الصورة غير متاحة

 د. محمد محمود منصور

 

رمضان شهر الصيانة والصياغة، فهو صيانة من أخطاء ومساوئ قد يقع فيها المسلم خلال عام مضى، تمامًا كالآلة التي تعمل على مدار السنة، تحتاج ولا شك إلى فترة راحة وضبط، وهو الأمر الذي قد يبدو ظاهره تقليلاً من إنتاجها السنوي، ولكنه في الحقيقة زيادة هائلة فيه، إذا مرًّت خطة صيانتها هذه بنجاح.

 

ثم هو شهر صياغة لِمَا بعده، لحياة المسلم كلها بعد اجتيازه الناجح له؛ حيث هو إعداد لأنْ يكون عامه كله صالحًا خيريًّا، وبالتالي سعيدًا هانئًا، مثلما كان خلال رمضان.

 

إنَّ الله تعالي ما فرض رمضان إلا لزيادة قوة إرادة مَنْ يصومه، كما يُفهم من قوله سبحانه: ﴿لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾ (البقرة: من الآية 183)، والذي جاء في تفسيره في "المنتخب": (.. لتتربَّي فيكم روح التقوى، ويَقوَى وجدانكم، وتتهذب نفوسكم).. فهذا التدريب على قوة الإرادة هذه خلال شهر، بالامتناع لعدة ساعات يوميًّا عمَّا هو محبوب مُباح أصلاً، إضافة للامتناع بالطبع عمَّا هو حرام ضار، سيُعين المسلم على أن يكون ذا إرادة عقلية ونفسية قوية طوال العام، فينطلق في الحياة بقوة، فيستكشفها بقوة، فينتفع فيها بقوة، فيسعد فيها بقوة تُحقق له بها تمام السعادة، ثم بالآخرة.

 

إنَّ الرسول صلى الله عليه وسلم لمَّا قال في الحديث المعروف: "إذا جاء رمضان، فتّحت أبواب الجنة، وغلِّقت أبواب النار، وصُفِّدت الشياطين" (رواه البخاري ومسلم) أراد أن يستحث همّة كل مسلم ومسلمة ألا يُضيّع فرصة أن يتدرب لمدة شهر على الحياة السعيدة البعيدة عن الأخطاء كليًّا– أو العودة سريعًا للصواب عند أي خطأ– ليخرج مؤهلاً بهذه الدورة التدريبية وبآثارها النفسية والعقلية والأخلاقية الهائلة؛ لأن يحيا سعيدًا طوال الأحد عشر شهرًا الأخرى حتى رمضان المقبل.. ثم عامه الذي بعده يفعل ذلك.. ثم في كل أعوام حياته كذلك.

 

إنَّ من بعض معاني "صُفّدت الشياطين" أنها كأنها لم يَعُد لها تأثير! كما يقول الإمام ابن حجر العسقلاني في شرحها في "فتح الباري": (.. ويُحتمل أن يكون المراد أنَّ الشياطين لا يخلصون من افتتان المسلمين إلى ما يخلصون إليه في غيره، لاشتغالهم بالصيام الذي فيه قمع الشهوات وبقراءة القرآن والذكر.."، فمن كثرة الخير أصبح لا مجال لأن يظهر الشر!، كما قال الإمام العيني في "عمدة القاري": (.. وذهب بعضهم إلى أنَّ المراد بفتح أبواب الجنة كثرة الطاعات في شهر رمضان، فإنها موصلة إلى الجنة..).

 

فالمسلم في رمضان إذا نجح في أن يخرج من خير ٍإلى خير طوال كل لحظات يومه، فأين سيكون حينئذٍ ٍتأثير وساوس الشيطان؟! إنها موجودة بالطبع ما دام الإنسان موجودًا، لكنها واهية لا قيمة لها، ثم الأهم أنَّ عقل ونفس المسلم حق الإسلام الرمضاني المُعظِم لرمضان لم يَعُد فيهما مساحة أصلاً لها ولا لديهما أي وقت للانشغال بها، فضلاً عن تنفيذها!!.

 

فإذا نجحت أيها الداعي إلى الله والإسلام في فِعل هذا في رمضان، فهلا نجحت أيضًا في نقل هذه المساحة التامة من الخير، والتي لا يشوبها أيّ شر إلى حياتك كلها في عامك كله؛ لتتحقق لك السعادة التامة الحقيقية القلبية والعقلية والجسدية في الدنيا، ولتنتظر أعظم الثواب في الآخرة.. وهلا كذلك نجحت في نقل مَن حولك إلى حالتك السعيدة هذه، حالة أن تكون أخلاق رمضان عامًا لا شهرًا..... لتزدادوا جميعًا سعادة وثوابًا.

----------

* داعية وكاتب مصري.