- عز أبو عوض: 12 شركة تسيطر على السوق دون رادعٍ
- رضا عيسى: قرارات الحكومة غير ملزمة وتفتقد التطبيق والتنفيذ
- د. يحيى شاش: تخريب صناعة الإسمنت تتم تحت سمع وبصر الحكومة
- محمود العسقلاني: محاكمة شعبية علنية لمحتكري الإسمنت
تحقيق- شيماء جلال:
يشهد سوق الإسمنت في مصر حالةً من الفوران والغليان، ما بين الارتفاع الجنوني لأسعاره وبين اختفائه تمامًا من مناطق؛ مثل جنوب الصعيد، والدلتا، حتى وإنْ وجد فيصل سعره إلى أكثر من 750 جنيهًا للطن، في حين أنه من المفترض أن يتراوح سعره بين 300 و400 جنيه، وأمام ذلك المشهد يجد المستهلك نفسه ضحية حكومة، فقدت رشدها ووعيها في التعامل مع أزمة باتت متكررة، وجشع بعض التجار وكبار المستثمرين المحتكرين للسوق.
ولم تخف الحكومة قلقها، واعترفت بتفاقم الأزمة وخطورتها، إلا أنها لم تتخذ الإجراءات الكفيلة بالقضاء عليها؛ حيث رصد مركز المعلومات ودعم اتخاذ القرار التابع لمجلس الوزراء في تقرير له أن ارتفاع الأسعار بسوق الإسمنت بات ظاهرة خطيرة.
وعزا التقرير الأزمة إلى سيطرة عددٍ من الشركات الأجنبية على السوق، وكشف عن وجود اتفاق شبه احتكاري فيما بينها لرفع الأسعار، في إشارةٍ إلى أن متوسط تكلفة إنتاج الطن من بين متوسطات أكبر ثلاث شركات كبرى؛ هي السويس، والمصرية، والقومية نحو 182 جنيهًا (33 دولارًا)، بعد الزيادات الأخيرة في أسعار الوقود، واضطرت الحكومة اتخاذ إجراءات صورية لحفظ ماء وجهها، فألغت الجمارك على واردات الإسمنت للسيطرة على أسعاره.
وفي تحليلٍ لأزمة سوق الإسمنت المصري أكد الخبير الاقتصادي أحمد السيد النجار أن أزمة جنون الإسمنت الراهنة تؤكد خطورة الخطأ الذي ارتكبته الحكومات المتتابعة ببيع شركات الإسمنت للأجانب الذي يتسم سلوكهم في السوق بشراهة، ودناءة في مسعاهم لتحقيق الأرباح الاستثنائية على حساب الشعب والمال العام.
واستشهد النجار في تحليله بأسعار الإسمنت خلال الفترة الأخيرة، وما شهده من ارتفاعات خيالية وصلت بسعر البيع للمستهلك إلى أكثر من 750 جنيهًا للطن، رغم أن تكلفة إنتاجه تقل عن 200 جنيه فقط؛ مما يعكس حالة مختلطة من الأسعار الاحتكارية واضطراب السوق، فقد كانت أسعار الإسمنت قد ارتفعت من 110 جنيهات للطن عام 2002 إلى 130 جنيهًا عام 2003م، ثم إلى 280 جنيهًا عام 2004م قبل أن يتجاوز سعر الطن مستوى 300 جنيه عام 2005م، ثم تجاوز 350 جنيهًا في عام 2006م، وتجاوز 450 جنيهًا عام 2007م، وتجاوز مستوى 500 جنيه في نهاية عام 2008م، قبل أن يحقق قفزات قياسية وصلت به في فترة من الفترات إلى 750 جنيهًا تسليم المستهلك.
وأكد النجار أن هذه الأسعار ليست مسئولية الموزعين، كما تحاول الشركات أو حتى بعض المسئولين أن يصوروا الأمر، بل هي مسئولية الشركات؛ حيث يخرج الإسمنت منها بأسعار احتكارية مرتفعة، كما أنها تتواطأ مع بعض الموزعين، وتخصهم بكميات كبيرة للبيع بسعر بالغ الارتفاع مع تقاسم الأرباح معهم.
والسؤال الذي يطرح نفسه الآن وبشدة من هو المستفيد الأول من تلك الأزمة؟، وأين دور الحكومة والأجهزة الرقابية في حلها؟ وما السبب في عدم قدرة العقوبات المفروضة على المحتكرين على ردعهم والرجوع عن عملياتهم الاحتكارية؟
(إخوان أون لاين) طرح كل هذه التساؤلات وغيرها، وأجاب عليها في التحقيق التالي:
غياب الرقابة
بدايةً يؤكد عز الدين أبو عوض رئيس الجمعية الشعبية لرابطة وكلاء الإسمنت أن سوق الإسمنت أصبح سوق الاحتكار الكامل، مشيرًا إلى أن هناك 12 شركة تمثل كبرى الشركات المحتكرة والمسيطرة على سوق الإسمنت خلال الفترة الراهنة تورطت في أزمة الإسمنت، وعلى رأسها مجموعة "السويس"، و"سيناء"، و "القومية"، و"أسيوط"، و"العامرية"، و"جنوب الوادي"، و"قنا" للإسمنت.
وأشار إلى أن الحكومة والأجهزة الرقابية اتفقت معًا على حساب المستهلك والمواطن البسيط؛ لكي تقوم برفع الأسعار عليه بمعدل غير طبيعي؛ مما أدى لتوقف كثير من المواطنين عن عمليات البناء والإنشاء؛ بسبب الارتفاع الجنوني للأسعار.
وفيما يخص ارتفاع أسعار الإسمنت بشكل جنوني بجنوب الصعيد واختفائه من بعض المناطق أشار أبو عوض إلى أنه تم الكشف عن أن شركتي "قنا" و"أسيوط" اتفقتا على سحب كميات كبيرة من الإسمنت، وتخزينها، ومنعها عن صغار التجار والمستهلكين بما يضر بمصالحهم.
وعن استمرار الأزمة بالسوق أوضح أبو عوض أن الأزمة ستسمر قائمةً وما زالت الشركات المحتكرة موجودة ومستمرة في جشعها بالسوق، فضلاً عن غياب الدور الرقابي للحكومة؛ مما يسهل لهؤلاء المستثمرين أن يستكملوا ممارستهم الاحتكارية دون رادعٍ من جانب أجهزة الرقابة والمحاسبة.
وطالب أبو عوض بضرورة محاسبة المحتكرين وكبار المستثمرين من رجال الأعمال على ممارساتهم الضارة بالسوق التي أضرت بذلك القطاع كثيرًا على مدار عددٍ من السنوات الماضية، ولا تزال الأزمة مستمرة، وتقف فيها الحكومة والأجهزة الرقابية موقف المتفرج والمشاهد.
كعكة الإسمنت
ويلقي الخبير الاقتصادي والمحلل المتخصص لسوق الإسمنت رضا أحمد عيسى الضوء على قرارات الحكومة في مواجهة أزمة سوق الإسمنت، واصفًا إياها بأنها غير ملزمة وفاقدة للتطبيق والتنفيذ، موضحًا أن سوق الإسمنت في الأساس سوق غير منضبط، والتجار فيه يتعاملون بـ"الفهلوة"، مستندين للمثل القائل: "ليه تكسب قليل لما ممكن تكسب كتير"، ولكن بشكل غير مشروع وبأساليب ملتوية.
وأشار عيسى إلى أن المستفيد الأول من أزمة الإسمنت في السوق المصري هي الشركات الأجنبية التي امتلكت ووضعت يدها على هذه السلعة الإستراتيجية، ونهبت خيرات مصانعه وأخذت أمواله، وقامت بتحويلها خارج مصر، في حين أنها تعاني من خلل في الهياكل التموينية، وتصل فيها نسبة العجز لأكثر من 1.5% مليار جنيه.
وأوضح أن ذلك الأمر يبرز أن تلك الشركات تدار بأموال الغير، وليس من رؤوس أموال أصحابها، فضلاً عن أن الأرباح التي تحصل عليها لا تقوم بتدويرها داخل شركاتها، بل تقوم بتحويلها لأرصدتها المتضخمة في بلادها.
ووصف عيسى سوق الإسمنت أنه أشبه بـ"الكعكة" التي التفَّ حولها المحتكرون والمستثمرون الأجانب؛ لكي يحققوا أرباحًا خيالية تعدت الـ20 مليار جنيه تبعًا للميزانيات الرسمية للعام المنصرم 2008م.
غسيل الأموال
وشنَّ الدكتور يحيى شاش مدير مركز الدراسات الهندسية والتصنيع بكلية الهندسة بجامعة القاهرة هجومًا عنيفًا على دور الحكومة في مواجهة أزمة سوق الإسمنت، وأكد أنه خلال الأزمة الراهنة ثبت أنه لا يوجود لها أي دور نهائيًّا على أرض الواقع؛ سوى التصريحات والبيانات الخاصة بالشجب، أو العمل على حل الأزمة، ومحاسبة المخربين، في حين أنها تساعد في الأصل المخربين، وتمد لهم يد العون على استمرار تخريبهم لصناعة الإسمنت التي إذا أحسن استثمارها ستجلب منافع كبيرة.
وحول الدعوة التي أطلقها رئيس الوحدة الاقتصادية بحركة "مواطنون ضد الغلاء" بشأن اعتبار عقوبة محتكري الإسمنت أنها أشبه بغسيل الأموال، أبدى شاش اتفاقه الكامل مع تلك الدعوة، مؤكدًا أن عقاب المحتكرين لا بد وأن يتم كما يحدث في العالم أجمع من خلال مصادرة الأرباح للمنتج مع إحالة المحتكرين للمحاكمة.
وعن الحلول الخاصة بحل أزمة الإسمنت قال: إن الحل يكون في أيدي الشعب؛ لأنه صاحب القرار الأول والأخير في تلك الأزمة الراهنة؛ فضلاً عن أن الشعب هو صاحب الأرض والخامات والطاقات بأكملها، فلا بد أن يقوم هو باحتكار السوق، وإجبار التجار والمستثمرين على التعامل بحرية ونزاهة.
كلام في الهواء
![]() |
|
محمود العسقلاني |
أوضح محمود العسقلاني مؤسس حركة "مواطنون ضد الغلاء" أن سوق الإسمنت من آن لآخر يشهد اضطرابًا في أسعاره، وهذا يعد مؤشرًا غير إيجابي، ويبرز مدى التخبط في قرارات وزارة رشيد التي توضح مدى التراجع في أداء الحكومة، وعدم قيامها بأي قرارات من شأنها العمل على استقرار السوق.
ووصف العسقلاني عبارات الحكومة الرنانة بشأن العمل على ضبط الأسواق، واستقرار الأسعار بأنه "كلام في الهواء"، مشيرًا إلى أن السوق لن يستقر بسبب عمليات ضبط السوق، ولكنه قد يشهد استقرارًا خلال الفترة القادمة؛ بسبب قدوم موسم شهر رمضان والمدارس، والتي لا يقبل فيها المستهلكون على شراء العقارات أو السكن.
وأكد أنهم بصدد عقد محاكمة شعبية لمحتكري الإسمنت يوم الأربعاء القادم بنقابة المحامين، مشيرًا إلى أنها تعد محاكمة معنوية أكثر منها جنائية، تهدف لفضح محتكري الإسمنت أمام الرأي العام، ومحاسبة رؤساء شركات الإسمنت والوزراء والمديرين لتلك الشركات، الذين ازدادوا جشعًا واستغلالاً لأحوال الشعب خلال الفترة الماضية.
