، ولكن- بالله عليك- والسورة التي تصف هذا العبوس تقول عن رسول الله صلى الله عليه وسلم: ﴿عَبَسَ وَتَوَلَّى (1) أَنْ جَاءَهُ الأَعْمَى (2)﴾ (عبس)، هل استمرت السورة تتحدث عن رسول الله؟ أم تحدثت إليه مباشرةً: ﴿وَمَا يُدْرِيكَ﴾ لتشيع في نفسه الأنس بعد العتاب حتى مع العتاب فهذا مقام الحبيب عند ربه الذي ما ودَّعه وما قلاه بل شرفه وأدبه وأثنى عليه وزكاه.
أسماء سور يوم القيامة
أسماء السور التي لها علاقة بيوم القيامة سواء باسمها أو صفتها أو باسم حدث من أحداثها وأهوال يوم القيامة كثيرة يصل عددها إلى 14 سورةً، هذا فضلاً عن أن ما ذُكر من تفاصيل ومشاهد لهذا اليوم العظيم في كثيرٍ من سور القرآن يدل دلالةً قاطعةً على ما يبصر به القرآن النفس المؤمنة كي تستعد لهذا الموقف المهيب وتضبط حركتها في هذه الدنيا على طاعة الله ورسوله كي تنجو من هذه الأهوال بنظرةٍ بسيطةٍ إلى السور التي تحمل أسماء تتصل بالدنيا مثل "الزخرف" و"التكاثر" وباقي أسماء السور التي ذكرت أشياء من الدنيا فلم تكن إلا للفت النظر غليها أنها خلق معجز من خلق الله في دنيانا نحتاج إليها لنتعلم ونأخذ الدرس والعبرة من أهمية هذه الكائنات أو إلى قدرة الله الخالق لتزداد إيمانًا وتعظيمًا وإجلالاً لله ربِّ الكون رب السموات والأرض ومَن فيهن رب العرش العظيم.
وبمقارنة هذه السور مع الأخرى التي تتكلم عن الآخرة نجد الآتي:
أولاً: الآخرة لها أسماء واضحة مثل: الواقعة- القيامة- الحاقة- القارعة- والنبأ- الغاشية، أو أحداث من أحداثها بأسماء سور مثل: الأعراف- الزمر- الجاثية- التغابن- التكوير- الانفطار- الانشقاق- الزلزلة.
والملاحظ أن الأسماء نفسها التي تحكي فقط مجرد اللفظ تبعث الرعب في النفس حتى من تركيبها، فضلاً عن معناها أو تخيل حقيقتها عند حدوثها، والذي لم يقع بعد وكما يقول الله عز وجل في الحديث القدسي"فكيف لو رأوها" (رواه البخاري ومسلم).
أخي أختي المسلمة أتريدون أن تشعروا ببعض الإحساس الذي يجب أن تولده هذه السماء في النفس البشرية تعالوا نكرر ذكرها على التوالي: (الواقعة- الجاثية- القيامة- الحاقة- القارعة- النبأ- الغاشية- الأعراف- الزمر- التغابن- التكوير- الانفطار- الانشقاق- الزلزلة)، فقط ذكر الأسماء ماذا يترك في مسامعك وفي قلبك ونفسك من أثرٍ فما بالكم بمعايشة ما فيها من أهوال نجانا الله وإياكم منها؟
أما الدنيا فيكفيها من اسمها الذي تكرر في مقابل الآخرة أنها دنيا دليل على درجتها الدنيا أما الآخرة فليس بعدها شيء كذلك لفظ الزخرف، وهو اسم السورة الذي يظهر صفة الدنيا في الزينة والزخرف: ﴿إِنَّا جَعَلْنَا مَا عَلَى الأَرْضِ زِينَةً لَهَا لِنَبْلُوَهُمْ أَيُّهُمْ أَحْسَنُ عَمَلاً (7)﴾ (الكهف)، وبالبحث عن مكان وجود الاسم داخل السورة سنجد: ﴿وَلَوْلا أَنْ يَكُونَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً لَجَعَلْنَا لِمَنْ يَكْفُرُ بِالرَّحْمَنِ لِبُيُوتِهِمْ سُقُفًا مِنْ فَضَّةٍ وَمَعَارِجَ عَلَيْهَا يَظْهَرُونَ (33) وَلِبُيُوتِهِمْ أَبْوَابًا وَسُرُرًا عَلَيْهَا يَتَّكِئُونَ (34) وَزُخْرُفًا وَإِنْ كُلُّ ذَلِكَ لَمَّا مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَالآخِرَةُ عِنْدَ رَبِّكَ لِلْمُتَّقِينَ (35)﴾ (الزخرف).
تصوير عجيب يحدثنا فيه ربنا أن رحمته بالبشر شاءت ألا يعطي جميع الكافرين به متاعًا وزخرفًا كثيرًا وإلا لكفر الناس جميعًا والعياذ بالله، فليس إعطاء الدنيا لأحدٍ دليل حب الله له ولا حرمانه منها أو من بعض متاعها إهانةً أو بغضًا من الله له ﴿فَأَمَّا الإِنسَانُ إِذَا مَا ابْتَلاهُ رَبُّهُ فَأَكْرَمَهُ وَنَعَّمَهُ فَيَقُولُ رَبِّي أَكْرَمَنِ (15) وَأَمَّا إِذَا مَا ابْتَلاهُ فَقَدَرَ عَلَيْهِ رِزْقَهُ فَيَقُولُ رَبِّي أَهَانَنِ (16)﴾ (الفجر).
وفي الحديث الشريف: "إن الله يُعطي الدنيا مَن يحب ومَن لا يحب ولا يعطي الدين إلا لمن أحب" (رواه أحمد في مسنده أما اسم التكاثر فصورة لتكاليب الناس على الدنيا ﴿أَلْهَاكُمْ التَّكَاثُرُ (1) حَتَّى زُرْتُمْ الْمَقَابِرَ (2)﴾ (التكاثر)، ﴿وَتَفَاخُرٌ بَيْنَكُمْ وَتَكَاثُرٌ فِي الأَمْوَالِ وَالأَوْلاد﴾ (الحديد: من الآية 20)، بينما حقيقة أمرها أنها لو تساوي عند الله جناح بعوضة ما سقي الكافر منها شربة ماء حتى قال الرسول صلى الله عليه وسلم "لا أحد أصبر على أذى سمعه من الله عز وجل أنهم يدعون له زوجة وولدا وهو يرزقهم ويعافيهم" أي يعطيهم الدنيا التي لا قيمة لها ولا وزن (رواه البخاري ومسلم وأحمد).
أسماء سور المخلوقات والكائنات
أما أسماء سور المخلوقات والكائنات من خلق الله في الدنيا فهي إما للفت نظر الإنسان إلى عجيب خلق الله وصنعه أو إلى هذا المخلوق للاستفادة من آيات خلقه وتركيبه مثل أسماء سور (الرعد- النجم- الطور- القمر- الطارق- الشمس- الليل- الضحى- البروج- العلق- النمل- النحل- العنكبوت- العاديات- الفيل) ، ﴿هَذَا خَلْقُ اللهِ فَأَرُونِي مَاذَا خَلَقَ الَّذِينَ مِنْ دُونِهِ﴾ (لقمان: 11)، ﴿صُنْعَ اللهِ الَّذِي أَتْقَنَ كُلَّ شَيْءٍ﴾ (النمل: 88)، ﴿فَتَبَارَكَ اللهُ أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ (14)﴾ (المؤمنون)، أو على مجتمع الكائنات التي تُعلِّم المجتمع البشرى كيف يعيش، وكيف ينظم حياته، وكيف يرتب المسئوليات، ويوزعها، وكيف يواجه مشاكل الحياة، وكيف يحفظ مجتمعه من أعدائه (سورتا النمل والنحل).
سورة الفيل:
الاسم هنا ليس علمًا على جنس الفيل، ولكنه الفيل المخصوص بالوقعة التي حدثت، وهي ليست بسيطة، بل لخطرها وعظم شأنها وذيوع صيتها في العالم كله كان يُؤرخ بها، ويكفي تاريخ ميلاد الرسول صلى الله عليه وسلم بعام الفيل، فهو ليس أي فيل، فما العبرة والدرس في الفيل؟ تعالوا لنقارن الحاضر بالماضي، فالدرس قائم ما بقيت سورة الفيل، تعالوا لنتربى سياسيًّا على مائدة القرآن.. أبرهة طاغية ملحدًا غره جبروته وسلطانه في اليمن، وزاد على غروره انبطاح واستسلام وخنوع زعماء العرب، ولم يجد على الساحة العالمية ما يُهدد ملكه وجبروته إلا ملة إبراهيم عليه وعلى نبينا الصلاة والسلام، ورمزها المقدس الكعبة، فماذا يفعل؟ هدد بهدم الكعبة إذلالاً للعرب وتحطيمًا لمقدساتهم، وليس هذا فقط ولكنه الإجلال والتبشير بدينه بدلاً من دينهم فبنى "القليس"، وعزم العزم وجهز جيوش الفيلة، وعلى رأسهم فيلة، كما هو على رأس الطواغيت، وتعالوا لنسير مع ركب أبرهة والدعايات الإعلامية بنشر خبر عزمه على هدم الكعبة بعد أن بني القليس لتكون الكعبة البديلة ليحج الناس إليها، ويكون الدين البديل، وتعالوا لنعيش في حالة الرعب النفسية وزعمائهم، فما أشبه الليلة بالبارحة أبرهة يسير بجيشه وأفياله والمتتبعون لأخباره ينتظرون السيارة أي الوفود المسافرة بتحمل الأخبار أين وصل أبرهة؟ إنه يقترب من الكعبة، وماذا فعل كل زعماء العرب الذين مرَّ عليهم؟
لم يتعرض له أحد ثأرًا لدينه ومقدساته، بل وعروبته أبدًا حتى بعد أن نهب وسلب ممتلكات من مرَّ عليه لم يأته إلا عبد المطلب، وأبرهة يقول في نفسه ليته ما أتى لقد جاء يسألني إبله فقط، ولم يعترض على رغبتي في هدم الكعبة، بل قد قدَّم أمثاله من زعماء العرب كل التسهيلات التي طلبها أبرهة، ولكن الرد الذي لا يفهمه أبرهة جاء من عبد المطلب الذي رغم ضعف موقفه لم يصل إليه مستسلمو (منبطحة) هذا الزمان: "للبيت رب يحميه"، وشيء عجيب في السورة أن تُفصِّل الآيات بين مكر أبرهة وإفساده في الأرض وبين عذاب أبرهة وفيله وجنوده، وهي الطير الأبابيل لنعد إلى السورة ﴿أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِأَصْحَابِ الْفِيلِ (1)﴾ (الفيل)، إنها الرؤية بعيون القرآن فدقق النظر إليها القارئ بعدها تسمع (فَعَلَ رَبُّكَ) فقد وحده لا شريك له "نصر عبده وأعزَّ جنده وهزم الأحزاب وحده" ثم﴿أَلَمْ يَجْعَلْ كَيْدَهُمْ فِي تَضْلِيلٍ (2)﴾ (الفيل)، ما كيدهم أليس إذلال العرب وإهانتهم والمرور على كل ممالكهم وتحطيم مقدساتهم؟ فماذا كانت نتيجة كيد أبرهة القديم؟ وبإذن الله سيكون لأبرهة الحديث ألم يظهر جليًّا خزيه وخذلانه؟ ألم يفقد سلطانه حتى على فيله الذي يأتمر بأمره؟ ألم ينتشر الخبر في كل الجزيرة المتلهفة إلى معرفة آخر الأخبار من خلال السيارة والركبان؟ إن أبرهة هُزِمَ أيها الناس؟ مَن هزمه؟ الله وحده "ربك" وليس وعيدًا بالعذاب في الآخرة فقط، ولكن عذاب في الدنيا لم تشهد البشرية مثله ﴿تَرْمِيهِمْ بِحِجَارَةٍ مِنْ سِجِّيلٍ (4) فَجَعَلَهُمْ كَعَصْفٍ مَأْكُولٍ (5)﴾ (الفيل)، وهذه الحجارة ما زالت وستظل عند ربك ﴿مُسَوَّمَةً عِنْدَ رَبِّكَ لِلْمُسْرِفِينَ (34)﴾ (الذاريات)، معلمة ومحدودة ومجهزة ﴿دَمَّرَ اللهُ عَلَيْهِمْ وَلِلْكَافِرِينَ أَمْثَالُهَا (10)﴾ (محمد)، ﴿أَلَمْ نُهْلِكْ الأَوَّلِينَ (16) ثُمَّ نُتْبِعُهُمْ الآخِرِينَ (17)﴾ (المرسلات)، فاعتبروا يا أولي الأبصار فللبيت رب يحميه إنما أنتم ستار القدرة وتأخذون الأجرة: ﴿وَإِنْ تَتَوَلَّوْا يَسْتَبْدِلْ قَوْمًا غَيْرَكُمْ ثُمَّ لا يَكُونُوا أَمْثَالَكُمْ (38)﴾ (محمد)، ﴿فَسَوْفَ يَأْتِي اللهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الْكَافِرِينَ يُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللهِ وَلا يَخَافُونَ لَوْمَةَ لائِمٍ ذَلِكَ فَضْلُ اللهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ (54)﴾ (المائدة).
سور: الإسراء والجمعة والحشر وعلاقتها ببني إسرائيل:
قد تستغرب الربط الذي بين هذه الموضوعات، ولكن إذا رجعت إلى سورة الإسراء، وأنها أيضًا سورة بني إسرائيل فستجد نفس الدرس، إن الحديث في سورة الإسراء عن الإسراء هو في الآية الأولى من السورة فقط ثم حديث طويل عن بني إسرائيل، بل إن درس المعراج "هو قرين الإسراء في ليلة واحدة" ذُكر في سورة أخرى هي سورة النجم، أما درس الإسراء وعلاقته ببني إسرائيل فدرس مستقل حتى لا يختلط الفهم على الأمة وتنتبه إلى مراد ربها منها، وتستقبل تخويفه سبحانه للأمة بما يناسبه من الاهتمام، وما كانت كل المصائب التي حلَّت بالأمة الإسلامية إلا بسبب عصيانها لأوامر ربها عز وجل ورسوله صلى الله عليه وسلم أو اقترافها لنواهيه وغفلتها عن مكر أعدائها.
سورة الجمعة:
قد تكن يا أخي في قراءتك لكتاب الله قد توقَّفت عند عنوان اسم السورة ثم وجدت أن الحديث فيها قد بدأ بتنزيه الله مصدر كل القوى والقدرة والعلوم والنعم ثم حديث عن أمة الإسلام بأجيالها ثم حديث عن بني إسرائيل وإظهار أهم نقاط ضعفهم وهو الخوف من الموت ثم تنبيه على أهمية صلاة يوم الجمعة، ثم الحذر من أن تلهينا التجارة واللهو عن الصلاة، وقد تكرر بني إسرائيل في القرآن كثيرًا من جميع زوايا قصصهم وليس أدل من ذلك على الصراع بينهم وبين المسلمين واستمراره حتى يتم للمؤمنين النصر عليهم.
نعود إلى سورة الجمعة.. إلى اليوم الذي شرفنا الله به وما حقد علينا بنو إسرائيل إلا بسبب معرفتنا ليوم الجمعة؛ اليوم المبارك في الأسبوع، وكذلك للفظ آمين الذي وهبنا الله إياه كمفتاح السر لإجابة الدعاء على لسان المصطفى صلى الله عليه وسلم هبة من ربه لأمته.
"ما نفست عليكم يهود- أي ما حقدت- كما نفست عليكم في يوم الجمعة وآمين".
والتحذير من الانشغال بالدنيا عن العبادة لأن هذا ما أهلك بني إسرائيل واستوجب لعنتهم وهم الآن أساتذة في فنون جمع المال من حله وحرمته لكل صور التجارة المباحة والمحرمة وكذلك كل صور اللهو التي أوصلت الأمة على التفسخ والانحلال والفجور فكان ختام السورة بالتحذير العلاجي الناجح، وستلاحظ أخي المسلم أن ختام سورة المنافقون قدم العلاج أيضًا من نفس الباب: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تُلْهِكُمْ أَمْوَالُكُمْ وَلا أَوْلادُكُمْ عَنْ ذِكْرِ اللهِ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ فَأُوْلَئِكَ هُمْ الْخَاسِرُونَ (9)﴾ (المنافقون)، هذا هو علاج النفاق وهذا ما يجب أن تنتبه له يا أخي من مداخل الشيطان وجنود الشيطان وعلى رأسهم اليهود أشد الناس عداوةً للذين آمنوا.
سورة الحشر تحدثت ليس عن حشر يوم القيامة كما قد يتبادر إلى الذهن، ولكن عن إخراج الله لليهود من ديارهم كنموذجٍ لطردهم ثم حشرهم يوم القيامة ثم طردهم من رحمة الله، ولذلك ركَّزت الآية على اليقين في وعد الله ووعيده بينما الواقع وأغلب الظن لا يبشر بذلك لا عندنا ولا عندهم ﴿مَا ظَنَنْتُمْ أَنْ يَخْرُجُوا وَظَنُّوا أَنَّهُمْ مَانِعَتُهُمْ حُصُونُهُمْ مِنْ اللهِ فَأَتَاهُمْ اللهُ مِنْ حَيْثُ لَمْ يَحْتَسِبُوا﴾ (الحشر: من الآية 2)؛ لأن ما شاء الله كان حيث لم يحتسبوا وهم الذين يحسبون حسابًا لكل شيء ويضعون السيناريوهات لكل الاحتمالات.
سورة الكهف:
اسم يبعث على الرعب والخوف فهو عبارة عن مغارة بتعبيرنا الدارج، ولكن لو بحثنا عن الإلهام الإلهي: ﴿فَأْوُوا إِلَى الْكَهْفِ يَنشُرْ لَكُمْ رَبُّكُمْ مِنْ رَحْمَتِهِ وَيُهَيِّئْ لَكُمْ مِنْ أَمْرِكُمْ مِرفَقًا (16)﴾ (الكهف)، لوجدناه يطمئن النفس المؤمنة بأن الله لطيفٌ لما يشاء يرسل البلاء ومعه التخفيف والرحمة.
وقد كنتُ بهذا الشعور وأنا في السجن، وأحسُّ أنها رسالة إلى كلِّ من حُبس في كهف الظلم يومًا تخاطبه.
كيف كان حالك مع ربك في أسرك وكهفك المظلم؟ ألم تشعر بأن هذه الخلوة الإجبارية بيد الظلمة كانت إنقاذًا لك من دوامةِ الحياة التي كانت لا محالةَ ستبتلعك لولا لطف الله بك؟ فكنت كمَن يريد أن يصلح عيوب سيارته ومركبته وموصلته إلى غايته، وهي نفسك التي بين جنبيك، ولكنك لا تستطيع لأن موتورها المحرك لها دائمًا في سخونةٍ من طول الاستعمال ودوام الدوران، فلا تستطيع إصلاحها إلا عندما تتركها تبرد ثم تفصل بين مكونات أجزائها لتصلح كل جزءٍ على حدة ثم تعيد تركيبها واستخدامها بصورةٍ أفضل وآمن، أو كمن يريد أن يراجع حساباته وما له وما عليه في تجارته الواسعة فهيهات له ذلك وأنى يقدر عليه وهو في بيعٍ وشراء صباحًا ومساءً، فإذا أراد ذلك وكان حريصًا عليه وجب عليه وقف البيع والشراء وإغلاق المحلات، وجلب الدفاتر وبدء مراجعة الحسابات وجرد الواردات والمصروفات.
انظر إلى ما فعل الله بك، إنه قد نبَّهك إلى لحظاتِ الامتحان، وسحب أوراق الإجابة، ذكرك بالقبر وضمته والحساب وشدته ودقته ثم أمهلك وقتًا إضافيًّا بعد أن ظننت أنه لا مرجع ومآب بعد إغلاق هذا الباب.
بل تعال واكتب بخط يدك: ألم تشهد بنفسك على نفسك أن الله وأنت في كهفك قد نشر لك من رحمته ونور دعوته وأفاء عليك من أجره بمجرد النية، وقد حبسك الغدر؟.. ثم ألم تشهد بنفسك على نفسك كيف كانت الملائكة أولياءك في الحياة الدنيا، وهيَّأ الله لك من أمرك رشدًا في أهلك ومالك؟.
سأترك بقية الصفحة لك لتكتب بخط يدك ما وجدته عند خروجك من محبسك مما أفاء الله عليك ومما لم يكن لك فيه أدنى فضل أو يد وأنت جنين في رحم السجن يرزقك ربك من غير حول منك ولا قوة.
(صفات وأسماء الله الحسنى في أسماء سور القرآن الكريم)
- سورة غافر.
- سورة فاطر.
- سور المعارج ﴿مِنْ اللَّهِ ذِي الْمَعَارِجِ (3)﴾.
- سورة الملك.
- سورة النور.
- سورة الرحمن.
- سورة الأعلى.
كلها تبعث في النفس الخوف والرهبة من سلطان الله عز وجل، وأنه مالك الملك والملكوت، وفي نفس الوقت تبعث في النفس الرغبة والرجاء في الرحمة والمغفرة والهداية والنور، وبهذا تطير النفس في الدنيا بجناحي الخوف والرجاء حتى تلقى ربها ربًّا كريمًا رحيمًا ودودًا: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَيَجْعَلُ لَهُمْ الرَّحْمَنُ وُدًّا (96)﴾ (مريم)، ﴿إِنَّ رَبِّي رَحِيمٌ وَدُودٌ (90)﴾ (هود).
ويحتاج الأمر منك إلى التعرف على ربك حق المعرفة، وأن تقدره حق قدره خذ كل يوم اسمًا من أسماء الله الحسنى التي هي طريقك على الجنة، عش مع هذا الاسم واجعل بينك وبينه رابطةً خاصةً وعلاقةً حميمةً تزيدك قربًا من ربك لتكون مقتديًا بحبيبك صلى الله عليه وسلم الذي كان خلقه القرآن يوصله إلى ربه، وليكن لك من أسماء سور القرآن التي تحدثك عن أسماء الله الحسنى حظًّا وافرًا ترى أثره في صلتك بالقرآن وصلتك برب القرآن.
سور: المؤمنون- المنافقون- الكافرون- المؤمن "غافر"- الإنسان- الناس:
كلها سور تحمل أسماء تقسم البشرية على أهم ثلاث صفات: إيمان وكفر ونفاق، وسورة عن المؤمن خاصة تكريمًا لهذا النموذج المذكور وشجاعته وتضحيته وإعلانه للحق لا يخشى في الله لومة لائم، ثم سورة الإنسان عن الإنسان عمومًا، وسورة الناس عن الإنسانية عمومًا وعلاقتها بالشيطان، ولكن لكل اسمٍ منها مدلولاً تربويًّا، وداخل السور درس خاص نعرضه في حينه بإذن الله.
سور: الصافات- الذاريات- المرسلات- النازعات:
أسماء سور تتحدث عن أعمال ومهام الملائكة المكلفة والموكلة بهذه الواجبات والأوامر الإلهية وقد اختُلف في الذاريات: هل هي الرياح أو الملائكة؟ على قولين ولا يفوتني أن أذكر أن سورة الصافات تحدثت عن الملائكة داخلها أنها الصافات، وأنهم الصافون لإبطال زعم الكفار الذين جعلوا الملائكة إناثًا: ﴿أَشَهِدُوا خَلْقَهُمْ سَتُكْتَبُ شَهَادَتُهُمْ وَيُسْأَلُونَ (19)﴾ (الزخرف).
وتذكر دائمًا أن الملائكة أحباؤك الذين يعرفونك ولا تعرفهم.
أنهم خلق نوراني يحب الصالحين ويرافقهم في كل حركةٍ وسكنةٍ، ويحفظونهم من أمر الله وينزلون على القلب بالتثبيت وفي الأزمات بالفرج، وفي المعارج الإيمانية بالنصر، ومما يزيد حبنا لهم أنهم يداومون على الاستغفار لنا من ذنوبنا ويديمون الدعاء لنا بألفاظ علمهم إياها رب العزة، وأخبرنا بها في كتابه الكريم ولولا مشيئته بقبول الدعاء من الملائكة لنا ما أذن لهم وما أخبرنا وما أعلمهم، وما أعلمنا بالآتي: ﴿الَّذِينَ يَحْمِلُونَ الْعَرْشَ وَمَنْ حَوْلَهُ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَيُؤْمِنُونَ بِهِ وَيَسْتَغْفِرُونَ لِلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا وَسِعْتَ كُلَّ شَيْءٍ رَحْمَةً وَعِلْمًا فَاغْفِرْ لِلَّذِينَ تَابُوا وَاتَّبَعُوا سَبِيلَكَ وَقِهِمْ عَذَابَ الْجَحِيمِ (7)﴾ (غافر).
وهم الذين وكَّلهم الله بالأرزاق لكل الخلق، وفي النهاية هم الذين يتوفون أعداءك وظالميك وينتقمون لك منهم بأمر الله، وهم الذين سيكونون في الترحيب بكم في الجنة ويحملون إليكم السلام من ربكم السلام: ﴿سَلامٌ قَوْلاً مِنْ رَبٍّ رَحِيمٍ (58)﴾ (يس).
أسماء سور: فصلت والفرقان والقدر:
أسماء لها ارتباط بالقرآن الكريم في حديث التسمية مثل سورة باسم الفرقان فهذا معنى جميل، ومما يزيده جمالاً نزوله في ليلة قدر، وهو تكريم له قدره في ليلةٍ لها قدرها لكتابٍ كريم له قدره مخاطبًا به رسول الله صلى الله عليه وسلم صاحب الدرجة العالية الرفيعة في شهر رمضان الذي له قدره، فهذا هو القدر كل القدر.
أما فصلت فهو فعل مبني لغير الفاعل وفاعله هو الله عز وجل يكفيها أنه سبحانه الذي فصل لنا آيات القرآن الكريم مع إحكامها حتى يسهل لنا وعلينا: ﴿وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ (17)﴾ (القمر).
أسماء سور: الحجر والأحقاف:
ذكر أسماء جغرافية لأماكن معروفة شهدت أحداثًا دعويةً، وهذا لفت للأنظار إلى أن البحث الجغرافي للتعرف على حال مَن سبقونا في التاريخ يؤكد العبرة والدروس: ﴿وَإِنَّكُمْ لَتَمُرُّونَ عَلَيْهِمْ مُصْبِحِينَ (137) وَبِاللَّيْلِ أَفَلا تَعْقِلُونَ (138)﴾ (الصافات)، ﴿أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِعَادٍ (6) إِرَمَ ذَاتِ الْعِمَادِ (7) الَّتِي لَمْ يُخْلَقْ مِثْلُهَا فِي الْبِلادِ (8) وَثَمُودَ الَّذِينَ جَابُوا الصَّخْرَ بِالْوَادِي (9) وَفِرْعَوْنَ ذِي الأَوْتَادِ (10) الَّذِينَ طَغَوْا فِي الْبِلادِ (11) فَأَكْثَرُوا فِيهَا الْفَسَادَ (12) فَصَبَّ عَلَيْهِمْ رَبُّكَ سَوْطَ عَذَابٍ (13) إِنَّ رَبَّكَ لَبِالْمِرْصَادِ (14)﴾ (الفجر)، إنذار بالمرصاد لكل الطغاة والجبابرة والمستكبرين في الأرض إعلام للمؤمنين الصابرين الثابتين بسنن الله التي لا تختلف ﴿وَمَا هِيَ مِنْ الظَّالِمِينَ بِبَعِيدٍ (83)﴾ (هود).
أسماء سور: سبأ وقريش:
أسماء قبائل عاشت في أماكن محددة، وفي تواريخ معلومة فتكمل دراسة الجغرافيا بالتاريخ العبرة، فسبأ قبيلة كانت تسكن اليمن عند سد مأرب المعروف حاليًّا، وهي التي تبطرت على نعم الله وطلبت الشقاء والتعب: ﴿فَقَالُوا رَبَّنَا بَاعِدْ بَيْنَ أَسْفَارِنَا﴾ (سبأ: من الآية 19)، ولما ظلموا أنفسهم وما ظلمهم الله ولكن عاقبهم بحرمانهم من نعمه التي كانوا يتمتعون فيها من لدن رب غفور يعفو ويصفح، ولكنه لمَن يتمرد عليه ويتبطر على نعمه شديد العقاب: ﴿نَبِّئْ عِبَادِي أَنِّي أَنَا الْغَفُورُ الرَّحِيمُ (49) وَأَنَّ عَذَابِي هُوَ الْعَذَابُ الأَلِيمُ (50)﴾ (الحجر)، ﴿ذَلِكَ جَزَيْنَاهُمْ بِمَا كَفَرُوا وَهَلْ نُجَازِي إِلاَّ الْكَفُورَ (17)﴾ (سبأ)، ولما جعلهم الله سلفًا ومثلاً للآخرين أصبح المثل الشائع عنهم وعن أمثالهم "فرقتهم أيدي سبأ".
أما قريش فاسم القبيلة الأم في مكة، ولو كانت قريش تدرك شرف ذكر اسمها في القرآن ما تخلَّف منها واحدٌ عن الدخول في الإسلام الذي أكرمهم باسم سورة من سور قرآنه، وهم ما زالوا أحياء وسيبقى ذكرهم واسمهم ما بقي القرآن، وكذلك في سورةٍ منَّ الله عليهم بما تعودوه وألفوه طيلة حياتهم من رحلتي التجارة في الشتاء والصيف لتأليف قلوبهم وتوطيد روابطهم، ومنَّ عليهم بعد ذلك بوجود البيت الحرام في حمايتهم شكلاً، وهم في حمايته موضوعًا، وعلى الحقيقة ورب البيت هذا هو الذي أطعمهم ويطعمهم، وهو الذي يؤمنهم من خوف وإن كانوا هم الذين يؤمنون الزائرين ويجيرونهم.