قال تعالى: ﴿وَيَا قَوْمِ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ﴾ (هود: من الآية 52).
أجِدُنا ننسى أنفسَنا في زحمةِ الحياة، لا نكادُ نستغفرُ اللهَ إلا قليلاً، وما دامت الدُّنيا تضحكُ لنا، فإنَّ اللهَ راضٍ عنا، ﴿فَأَمَّا الإِنسَانُ إِذَا مَا ابْتَلاهُ رَبُّهُ فَأَكْرَمَهُ وَنَعَّمَهُ فَيَقُولُ رَبِّي أَكْرَمَنِ (15)﴾ (الفجر) فلماذا نستغفر؟!.. مع أن الدنيا أهونُ على اللهِ من الشاة الميتة الشائلة على صاحبها، وليستْ بذاتِها دليلاً على رضا الله، فهي لا تزِنُ عند اللهِ جناحَ بعوضة "ولو كانت الدنيا تزِنُ عند اللهِ جناحَ بعوضة ما سقى كافرًا منها قطرةً أبدًا" (رواه ابن ماجه، وقال الألباني صحيح).
ثمَّ إذا أصابتْ هذا الغافلَ مصيبةٌ عاد إلى ربِّه داعيًا مستغفرًا، كمَنْ في البحر ﴿وَإِذَا غَشِيَهُمْ مَوْجٌ كَالظُّلَلِ دَعَوْا اللهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ فَلَمَّا نَجَّاهُمْ إِلَى الْبَرِّ فَمِنْهُمْ مُقْتَصِدٌ وَمَا يَجْحَدُ بِآيَاتِنَا إِلاَّ كُلُّ خَتَّارٍ كَفُورٍ (32)﴾ (لقمان).
وقد يظنُّ ظانٌّ أنَّه بلغ غايةَ الإيمانِ والتقوى، كبيرتُهُ صغيرةٌ، كذبابةٍ يقولُ لها هكذا وهكذا، فممَّ يستغفر؟.. إنَّها الأماني، وقد أحاطتْ بهِ خطيئتُه، وليسَ عنده على صِدقِه برهانٌ، من إيمانٍ وعملٍ صالح، فما هي إلا دعوى ﴿وَإِنْ هُمْ إِلاَّ يَظُنُّونَ﴾ (البقرة: من الآية 78).
أمّا..
اليؤُوسُ القََنوط.. فقدْ أسرفَ في الذنوبِ، وكلما استغفرَ غلبتْه نفسُه فعاد، ثم استسلمَ ويئس، وأمسكَ عن الاستغفار والتوبة، مع أنَّ اللهَ ﴿يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا﴾ (الزمر: من الآية 53)، وقد خاطبَه ربُّه في الحديثِ القدسيّ: "يا ابن آدمَ، لو بلغتْ ذنوبُك عنان السماءِ ثم استغفرتَني غفرتُ لكَ، يا ابنَ آدم، إنَّك لو أتيتَني بقُرابِ الأرضِ خطايا ثمَّ لقيتَني لا تُشرِكُ بي شيئًا لأتيتُكَ بقرابِها مغفرة" (رواه الترمذي وقال حديث حسن).
قطعَ رجاءَه وأملَه من الله، يئسَ من رَوْحِ الله ﴿إِنَّهُ لا يَيْئَسُ مِنْ رَوْحِ اللهِ إِلاَّ الْقَوْمُ الكَافِرُونَ﴾ (يوسف: من الآية 87).
والآخرُ، يستغفرُ؛ لكنَّه كالمستهزئِ بربِّه، يقفُ على بابِ الذنوبِ، يستغفِرُ بلسانِه استغفارًا زائفًا كاذبًا، ثمَّ يلِج.
ينظرُ إلى ما حرَّمَ الله، يستغفِرُ، وما زالت عينُه تُفَصِّلُ، وقلبُه يتمنى، وشهوتُه تتحرَّك.
يَحلِفُ كذبًا لِيُروِّجَ بضاعتَه الكاسدة، يستغفرُ، وهو يكذبُ ويَغُشّ، يَفجَعُ الناسَ في أموالِهم، ويبعثُ الحسرةَ في قلوبِهم.
تُعرَضُ عليهِ الرِّشوة، يستغفرُ، ثمَّ يمدُّ يديه كلتيهما، يغرِفُ ليُطعِمَ أهلَه حرامًا.
يطلبُ منه تلميذُه درسًا خاصًّا، يستغفر، ينطلقُ إليه، يبيعُ دينَه ونفسَه.
يَجُسُّ عليلَه، لا يحتاجُ إلا إلى كلمةٍ تُعالجُه، يَستغفر، ينبري له واصفًا من الأشعةِ (والتحاليل) ما يُهلِكُ بها مالَه، ويُذهِبُ معها نفْسَه، ليُرضيَ صاحبَ المَشفى، ويغضبَ ربَّ العالمين.
يُكلَّفُ بمشروعِ بناء، يستغفرُ، وما أيسرَ أن يغشَّ في (المُونة) ويأكلَ في بطنه نارًا!.
يتحرَّك لسانُه بعدَ صلاتِه غيرِ الخاشعة، بقلبٍ غيرِ خاشع، يستغفِر، وهو لا يدري: مَن يستغفر؟ وممَّ يستغفر؟
يَحرِقُ السيجارةَ تلو السيجارة؛ بل يحرقُ صدرَه ويُظلمُ قلبَه، يَستغفرُ، مع دخانِ السيجارة، يقولُ لمُناظرِه: أعلمُ أنها حرام، لكن، ماذا أفعل؟ لا أستطيع.
يأكلُ لحم أخيه ميتًا، تخوضُ في عرضِ أختِها، والبدايةُ الاستغفار فالدعاء: يا ربّ استر على (ولايانا)، إنها وإنها.
يسمَعُ المؤذِّنَ ينادي، وهو مُلتحفٌ غطاءَه، يستغفِر، يُغطِّي وجهَه، (يروحُ) في نومٍ عميق.
يرى إخوانَه هنا وهناك، يُؤسَرون، يُعذَّبون، يُشرَّدون، يُذبَّحون، يستغفر، لا تمتدُّ يدُه بدعاءٍ ولا بصدقة، يغرقُ في ملذاتِه وكأنَّ شيئًا لم يحدث.
قالَ بعضِهم: استغفارُنا هذا يحتاجُ إلى استغفار كثير، وقالَ الآخر: أستغفرُ اللهَ من أستغفِرُ الله، من لفظةٍ بدرتْ خالفتْ معناها، وقدْ سدَدْتُ بالذنبِ عندَ اللهِ مجراها.
والمُستغفرون، هم المَقبولون، يُذنبون، يُخطئون، يستغفرون صادقين غيرَ مُصرِّين، فكانوا خيرَ الخطَّائين.
وإذا كانَ سيِّدُ العابدين المُطيعين، يُعَدُّ له في المجلسِ الواحدِ مئةَ مرَّةٍ: "ربِّ اغفرْ لي وتُبْ عليَّ إنك أنت التوابُ الرحيم" (رواه أحمد وأبو داود والترمذي والنسائي وابن ماجة من حديث ابن عمر)، فهذا أبو هريرةَ يقول: "إني لأستغفِرُ اللهَ وأتوبُ إليه كلَّ يومٍ ألفَ مرَّةٍ وذلك على قدر ديتي" (في جامع العلوم والحكم، شرح الحديث الثاني والأربعين).
وهذا العبدُ الفقيرُ الذّليلُ، الرَّاجي مغفرةَ ربِّه وعفوَه، يُكثِرُ الاستغفار، في النهارِ وبالأسحار، في البيتِ وفي السوق، في المجالسِ وعلى الموائد، حيثُما وُجِد وأينما كان، يطلبُ من الصغارِ والكبار أن يستغفروا له.
أمامَه ذنوبُه الصغارُ كبارًا، كجبالٍ تُوشك أن تُطبقَ عليْه، يستغفرُ من العصيان ومن الغفلةِ، من التقصيرِ في الشكر والتقصيرِ في العبادة، يقفُ على أعتابِ بابِ الكريم، يُلِحُّ ويُلِحّ، وقاصدُ بابِ الكريمِ ليسَ يخيبُ.
يُداوي ذنوبَه بالاستغفار، و"طوبى لمن وجدَ في صحيفتِه استغفارًا كثيرًا"
إذا فعلَ فاحشةً أو ظلمَ نفسَه ذكرَ الله فاستغفرَ لذنبِه ﴿وَمَنْ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلاَّ اللَّهُ﴾ (آل عمران: من الآية 135).
ولمَّا أكثرَ من الاستغفار "جعلَ اللهُ له من كلِّ همٍّ فرجًا، ومن كلِّ ضيقٍ مَخرجًا، ورَزَقَهُ من حيثُ لا يحتسب" (في سنن أبي داود عن ابن عباس عن النبي).
----------