إشراقات الروح الأخ الحبيب.. تحيةً من عند الله مباركةً طيبةً، فالسلام عليكم ورحمة الله وبركاته، وبعد.. فإن الله تعالى يصطفي من الملائكة رسلاً ومن الناس، ومن الشهور أشهرًا بذاتها، ومن الأيام والليالي أيامًا ولياليَ بعينها، يختصها الله برحماتٍ من عنده، وفيوضاتٍ من لدنه، يتجلَّى فيها على عباده المؤمنين بالرحمة والمغفرة والعتق من النار، وعلى العباد أن يترقَّبوا هذه النفحات بشوق ولهفة، وهمَّة وعزم، وصدق وإخلاص؛ علَّهم ينالون ما أعدَّه الله لهم من منحٍ ربانيةٍ وعطايا إلهيةٍ، يقول الحبيب المصطفى صلى الله عليه وسلم "إن لربكم في أيام دهركم لنفحات، ألا فتعرضوا لها" وعلى العقلاء ألا تفوتهم لحظةٌ دون أن يغتنموها في الطاعة والعبادة؛ كي ينعموا بسعادة الدارين.. الأولى والآخرة. نعم تمر الأيام السعيدة سريعة كالبرق، كأنها لحظات، يحاول الإنسان أن يمسك بها، يرجو ألا تمضي، يريد أن تتوقف، يتمنَّى أن يظل هكذا في سعادة وهناءة وسرور، ولكن هيهات هيهات!!، فلا تسير الحياة على منوال واحد أبدًا، فهي اليوم في صعود وغدًا في هبوط، ﴿وَتِلْكَ الأَيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ النَّاسِ﴾ (آل عمران: من الآية 140)، وعلى النقيض من الأيام السعيدة تمر اللحظات التعيسة متثاقلة، بطيئة مملَّة، كأنها سنوات، ويحاول الإنسان أن يفلت منها أو يتجاوزها أو ينساها، لكنه لا يستطيع. إن السعادة تنبع من داخلك، من ذاتك، من نفسك أنت، ومصداقُ ذلك قول الحق جل وعلا: ﴿إِنَّ اللَّهَ لا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنفُسِهِمْ﴾ (الرعد: من الآية 11). وصدق الشاعر: لعمرك ما ضاقت بلاد بأهلها ولكن أخلاق الرجال تضيق بيدك أنت يا صاحبي أن تجعل أيامَك كلها هناءةً ولحظاتك كلها سعادةً، وأن تجعل لحظات المحن كأنها منحٌ إلهيةٌ، وكما قال بن عطاء: "ربما كمُنَت المنن في المحن، والمحن في المنن"، كيف؟! أن تحيا مع الله، أن تعيش مع كتابه وسنة نبيه صلى الله عليه وسلم، أن ترنو ببصرك إلى الآخرة، أن تعيش في الدنيا كعابر سبيل، أن تذكر هادم اللذات ومفرق الجماعات. إن الزمن يمر على الناس، فتنقضي أعمارهم ليلةً بعد ليلة، وساعةً بعد ساعة، ولحظةً بعد لحظة، ﴿وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلالِ وَالإِكْرَامِ (27)﴾ (الرحمن).. وصدق شوقي إذ يقول: دقات قلب المرء قائلة له إن الحياة دقائق وثوانٍ كان عمر رضي الله عنه يلبس خاتمًا من حديد، نقش عليه: كفى بالموت واعظًا يا عمر.. إنه الموت يا صاحبي الذي غيَّب الطغاة والأكاسرة، وأهال التراب على الملوك والقياصرة، ومحَا من الوجود دولاً وأممًا كانت مهيمنةً ومسيطرةً، ﴿أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِعَادٍ (6) إِرَمَ ذَاتِ الْعِمَادِ (7) الَّتِي لَمْ يُخْلَقْ مِثْلُهَا فِي الْبِلادِ (8) وَثَمُودَ الَّذِينَ جَابُوا الصَّخْرَ بِالْوَادِ (9) وَفِرْعَوْنَ ذِي الأَوْتَادِ (10)﴾ (الفجر)، وجعل لذلك ميقاتًا لا يستأخرون عنه ساعة ولا يستقدمون ﴿وَتِلْكَ الْقُرَى أَهْلَكْنَاهُمْ لَمَّا ظَلَمُوا وَجَعَلْنَا لِمَهْلِكِهِمْ مَوْعِدًا (59)﴾ (الكهف). يقول خامس الراشدين رضي الله عنه، "لولا الغفلة لتفطَّرت قلوب الخلق من خشية الله". حاذر يا أخي، وقاني الله وإياك، من الغفلة؛ فإنها معوِّقة عن بلوغ المعالي، مُقعِدةٌ عن الوصول إلى الآمال العظام. الأخ الحبيب.. لا تبتئس بما يفعل القوم، هم لن ينالوا من همَّتك ولن يُوهنوا إرادتك ولن يؤثِّروا في عزيمتك، وها هو رمضان.. شهر الفيوضات الربانية والمنح الإلهية.. يهلُّ علينا بطلعته البهية وإطلالته الندية، سوق رابحة سوف نغنم فيه أغلى أنواع الهدايا والعطايا وأفضلها بأقل التكاليف، فقط مطلوبٌ منا أن نشمِّر عن ساعد الجد. ها هو رمضان يعود إلينا، فاتحًا ذراعيه بكل الشوق والودِّ، يظلِّلنا برحماته وتجلياته وبركاته، جاء رمضان لكي تسمو به أرواحنا، لكي نتدرَّب من خلاله على الاستعلاء على الشهوات والملذَّات، حتى يتقلَّص حظُّ الدنيا في نفوسنا، ونقلِّل من حرصنا على متاعها؛ نساءً أو أولادًا أو مالاً أو سلطانًا، فلقد أذلَّ الحرص أعناق الرجال. الله يريد لنا الحرية والعزة.. يريد منّا علو الهمة وقوة الإرادة وصدق العزيمة، ولا يتم ذلك إلا بالانفكاك من أسْر المادة، والانطلاق إلى الملأ الأعلى؛ حيث إشراقات الروح، مع الملائكة، مع السفرة الكرام البرَرة. عن الحارث بن مالك الأنصاري أنه مر بالنبي صلى الله عليه وسلم فقال له "كيف أصبحت يا حارثة"؟! قال: أصبحت مؤمنًا حقًّا. قال: "انظر ما تقول؛ فإن لكل قول حقيقة.. فما حقيقة إيمانك؟" قال: عزفت نفسي عن الدنيا؛ فأسهرت ليلي، وأظمأت نهاري، وكأني أنظر إلى عرش ربي بارزًا وكأني أنظر إلى أهل الجنة يتزاورون فيها، وكأني أنظر إلى أهل النار يتضاغون فيها (أي: يضجُّون ويتصايحون) قال: "يا حارثة.. عرفت فالزم".. أقول: ها هو رمضان، فرصة طيبة ومناسبة عظيمة؛ أن نُقبل على القرآن، تلاوةً وتدبرًا وعملاً والتزامًا، وأن نُكثر من الذكر والدعاء والاستغفار، وإذا كانت شرائع الإسلام قد كثرت على بعضنا، فعلينا ألا نملَّ من ترطيب ألسنتنا بذكر الله. * مطلوب منا أن نخفَّ سراعًا إلى المساجد فور سماعنا النداء؛ لأنه تعبيرٌ عن تمكّن العقيدة في القلوب، لذا كانت إحدى وصايا الإمام البنا رضي الله عنه: "قم إلى الصلاة متى سمعت النداء مهما تكن الظروف"، وأن يكون لنا نصيبٌ في صلاة القيام، ولنأخذ أولادنا وزوجاتنا معنا، ففي ذلك كله تربية، وأيّ تربية، وأن نكثر من الصدقات، فقد كان صلى الله عليه وسلم في رمضان أجود بالخير من الريح المرسلة. * مطلوب أن نصل أرحامنا حتى من قطعنا، وأن نبرَّهم، فذلك من أوجب الواجبات، وأن نسعى بجد لإنهاء خلافاتنا مع الإخوة والأحباب والأصدقاء؛ حتى يتقبل الله أعمالنا ﴿إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ اللَّهُ مِنْ الْمُتَّقِينَ﴾ (المائدة: من الآية 27) ويفيض علينا بواسع رحماته ﴿إِنَّ رَحْمَةَ اللَّهِ قَرِيبٌ مِنْ الْمُحْسِنِينَ﴾ (الأعراف: من الآية 56)، فما أحوجنا إلى ذلك!!. * مطلوب أيضًا أن نُكثر من الدعاء لإخواننا بظهر الغيب، وبخاصةٍ هؤلاء المرابطون الكرام، الذين يقبعون خلف الأسوار في مصر وفلسطين والعراق وفي كل مكان.. أن يربط الله على قلوبهم، وُيثبّت أقدامهم، وأن يُعيدهم إلى أهلهم وأولادهم ودعوتهم غانمين سالمين، وأن يجعل جهادهم في ميزان حسناتهم والفردوس الأعلى مقامهم. * مطلوب كذلك أن نُكثر من الدعاء لإخواننا في فلسطين، وبخاصة أهل القطاع، أن يُمدَّهم المولى سبحانه وتعالى بمدد من عنده، وأن يرفع المعاناة ويفك الحصار عنهم عما قريب، وأن يكلل صمودهم وثباتهم ومقاومتهم بالنصر المبين.. ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اصْبِرُوا وَصَابِرُوا وَرَابِطُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (200)﴾ (آل عمران). وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين، وكل عام وأنتم بخير مع إشراقات الروح. والله من وراء القصد. ---------------- * النائب الأول للمرشد العام للإخوان المسلمين.