لما علم الله ضعفنا وقلة قدرتنا على تحقيق طاعته وعبادته ومقارعة الشياطين في آنٍ واحدٍ، إلا من رحم ربي؛ فإنه سبحانه أفرد لنا شهرًا في العام يحبس عنا فيه مردة الشياطين ويسلسلها حتى يطرح عنا عبء منازلتها فنتفرَّغ بذلك لعبادته وطاعته، كما أخبر الحبيب صلى الله عليه وسلم: "إذا جاء رمضان فُتِّحت أبواب الجنة، وغُلِّقت أبواب النار، وصُفدت مردة الشياطين".
ولكن يبدو أن الله لا يسلسل كل الشياطين بل المردة منهم فقط، ويترك لنا صغار الشياطين لحكمةٍ يعلمها وكفرصةٍ للتدريب على مصارعتها حتى نذوق طعم النصر عليها، ومن ثَمَّ نسعى إلى الانتصار على مردتها بعد رمضان.
ويبدو أن مردةَ الشياطين أدركت هذا المرمى فأخذت تعد العدةَ قبل رمضان بفترةٍ كبيرةٍ كي تُفسد علينا نشوة النصر عليها في هذا الشهر الكريم، وتبدأ ملامح الإعداد هذه بالتواصل المبكِّر بين شياطين الجن مع إخوانهم من شياطين الإنس، الذين لا تحدث لهم السَّلسلة في رمضان، كي يقوموا بدور الغواية والإفساد نيابةً عن شياطين الجن.
فمعلوم أن رمضان شهرٌ جاء للتخفف من وطأةِ الطعام والشراب؛ مما يجعل المرء في حالةٍ من الخفة التي تعينه على أداء الطاعات، وبخاصةٍ قيام الليل، أضف إلى ذلك تدريب المسلم على التدبير في أمور طعامه وشرابه وعدم الإسراف فيه؛ لأن المبذرين كانوا إخوان الشياطين، ولكنك بالمقابل تجد استعدادات غير مسبوقة من إعداد أصناف الطعام والشراب وتكديسها في المحلات والمتاجر، ومن ثَمَّ تخزينها في البيوت، وكأنها آخر زاد الإنسان، فتنهك بذلك ميزانية البيوت حتى يصل الأمر بالبعض إلى حد الاقتراض كي يوفي هذه الرغبة من تأمين الطعام والشراب، فإذا ما جاء رمضان صُنفت ألوان الطعام ومُلئت بها الموائد لتدعو أصحابها إليها فتمتلئ بذلك البطون؛ حتى تصل إلى حدِّ التخمة في بعض الأحيان، ليصاب المرء بحالةٍ من الثقلة عن أداء ما افترض الله عليه في هذا الشهر الكريم، فيتحقق بذلك أول نصرٍ للشياطين من بلوغ الإنسان حالة التبذير في النفقة والتكاسل عن أداء التكاليف التي من شأنها أن ترفع قدره في هذا الشهر المبارك.
ويا ليت الأمر يقف عند هذا الحد، فرمضان شهر البر والإحسان والذكر والدعاء والصلوات، وهذه أعمال تتطلب وقتًا وجهدًا، إذن تصبح الخطة المرسومة من قِبل الشياطين، إلهاء الناس وشغلهم عن هذه الطاعات وإنفاق وقتهم وجهدهم في غيرها من المهلكات, إما بدفعهم إلى النوم لساعاتٍ طويلة حتى يضيعوا ساعات الصوم والذكر والعبادة، وبالمقابل سهر في غير طاعة لله على المقاهي، وفي النوادي للتسامر والحديث فيما يكون ضره أقرب من نفعه، وإما بجلوسهم أمام شاشات التلفاز لتلقي وجبةً، قد تكون في أغلب الأحيان فاسدةً، من أدوات اللهو واللعب من المسلسلات والأفلام والبرامج، التي إن لم تضف إلى المرء ذنوبًا فإنها تُشغله عما ينبغي أن ينشغل به في هذا الشهر الكريم، فيتبارى أصحاب هذه الأدوات الملهية في الإعلان عنها قبل رمضان بفترةٍ كافية، فإذا بالناس يتجهزون لهذه الملهيات والمفاسد بدلاً من أن يتأهَّبوا لاقتناص ما في رمضان من فرص قربى إلى الله، فتضيع بذلك الفرص وتُهدَر المنح والعطايا الربانية، وبدلاً من أن يحصل المرء الحسنات إذا به يقترف السيئاتٍ كنتيجةٍ طبيعيةٍ لما تبثه هذه الوسائل من قيمٍ سلبيةٍ وسلوكياتٍ سيئة ومناظر خليعة وأفكار مسمومة تغزو النفس وتقهر القلب وتعلن عن ثاني نصرٍ للشياطين في رمضان.
وأما ثالثة الأسافي والهزائم من الشياطين فتتمثل في من يبارزون الله بالمعصية في هذا الشهر العظيم وعدم حيائهم منه سبحانه؛ وذلك إما بالمجاهرة بالفطر في نهار رمضان، أو إما بإجاعة البطون والأكباد ثم الإفطار على طعام جلب من الحرام، وإما بالخوض في أعراض الناس والحديث عن أسرارهم، وإما بإعلان حالةٍ من الغضب والإساءة إلى الآخرين تحت دعوى الصيام، وإما بالتقصير في الأعمال والتكاليف تحت زعم ضعف الطاقة أثناء الصيام للقيام بهذه الأعباء.
فإذا أفلت الناجون من مصائد الشياطين وكيدهم، تحرَّكت الشياطين لتفتن المؤمنين عن دينهم ببسط يد الإيذاء من قِبل أتباع الشياطين وأعداء هذا الدين، فيدفعون إخوانهم من المجرمين من أمثال اليهود وأشياعهم لتوجيه الضربات إلى الأمة المكلومة، وبخاصة في هذه المناسبات الإسلامية فيجزع بذلك الجزعون ولسان حالهم "ما وعدنا الله ورسوله إلا غرورًا"، ويقول الصابرون "هذا ما وعدنا الله ورسوله وما زادهم إلا إيمانًا وتسليمًا".
أخي الحبيب..
ذلك بعض من مزالق الشيطان وخطواته التي تقود إلى غير رضا الله.. فهل نحن راغبون إلى غير رضوان الله في هذا الشهر الفضيل؟.. وتلك بعض جولات الصراع مع الشياطين في رمضان.. فهل أعددت لها العدة وجهزت لها ما ينبغي عليك أن تجهزه؟.. أم دخلت هذا المضمار وأنت خالي الوفاض مسلوب الإرادة.. هل تحب أن تكون من الفائزين أم من الخاسرين؟.. هل تريد أن تكون من الناجين أم من الهالكين؟.. ولكني أذكرك ونفسي بقول الله سبحانه وتعالى ﴿بَلْ الإِنسَانُ عَلَى نَفْسِهِ بَصِيرَةٌ (14) وَلَوْ أَلْقَى مَعَاذِيرَهُ (15)﴾.
---------
* الأستاذ بكلية الطب البيطري- بني سويف.