- تقارير رسمية: تدني الطلب على الغذاء إلى النصف بسبب الأزمة
- المواطنون: "ولائم" رمضان أمر ضروري والجمعيات هي الحل
- التجار: ركود في الشراء.. والناس تكتفي بالفرجة على البضائع
- الخبراء: تجنب الإعلانات وترشيد النفقات ضروري لإنقاذ الأسر
تحقيق- إيمان إسماعيل:
معاناة مضاعفة قد ترتبها الأزمة المالية العالمية على نفقات المصريين في رمضان، ما يهدد أغلب الأسر المصرية بعدم الوفاء بمتطلباتها وحاجات أبنائها التي تثقل كاهلها دومًا وتتزايد حمولها في رمضان، وتشير تقارير الغرف التجارية إلى توقعاتها بانخفاض معدل الاستهلاك وارتفاع الأسعار، ليشتري المستهلك دجاجة واحدة فقط بعد أن كان يشتري 3 دجاجات قبل ذلك.
وأوردت تقديرات غرفة الصناعات الغذائية أن الطلب على الغذاء يرتفع بنسبة 80% خلال شهر رمضان، متوقعه تدني هذه النسبة إلى النصف هذا العام بسبب الحالة الاقتصادية المتدنية للمواطن المصري، بعد أن تسببت الأزمة المالية العالمية حتى الآن في تسريح ما يزيد عن 88 ألف عامل مصري من وظائفهم في 3 شهور فقط، ومن حالفهم الحظ في الاستمرار في أعمالهم تدنت مرتباتهم إلى النصف.
ووسط هذه الأزمة كيف ستقضي الأسرة المصرية شهر رمضان؟، وهل ستستمر موائدها عامرة بما لذ وطاب من المأكولات، أم يصيبها ما أصاب أصحابها؟، وماذا عن الياميش والحلويات وعزائم الأهل والأقارب؟، وهل من روشتة علاجية من الخبراء لكيفية مواجهة الأزمة والمرور منها بسلام؟.
الجمعيات هي الحل
بدايةً تقول لبني أحمد مصطفى (موظفة بالشئون الاجتماعية) إن همومها تزداد مع كل يوم يقترب فيه رمضان خوفًا من تكاليف الإفطار من اللحوم والعصائر والحلويات بعد الأكل، والسحور ومتطلباته، والمكسرات والياميش.
وتضيف أنها استعدت لذلك عن طريق الدخول في 3 جمعيات وأصرت أن يكون دورها في الحصول على الأموال اثنين منها أول شهر رمضان والثالثة قبل العيد حتى تستطيع مواكبة الأزمة.
الهروب!
الركود أصاب أسواق الياميش بسبب ارتفاع أسعاره

ويقول عبد الله إبراهيم إنه هارب من أوضاع مصر إلى دول الخليج منذ عشر سنوات وعاد فقط منذ عام ويفكر في الرجوع مرة أخرى للخليج، لما لاقاه من معاناة، موضحًا أن "سلبية الشعب المصري وتغافله عن حقوقه" سبب حقيقي في أن تفعل بنا الحكومة ما تشاء من غلاء الأسعار، وتدني المرتبات.
وأضاف: "كانت الانتفاضات تقوم من أجل ارتفاع سعر كيلو السكر عدة ملاليم أيام السادات، أما الآن فلا"، ومع وصول سعر الياميش إلى 60 جنيهًا قال: "استحالة هشتري ياميش، هشتري بس اللي يعيشني ويخليني قادر أصوم"!.
"التواضع حلو"، بهذه الكلمات بدأت جيهان أحمد (30 عامًا- ربة منزل) حديثها، قائلة: "مش لازم ناكل أفخم اللحوم أو نحط كذا صنف على السفرة ونتباهي أدام القرايب، إيه المشكلة لو اقتصرنا على صنف واحد فقط في اليوم، أو يقسم حتة الفرخة اثنين".
وعن تجمعات الأهل والأقارب تقول إنها ستستمر بشكل طبيعي في استضافة أهلها على حسب إمكانياتها ودون خجل لأنها لا تشعر في ذلك بأي مشكلة، وأنهت حديثها بالقول: "الرضا وكل حد ياكل على قده هيشعر إنه أسعد شخص في العالم".
الوليمة!!
أم أحمد (ربة منزل) تعد منذ 3 أسابيع لـ"عزومة" ستجمع فيها أبناءها الثلاثة بزوجاتهم وأولادهم في رابع أيام رمضان، حيث تقوم كل أسبوع بشراء شيء معين حتى لا يكون عبئًا عليها وحتى لا تشعر بالتكلفة، فأسبوع اشترت فيه "وزة"، وأسبوع "3 بطات"، والآخر "فرختين".
وعلى الرغم من تلك المصاريف قالت أم أحمد إنها تحاول أن تخفف عن نفسها وطأة نفقة المال وغلو الأسعار، ولكنها في الوقت ذاته لن تستطيع التخلي عن التجمع العائلي حيث إنها لن تكون العزومة الوحيدة!!.
حامد عمران وزوجته التي تقضي أول رمضان على المعاش، يقول إنه يشعر بقلق رهيب حيث إنه هو الآخر على المعاش، ولا يأتي لهم أي دخل إضافي، موضحًا أنه أوصى زوجته بالاكتفاء بصنف واحد فقط على مائدة الإفطار، وأن تكون الحلويات كل 3 أيام، وليس من الضروري أن يتم أكل اللحوم كل يوم، أما عن الزيارات العائلية وتجمعات الأهل والأقارب للإفطار سويًا، فيقول إنهم لن يلجئوا إليها مطلقًا وسيكتفون بالتهاني التليفونية فقط!!.
مفيش رمضان!!
جولتنا الثانية كانت مع التجار في محلاتهم لبحث مدى إقبال الناس على الشراء من عدمه.
عبد الرحمن فوزي (بائع فوانيس بالسيدة زينب) يقول إن الإقبال ضعيف جدًّا من جانب المواطنين على الشراء، نافيًا التهم الموجهة للتجار برفع الأسعار والجشع، ومشيرًا إلى أنه يحصل على "جنيه ونصف" فقط مكسب عن كل فانوس ولا يبيع في اليوم الواحد أكثر من 10 فوانيس.
ويضيف أحمد حسين (بائع في محل ياميش ومكسرات بمدينة نصر) أن الإقبال محدود جدًّا وقلة الأموال مع الناس تجبرهم على عدم الشراء حتى لا تضيع أموالهم خلال أيام قليلة ويضعون أنفسهم في موقف حرج.
الحاج فرحات (صاحب محل كنافة وقطائف بوسط البلد) في صرخات استغاثية يقول: "الناس آخر حاجة بتفكر فيها في رمضان ده إنها تحلّي، لأنها لو عرفت تجيب الأكل الأساسي يبقى خير وبركة"!.
لا للإعلانات
د. عبد الحافظ الصاوي

حاولنا في جولتنا مع الخبراء والمتخصصين أن نضع "روشتة" لمواجهة الأزمة وإيجاد حلول عملية لها، بدايةً يطالب عبد الحافظ الصاوي الخبير الاقتصادي بعدم الالتفات إلى الحملات الإعلانية الضخمة التي تقوم بعرض كافة أنواع السلع والخدمات بشكل مبهر وجذاب حتى تقوم بتوصيل رسالة إلى الأسرة مفادها "أن هذه السلعة أو الخدمة لا غنى عنها وستموتون بدونها".
ويضيف أن رمضان يتيح للأسرة إعادة النظر في ترتيب الدخول بصورة أفضل مما كانت عليه من قبل من خلال الاقتصاد في الوجبات، وسيساعد على ذلك انخفاض عدد الوجبات من ثلاث وجبات إلى وجبتين فقط هما السحور والإفطار، داعيًا إلى ضرورة التكافل مع الجيران ومد صلة التعاون وتبادل الأطعمة والزيارات، مشيرًا إلى أن تلك الخطوات ستخفف من حدة المتطلبات لكل أسرة.
أما عن الالتزامات الاجتماعية فيشدد الصاوي على ضرورة أن تكون العزائم والإفطارات الجماعية في حدود الطاقة والدخل بعيدًا عن التباهي، مختتمًا حديثه بالآية القرآنية ﴿لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلاَّ وُسْعَهَا﴾ (البقرة: من الآية 286).
سوق الجملة
وفي نفس الإطار يؤكد الدكتور نبيل عمر الألفي أستاذ الاقتصاد بجامعة الزقازيق على ضرورة أن توازن الأسر بين الدخل والنفقات وتبعد عن الكماليات قدر المستطاع، فبدلاً من شراء كميات كبيرة وإهدار كثير منها يتم شراء كميات على قدر الحاجة إلى أن تنتهي ثم يشترون كميات أخرى، أو أن يتجه الناس إلى الشراء من محلات الجملة ويقوم هو وأقاربه أو جيرانه باقتسام تلك البضائع لتوفير النفقات قدر المستطاع.
ووجه د. الألفي أصابع الاتهام إلى الحكومة بأنها هي من تسبب في تفاقم الأزمة بسياساتها المتخبطة وغياب الدولة عن مساندة فئات محدودي الدخل، بل تزيد من معاناته فترفع الأسعار وتخفض الأجور.
جهود شعبية
محمود عسقلاني

محمود عسقلاني رئيس حركة "مواطنون ضد الغلاء" يقول إن الفرد وحيدًا لن يستطيع التغلب على الأزمة، ولكنه في حاجة إلى تكاتف الجهود وتحرك من جانب المسئولين ومنظمات المجتمع المدني، مشيرًا إلى أنهم بصدد حملة جديدة لمواجهة تلك الأزمة من ارتفاع الأسعار وتدني الأجور لمواجهة جشع التجار والمستثمرين.
ويرى عسقلاني أن تلك الحملة بمثابة تشجيع لباقي الجهود الشعبية، والتي يتمنى أن تتحرك جميعها في شكل تكافل اجتماعي حتى يتم التغلب على تلك الأزمة الطاحنة.
ويطالب بضرورة ترشيد الاستهلاك بأن تقلل كل أسرة من استهلاكها من الأطعمة خاصة اللحوم، بدلاً من زيادة الاستهلاك التي تضعهم تحت وطأة استغلال الجزارين وأصحاب المجازر، وتتضاعف عليهم الأزمة.