تعلَّمنا من رسول الله صلى الله عليه وسلم ومن الصحابة والتابعين والصالحين إلى يومنا هذا أن نكثر الدعاء في أواخر شعبان، ونقول: "اللهم بارك لنا في رجب وشعبان وبلَّغنا رمضان".

 

وها هو رمضان على الأبواب، نقبل عليه ونستعد ونتهيأ له التهيؤ اللائق به، وليس ذلك بالأمور المادية كما يفعل عامة المسلمين، وإنما نستعد بأمور أخرى جليلة وقيم سامية رفيعة، فتتهذب الأرواح، وتسمو النفوس، وترق القلوب، ونذهب خاشعين إلى رحاب القرآن الكريم، تستهلهم أنواره، ونعيش جنباته المضيئة، وننير بها جوانب النفس، فنبدِّد بعض ما ران عليها من غبش أو ضباب، وتجلو صفحتها مما شابها من غبار أو تراب، ونسمو بها إلى سبحات عالية من الطهر والنقاء والصفاء والضياء.

 

وشهر الصوم فرصة تتاح في كل عام مرة، ولم يبق بيننا وبينه إلا ليالٍ قليلة؛ حيث تفتح أبواب السماوات، وتتنزل رحمة الله على عباده بالبركات، وينظر الله تعالى إلى عباده في أيامه ولياليه، فيستجيب للداعية، ويضاعف مثوبة الطائعين، ويمن بالمغفرة والقبول على المذنبين والمقصرين ﴿وَالَّذِينَ إِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً أَوْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ ذَكَرُوا اللَّهَ فَاسْتَغْفَرُوا لِذُنُوبِهِمْ وَمَنْ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلاَّ اللَّهُ وَلَمْ يُصِرُّوا عَلَى مَا فَعَلُوا وَهُمْ يَعْلَمُونَ(135) أُولَئِكَ جَزَاؤُهُمْ مَغْفِرَةٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَجَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَنِعْمَ أَجْرُ الْعَامِلِينَ (136)﴾ (آل عمران).

 

ويقول الرسول صلى الله عليه وسلم: "إذا أقبل رمضان فتحت أبواب الجنة، وأغلقت أبواب النار، وصفدت الشياطين، ونادى منادٍ من قبل الحق تبارك وتعالى: يا باغي الشر أقصر ويا باغي الخير هلم".

 

لماذا كان الشوق إلى رمضان؟!

يهل رمضان علينا بعد أيام، ونحن أكثر شوقًا إليه من أعوام كثيرة سبقت.. لماذا؟!
لأن الدعوة الإسلامية والعاملين لها والحاملين لواءها الذين يريدون إقامة الإسلام واقعًا حيًّا في حياتهم وحياة المسلمين في كل مكان،ويغيرون به واقعهم إلى واقعٍ آخر، يرضي فيه الله عزَّ وجلَّ عنهم، فيقيمون شرعه، ويحكمون كتابه، ويطهرون الأرض والنفوس من عوالق الفساد والانحلال والانحراف والضلال، هؤلاء جميعًا ومعهم كل من يتخذ الإسلام منهجًا للإصلاح، يواجهون تحديات عاتية، وعداوات رهيبة، وحملات إعلامية يخدمها أقلام وأفكار وآراء، وتحليلات وإيحاءات وإيماءات كلها تصدر عن نفوس تكره الإسلام؛ إما عن جهلٍ به، أو عن سوء فهم له، وكلها في النهاية تصبُّ في مصلحة التيارات العلمانية أو الماركسية اليسارية، أو الليبرالية التي تتحكم فيها كلها أطماع الصهيوأمريكية التي تسعى إلى تنحية قيم ومبادئ وأخلاق الإسلام جانبًا، ولا ينافسها في تحكمها وسيطرتها على مقاليد الأمور وإدارة شئون العالم كله أحد ولا مبدأ ولا قيمة، فتصبح لها الهيمنة والغلبة في سائر مجالات الحياة.

 

ولعل أبرز هذه الممارسات العجيبة:

1- الحملات الإعلامية والأمنية التي تنامت في الشهور الأخيرة، وخاصةً منذ أن باءت بالفشل محاولة العدو الصهيوني غزو غزة، وكسر إرادة حماس المجاهدة الصابرة.

 

2- زيادة عدد القضايا التي جرى حبكها وإتقان الدعاية لها، وكلها تلتقي في هدف واحد؛ وهو تجريم مد يد العون "اللوجستي" وفتح قنوات الإغاثة، وفك الحصار الظالم عن أهل غزة، واعتبار ذلك- بمنطق أعوج- جريمة يحاكم فاعلها ويعاقب مرتكبها، فلمصلحة مَنْ هذه القسوة على أهل غزة المحاصرة؟!

 

3- وضع العراقيل وافتعال المواقف التي تعطل إنهاء الخصومة بين الفرقاء الفلسطينيين، أو إيجاد نوع من المقاربة والمصالحة؛ سعيًا لتحقيق المصلحة العليا لفلسطين القضية، والموقف والمصير، إذ لا شك أن التقاء القلوب، وتوحد الإرادات، والوصول إلى القواسم المشتركة، كل هذا وما إليه لا يرضي بالضرورة أطماع الصهاينة، ومن يدور في فلكهم من هنا أو هناك، وما أكثرهم.

 

4- ويلوح في الأفق الآن، ومنذ زيارة الرئيس الأمريكي "أوباما" للمنطقة، وفي القلب منها القاهرة أن هناك حلولاً جاهزة، يتم على أثرها إنهاء القضية بحلول أغلبها في خدمة التمكين للعدو الصهيوني في الأرض التي اغتصبها؛ القديمة والجديدة، والتأكيد على يهودية الصهاينة، وطرد عرب فلسطين أصحاب الأرض الحقيقيين من ديارهم، مع منع أو الحيلولة دون عودة اللاجئين، وكذلك اعتبار القدس عاصمة أبدية لهذا الكيان الغاصب المجرم.

 

5- اختزال الصراع في قضية فلسطين؛ لينحصر في نقطة غاية في التفاهة، وهامشية إلى أبعد حد، ويصبح غاية المراد وهدف الأهداف هو إيقاف الاستيطان السرطاني في أرض فلسطين، وهذا منتهى الاستخفاف بعقول العرب والمسلمين، وحتى هذا الأمر لا يقبله الكيان الصهيوني ولا يرضى به، وتشن الحملات، ويتحرك اللوبي اليهودي هناك في أمريكا للضغط وعدم تمريره، وهذا حقيقة مسرحية هزلية إذ أن قضية القضايا؛ هو وجود الكيان نفسه، منذ وعد بلفور عام 1917م، "بعد ما أعطى من لا يملك لمن لا يستحق"، وبدلاً من الحلول الجادة التي يجب أن تتبناها الإدارة الجديدة في أمريكا، والتي تقوم على إقرار الإرادة الدولية بعدم استفادة المحتل من احتلاله، وضرورة جلائه عن الأرض التي اغتصبها، وأقلها كما هو واضح في المواثيق الدولية عودته إلى حدود ما قبل 1967م.

 

6- وهنا في الداخل، في مصر يتعرَّض الإخوان لحملة ظالمة في مجاليها الإعلامي والأمني.

 

ففي الجانب الإعلامي نرى أن الحملة في هذه المرة تكاد تكون منظمة ودقيقة، وتصدر عن تدبير محكم وعقل شيطاني مخطط؛ بحيث يشتمل على كل جوانب الآلة الإعلامية فلا يقتصر على الصحافة، وإنما يتناول في حملته الوسائل الأخرى المتعددة، ويوظف لهذه المهمة- مهمة تشويه صورة الإخوان- كثيرًا من الكتاب والعاملين في هذه المجالات كلها وما أكثرها؛ خاصةً مَن يلهثون وراء "ذهب المعز" أو يرهبون "سيفه".

 

وينسى هؤلاء جميعًا "المخططون والمنفذون" أن الإخوان في ربوع مصر تيار فكريٌّ عقيدي متشابك في نسيج المجتمع، متوحد مع الناس يعيش معهم، ويتفاعل مع قضاياهم، ويتأثر بآلامهم، ويهفو لتحقيق آمالهم وهم في حركتهم مع الناس يرن في وجدانهم هتاف الإمام المؤسس "أنتم روح جديدة تسري في الأمة فتحييها بالقرآن"، ومن هنا نؤكد أن هذه الحملة وما تستهدفه من تشويه وإيذاء للمؤمنين إنما تؤدي بإذن الله إلى عكس المطلوب إذ يكذبها ما يلمسه الناس في الحقيقة من صدق في التعامل مع أفراد الإخوان، وطهارة في أيديهم وإخلاص في أعمالهم وخدماتهم للغير، وتجرد من الأهواء والأغراض في كل ما يقومون به.

 

أما في الجانب الأمني من الهجمة الشرسة على الإخوان، وما أصبحنا نعيش في السنوات الأخيرة من اعتقالات وبطش وتنكيل بالأبرياء، وقطع للأرزاق، ومصادرة للأموال وتخريب للممتلكات، وتلفيق للقضايا التي لا تدور إلا في أذهان مؤلفيها؛ كل ذلك وأكثر منه أصبح من مفردات الحياة اليومية التي يعيشها أصحاب الدعوة أو التيار الإسلامي الذي يستهدف إصلاح حال الأمة، وإعلاء شأنها وإنقاذها من عوامل القهر والاستبداد والفساد.

 

ما المطلوب إذن؟!

أمام هذه التحديات وهذه العقبات في طريق الدعوة، وانتهازًا لفرصة إقبال هذا الشهر الكريم بعد أيام قليلة علينا أن نقوم بالآتي من أعمال البر والخير والطهر:

1- أن نحسن الصلة بالله عزَّ وجلَّ، ونستمد منه القوة والنصرة والثبات والتأييد.

 

2- أن نقبل على القرآن الكريم تلاوة وتدبرًا وحفظًا وفهمًا وتفسيرًا، معيةً ومصاحبةً؛ فهو العدة للمؤمنين، والهادي إلى الصراط المستقيم، وبه ستكون النجاة والإنقاذ، وتتحطم عليه سهام الخصوم وأسلحة المتربصين.

 

3- في رمضان يخلو المسلم إلى نفسه، ويتخلص من جلبة الحياة في أوقات كثيرة من النهار والليل يتجرد من مطالب المادة ولوازم الشهوات، وتسبح نفسه في عالم من الجمال والأنس والروعة والبهجة والطهر.

 

4- وفيه فرصة عظيمة لإعادة شحن النفس والروح بطاقة إيمانية قوية ودافعة للحركة الدءوب، وبنهج واضح مستنير، وبشمولية الدعوة، ووسطية المنهج.

 

5- الإكثار من التسبيح والتحميد والاستغفار والدعاء، فالله عزَّ وجلَّ لا يرد من دعاه، فكيف إذا كان الدعاء يصدر عن مظلوم؟!

 

فدعوته إذن لا يردها الله عزَّ وجلَّ، فاللهم فرِّج عنا ما نزل بنا، وفرِّج كرب المسجونين، وقرِّب يوم خروجهم، ثم فرِّج اللهم كرب فلسطين والمسجد الأقصى الأسير وسائر بلاد المسلمين.

 

6- تعميق الأخوة، وإشاعة الحب، وتوحيد القلوب، وترك التنازع والمشاحنة، وتوحيد الصف والثقة في المنهج والطريق، وتسديد القيادة والنصح لها والثقة المطلقة في وعد الله ونصره وتأييده... وكل عام وأنتم بخير.