‏- وفاة 5‏ ملايين مواطن بسبب تلوث المياه واختلاطها بالصرف

- 22‏ مليون فاتورة كهرباء يخضع معظمها للتقييم العشوائي

- د. زينب عوض الله: رفع سعر السلعتين يشعل باقي الأسعار

- د. سلطان أبو علي: مطلوب تشديد الرقابة على الشركات

 

‏تحقيق- صالح الدمرداش:

الشركات الثلاث الكبرى (المياه- الكهرباء- الاتصالات) ثلاثية باتت تُشكِّل مثلث الرعب للمواطن المصري الذي أصبح مجرد ذكر اسم "فواتيرها" يُصاب بحالةٍ من الترقب والخوف من قيمتها، فضلاً عن الزيادات التي يُفاجأ بها على حين غفلة.

 

الشركات الثلاث ممتلكات كاملة للحكومة المصرية، ولكنها تسلطت على المواطن، وأصبحت كالابن العاق لمعظم المواطنين‏,‏ ووجدت نفسها فوق محاسبة قانون المنافسة ومنع الاحتكار.

 

والسؤال الذي يطرح نفسه هو: إذا كنا نتبنى اقتصاد السوق القائم على حرية المنافسة وتجريم الاحتكار‏, فلماذا يوجد هذا الوضع الاحتكاري لشركات تقدم خدمات أساسية مثل هذه الشركات؟ ولماذا نفضت الحكومة يدها لتفرض هذه الشركات سطوتها وسيطرتها على المواطنين الذين أبدى الكثيرون منهم عدم اعتراضهم على الزيادة- إن كانت ولا بد- ولكن بشرط أن تتوافق مع هذه الزيادات خدمات أخرى ومميزات تستحقها‏,‏ ولكن وفقًا لما هو واقع فإن الأحداث تُشير إلى تردي خدمات هذه الشركات، رغم هذه الزيادات‏..‏

 

شركة المياه- والتي كانت من قبل تُسمى الهيئة القومية لمياه الشرب والصرف الصحي..‏ خصصت الحكومة من أجل الارتقاء بخدماتها 5‏ مليارات جنيه في خطتها الخمسية السابقة‏,‏ رغم تأكيد مصادر مسئولة بأن هذا المبلغ- رغم ضخامته- لا يستطيع أن يصلح تلك الشبكات المهترئة في المياه والصرف الصحي، فضلاً عن عدم قدرته على توصيل المياه للمناطق المحرومة‏.‏

 

ورغم أن الرئيس مبارك كلَّف بصورةٍ مباشرةٍ وزارتي المالية والاستثمار بتدبير مبلغ 20‏ مليار جنيه في إطار برنامجه الانتخابي لتوفير مياه الشرب وشبكات الصرف الصحي بالمحافظات والقرى المحرومة‏، إلا أنه وبعد مرور أكثر من عام، ورغم تعهُّد الحكومة بأن المشروعات ستجد طريقها في بداية صيف عام 2006م فإنه وإلى الآن لم يتم هذا الإصلاح‏, ولا أدل على ذلك من تلك الأزمات التي تحدث كل صيف كما حدث في مدينة نصر في الصيف الماضي‏,‏ وما حدث في بورسعيد في الأيام القليلة الماضية؛ حيث انقطعت المياه في ذلك الجو الملتهب من حرارة الصيف عن نحو 600 ألف نسمة لأكثر من ثلاثة أيامٍ متصلة لفشل محاولة إصلاح الماسورة الرئيسية المغذية أكثر من مرة؛ مما أطال أمد الأزمة.

 

وقد كشف الدكتور نصر السيد مساعد وزير الصحة للشئون الوقائية أخيرًا عن نتائج التقصي الوبائي الذي قامت به وزارة الصحة، بعد ملاحظة زيادة أعداد حالات الإصابة بالتيفود عن المعدل الطبيعي لها بمستشفى حميات قليوب؛ حيث بلغت‏ 58‏ حالة إصابة‏.‏

 

وجاءت النتائج لتؤكد أن السبب في هذه الإصابة إنما يرجع إلى أن شبكة المياه بقرية البرادعة التي ظهرت فيها هذه الحالات بها بعض الكسور أدَّت مع طفح الصرف الصحي‏,‏ إلى اختلاط مياه الشرب بالصرف الصحي، وهو ما أدَّى إلى هذه الإصابات.

 

تقارير عالمية

ولعل الصورة تكون أكثر وضوحًا، بل أكثر قتامةً إذا استعرضنا تقرير منظمة الأمم المتحدة لهذا العام، والذي جاء فيه أن مشكلة المياه في الدول النامية، ومن بينها مصر تتفاقم، خاصةً فيما يمسُّ مياه الشرب المتاحة؛ حيث تعدَّى مستوى التلوث فيها المعدلات المسموح بها‏,‏ ففي مصر تراجعت إلى حدِّ كبير معايير الحفاظ على البيئة، وتزايدت بدورها معدلات الإصابة بالفشل الكلوي وأمراض الكبد، حتى وصلت إلى نسبةٍ مخيفةٍ بسبب تلوث مياه النيل التي تعدُّ المصدر الرئيسي للمياه.

 

وحدَّد التقرير الذي اعتمد على دراساتٍ موثقةٍ في هذا الشأن أن حجم المخلفات الصناعية في مصر، والتي تُلقى بنهر النيل قُدِّرت بـ500‏ مليون متر مكعب في العام‏,‏ بواقع 227 مليون متر مكعب مخلفات سائلةً من الصناعات الغذائية القائمة‏,‏ تليها المخلفات الكيماوية بمقدار 98‏ مليونًا والنسيج 88‏ مليونًا‏,‏ ثم الصناعات المعدنية 60‏ مليونًا‏,‏ أما الباقي فمن صناعات كثيرة أخرى، وكلها مخلفات تلقى في النيل دون معالجة.

 

وتؤكد الدراسات البيئية أن‏ 57% من المخلفات السائلة تجد طريقها إلى النيل والترع، وهذا غير المصدر الكبير الآخر للتلوث، والذي يتمثل في التلوث الزراعي؛ حيث بلغت كمية المياه الملقاة في النيل من مياه الصرف الزراعي المحملة بالمبيدات 2.5‏ مليار متر مكعب سنويًّا‏,‏ وهي محملة بالمبيدات الزراعية القاتلة‏؛‏ حيث يوجد 73‏ مصبًّا للصرف الزراعي تؤدي إلى تلوث كيماوي وبيولوجي وزراعي وحراري‏,‏ خاصةً أن هناك بعضَ المبيدات المحظورة دوليًّا مثل (‏d.d.t)‏ ما زالت تستخدم في مصر إلى الآن تجد طريقها إلى نهر النيل ضمن هذه الملوثات.

 

وتشير تلك الدراسات أيضًا إلى أن 80% من المبيدات المستعملة في مصر تتسرب إلى مياه النيل، و20% إلى الطعام‏,‏ وتكتمل الصورة إذا علمنا أن مصر تستورد 50 ألف طن مبيد سنويًّا.

 

وتحت عنوان: "ثورة العطش على ضفاف النيل" خرج تقرير المنظمة المصرية لحقوق الإنسان ليؤكد أن أزمةَ مياه الشرب سوف تتفاقم يومًا بعد يومٍ؛ بسبب غياب التخطيط الحكومي للاستفادة من موارد مصر المائية‏.‏

 

وحذَّر التقريرُ الحكومةَ من التراخي في وضع خططٍ مستقبليةٍ تتناسب مع عدد السكان المتوقع عام 2020م، والذي سوف يبلغ 100 مليون نسمة.

 

وحذَّر كذلك من عدم جود إجراءات رادعة لمسببي التلوث‏,‏ ورصد أن كمية الإهدار بسبب هذا التلوث بلغت 30% من المياه.

 

 الصورة غير متاحة

د. محمود أبو زيد

وركَّز التقريرُ على تصريحاتٍ د‏.‏ محمود أبو زيد وزير الموارد المائية والري السابق، والتي أوردها في احتفالية يوم المياه العالمي بأن هناك 5‏ ملايين شخص توفوا بسبب تلوث المياه.

 

ورصد التقرير أن حوالي 12% من سكان المدن في الأحياء العشوائية الفقيرة يعيشون بدون مياه نقية، وهم يُقدَّرون بحوالي‏ 9‏ ملايين شخص.

 

وأكد التقرير أنه لا توجد شبكات للصرف الصحي في الريف، وما زال مرحاض الحفرة "الطرنش" هو الوسيلة الأساسية المستخدمة للتخلص من المخلفات الآدمية، وأن هناك ما يربو على ‏4500‏ قرية بدون صرف صحي‏,‏ وهي نسبة تتجاوز نصف عدد القرى في مصر، والتي يبلغ عددها إجماليًّا 7‏ آلاف قرية‏,‏ ومأساة ذلك أن هذه القرى جميعًا تُلقي بمخلفاتها من الطرنشات في المجاري المائية وتختلط بمياه الشرب، والنتيجة أن 38‏ مليون مواطن يشربون المياه مخلوطةً بمياه الصرف الصحي، وما تحتويه من مواد عضوية تؤدي إلى تكون بؤر مرضية وملوثات حشرية‏,‏ وحدَّد التقرير أن 76% من مياه القرى مخلوطة بالصرف الصحي‏,‏ وأن‏ 25% من مرضى المستشفيات يرجع بسبب مرضهم إلى تلوث المياه.

 

وأوضح التقرير أن مرفقَ مياه القاهرة الكبرى ينتج 6‏ ملايين متر مكعب من المياه يوميًّا تتكلف 3‏ ملايين جنيه‏,‏ وتكلف الدولة مليار جنيه سنويًّا‏,‏ ورغم هذه الإنفاقات فإن المياه غير صالحة للاستخدام الآدمي‏.‏

 

وعرض التقرير أن هناك 5‏ مليارات متر مكعب من مياه الصرف الصحي لا تتم الاستفادة منها، وأن تكلفة تحلية المتر من مياه البحر هبطت إلى 3 دولارات، ولكن لا تستفيد مصر من هذا‏.‏

 

ويرى تقرير المنظمة حلاًّ لهذا الوضع المتأزم، والذي سوف يتفاقم إذا لم يتداركه المسئولون بأن الدولةَ يجب أن تتحمل مسئوليتها باعتبارها الضامن الوحيد لحقوق المواطنين، وهي المسئولة عن تمتع جميع المواطن على حدٍّ سواء بحقوقهم؛ احترامًا لما ورد بالدستور المصري والمواثيق الدولية المهتمة بحقوق الإنسان، باعتبارها واجبةَ النفاذ قانونًا، كما ورد بالمادة 151 ‏من الدستور.

 

وأخيرًا كشف تقريرٌ حكوميٌّ حديثٌ صادرٌ عن وزارة البيئة عن وصول تلوث مياه الشرب إلى ما يُسمى مراحل معقدة يصعب مواجهتها‏,‏ وكشف عن أن تعدد الجهات المشاركة في إدارة الموارد المائية أدَّى إلى عرقلة حل المشكلة‏,‏ وذكر التقرير السنوي للوزارة، والذي أعلنه المهندس ماجد جورج وزير البيئة خلال الاحتفال بيوم البيئة العالمي هذا العام أن مصدرَ المياه الرئيسي في مصر، وهو نهر النيل عانى كثيرًا من التلوث، ولا يزال يعاني حتى الآن نتيجة التلوث الناتج عن الصرف المباشر وغير المباشرة للمنشآت الصناعية، وكذلك للصرف الصحي للقرى والمدن الواقعة على تلك المجاري.

 

وهنا ثارت أسئلة عديدة: أين تلك الاعتمادات المالية الضخمة؟ وأين الوعود لحل تلك الأزمة التي تتكرر كل صيف؟ ومتى تقوم الشركة بجعل المواطنين يشعرون بأن لهم الحقَّ في شرب كوب ماء نظيف؟‏!

 

ثم متى تقوم شركة المياه بتطوير نظم محطات المياه والصرف الصحي لتتواكب مع النظم العالمية الحديثة؟ وهل أعدت خطةً قوميةً استثمرت فيها الأموال المخصصة لإعمال الإحلال والتجديد للمحطات القائمة، وخطة أخرى لمعالجة مياه الشرب‏؟!‏ وهل راعت حل مشكلة عدم تطبيق الأسس الفنية في تركيب الشبكات‏, وهي النقطة التي أهملتها الشركة؛ مما أدَّى إلى زيادة نسبة التسرب في شبكات المياه إلى نحو 50%، والذي بدوره يؤدي إلى فقد 40%‏ من القدرة الإنتاجية لمياه الشرب، كما جاء في تقرير المنظمة المصرية لحقوق الإنسان‏.‏

 

وبعد أن تحوَّلت إلى شركة فمن المفترض أن تُدار بفكرٍ حر من عوائق البيروقراطية.. فهل تقوم بعمل خرائط تفصيلية لشبكات المياه والصرف الصحي توضع عليها جميع البيانات مع تقسيم الشبكات إلى قطاعات وإدخال نظام الميكنة الإلكترونية؛ حتى يتم التحكم في كلِّ قطاع بطريقة إلكترونية، وهو ما من شأنه سرعة إصلاح الأعطال، وتخفيض فاقد الشبكات التي تُكلِّف الدولةَ أموالاً مهدرةً كان يمكن أن تواجه في أوجٍ أخرى‏.

 

ثم متى يعمم الأخذ بنظام عدادات المياه؛ حتى يرتبط السعر بالاستهلاك الفعلي، وهذا بدوره ينعكس على استهلاك الأفراد الذين يضطرون لعدم ضبط معدل الاستهلاك حتى وصل إلى 400‏‏ لتر يوميًّا للفرد، في حين أن المعدلات العالمية ‏200‏ لتر فقط، وتقديرنا أنَّ هذا الإسراف إنما يرجع إلى شعور المواطن بالعنت من التقدير الجزافي في فاتورة المياه‏.

 

ويأتي السؤال الأخير: هل الاحتكار في شركة المياه يبيح لها أن تذبح المواطن بأسعارها الجزافية وزيادتها التي لا بد من أن يرضخ لها المواطن بموجب الإذعان الذي تمارسه الشركة؛ حيث إنها المقدم الوحيد لهذه الخدمة، ثم أين دور مجلس الشعب المنوط به محاسبة هذه الشركات عند فرضها أية زيادة تطرأ على المواطن دون مبرر من تطوير خدمة أو مميزات تستحق هذه الزيادة؟

 

كهربة المواطن

وتتجلى مظاهر الاحتكار والإذعان في أوضحِ صورها عند التعامل مع شركة الكهرباء لإطلاق يدها لترفع الأسعار كيفما شاءت لتحقيق الأرباح الطائلة‏,‏ ولعل هذا ما دفع محمد فريد خميس رئيس لجنة الصناعة بمجلس الشورى ليعلن أننا وفي ظلِّ نظام الرأسمالية أصبحنا في غابةٍ يأكل القوي فيها الضعيف في ظلِّ غياب حكومة قوية تتصدى لمثل هذه الممارسات التي تقوم بها شركة الكهرباء من فرض زيادة سنوية في أسعار الاستهلاك المنزلي للكهرباء وعدم ضبط فواتير الاستهلاك.

 

والوزارة تصدر 22‏ مليون فاتورة شهريًّا تغطي الجمهورية، يخضع الكثير منها للتقدير الجزافي، ولعل الشاهد في ذلك تلك الشكاوى التي تشعر بأنه ليس هناك بيت ليس فيه منها نصيب‏,‏ وقد أعلنت شركة الكهرباء منذ عام ‏2004‏م أنها ستزيد الأسعار بنسبة 5% ولمدة 5‏ سنوات، وهي خطة خمسية للزيادة دون ذكر ما يقابلها من تحسين‏,‏ على ألا تمس هذه الزيادة للشرائح الأولى التي تتعلق بمحدودي الدخل، وبمزيدٍ من الدقة فهي تتعلق بمعدومي الدخل الذي لا يملكون ثلاجة، ولا تليفزيون، ولا حتى مروحة تقيهم حرارة الجو؛ لأنها للشريحة التي لا يزيد استهلاكها على‏ 50‏ كيلو وات.

 

شكاوى بالجملة

ولعل الحادثة الأخيرة الخاصة بانقطاع التيار عن صعيد مصر في محافظات أسوان وقنا وسوهاج وأسيوط والبحر الأحمر لحدوث عطل في إحدى المحطات المائية لتوليد الكهرباء بالسد العالي غير بعيدة عن الأذهان؛ فإنها تشير بوضوح إلى سيناريو شديد القتامة يتعلق بالإهمال الجسيم من قِبل الشركة لأعمال الصيانة الدورية.

 

 الصورة غير متاحة

تطوير المحطات المائية بالسد ينفي مبررات ضعف الاعتمادات

ولعل ما لا يعرفه الكثيرون أنه تم اتفاق ما يزيد على ‏80‏ مليون يورو على تطوير المحطات المائية بالسد العالي‏,‏ وهو ما ينفي أي مبررٍ من ضعف الاعتمادات المالية لعلمية الصيانة إنما هو الإهمال والفوضى في الصيانة اللذان تسببا في انقطاع التيار الكهربائي عن خمس الجمهورية.

 

وليس ببعيد أيضًا ما فعلته شركة الكهرباء من قطع التيار الكهربائي عن مكتب محافظ القاهرة، وهو ما يوحي بأن هذه الشركة ليس هناك حد لردعها ولا حتى مصلحة المواطنين التي تتعطل من جرَّاء قطع التيار عن مكاتب المحافظة، ولعلها رسالة هدفها إرهاب المواطنين وإجبارهم على دفع فواتير الكهرباء التي يُضاف إليها رسوم النظافة صاغرين، رغم أحكام القضاء التي قضت بعدم دستورية تحصيل أي رسوم أخرى على فاتورة الكهرباء‏.‏

 

وإذا فتحنا باب الشكاوى للمواطنين فمن المؤكد أن المساحة المخصصة للنشر لن يكفيها آلاف الصفحات، خاصةً فيما يتعلق بالتقدير الجزافي، والذي يثبته التفاوت الكبير في الأرقام المطلوب دفعها، رغم ثبات الاستهلاك، علاوةً على سوء الخدمة المتمثل في اضطراب تردد التيار الكهربائي‏,‏ والذي ينتج عنه احتراق آلاف الأجهزة في ثوانٍ إذا تمَّ على مساحة كبيرة‏,‏ وهو ما يشكو منه أهل القرى خاصة، وبعض مناطق في المدن‏.

 

وقد أورد جهاز مرفق الكهرباء وحماية المستهلك ورقةً، أوضحت أن سوق الكهرباء الحالية تعمل بنظام المشتري الوحيد؛‏ حيث تتولى الشركة المصرية لنقل الكهرباء- وهي الشركة الوحيدة المرخص لها بالنقل على الجهود الفائقة والعالية- شراء الطاقة الكهربائية من شركات الإنتاج، وبيعها لشركات التوزيع، وعددها 9‏ شركات، بالإضافةِ إلى كبار المشتركين على الجهدين الفائق والعالي، والبالغ عددهم‏ 81 مشتركًا‏,‏ وتتولى شركات التوزيع المملوكة للدولة ببيع الكهرباء للمشتركين على الجهود المتوسطة والمنخفضة، وعددهم حوالي 22‏ مليون مشترك، إلا أنه توجد 7‏ شركات توزيع خاصة، ولكن مساهمتها في السوق لا تتجاوز 1%، ولعل هذا يشير إلى تكريس الوضع الاحتكاري للشركة.

 

ولعل أخطر ما جاء في الورقة حلاًّ لهذا الوضع الاحتكاري أن هناك مرحلةً انتقاليةً مدتها 10‏ سنواتٍ؛ للوصول إلى سوق حرة للكهرباء تعتمد على التنافسية من خلال ثلاث مراحل مدة كل منها 3‏ سنوات، على أن تبدأ المرحلة الأولى عام 2011م، وسيسمح للشركات والمصانع التي تستهلك فوق 20‏ ميجاوات، بالتعاقد مع المنتجين سواء شركات حكومية أو شركات خاصة، إلى أن تصل بالمرحلة الرابعة والأخيرة بعد تقييم المراحل الثلاث السابقة بالسماح للمنازل بحرية اختيار مورد الخدمة؛ سواء من خلال منتج من شركة خاصة أو شركة حكومية‏,‏ وهذا النظام هو المعمول به في الاتحاد الأوروبي، ولا ينبغي لنا إلا أن نقول‏:‏ أفلح إن صدق‏..‏ وإنا لمنتظرون‏.‏

 

فوق القانون

الدكتورة زينب عوض الله رئيسة قسم الاقتصاد بجامعة الإسكندرية، ورئيسة الجمعية القومية لحماية المستهلك، تقول: إن الدولة حوَّلت إدارة الكهرباء والمياه في مصر إلى إدارة شركتين تُمارسان ما يُسمَّى في علم الاقتصاد بالاحتكار الكامل؛ لأنهما شركتان تعملان دون منافسة بعيدًا عن الاحتكار الطبيعي، وهو ما يوجب أن تراقب إدارته بواسطة إشرافٍ حكومي له السلطة في المحاسبة إذا قصَّرت إحداهما أو خرجت عن الأهداف التي أُنشئت من أجله‏,‏ وأن تحدد الأسعار وفقًا لقدرات المواطنين‏.

 

ولكن ما يحدث مخالفٌ تمامًا لصورة الاحتكار الطبيعي؛ حيث إنهما شركتان- المياه والكهرباء- تحولتا إلى شركتي قطاع أعمال، وتُدار وفقًا لقانون السوق، وتمارسان أوضاعًا احتكارية تنبع من النظر إلى تحقيق الأرباح من خلال إيرادات تسنهما الشركتان لا يقبل النقض أو المراجعة، وهو ما حوَّلهما من الاحتكار الطبيعي إلى الاحتكار الخاص‏.

 

وتضيف أن هذا الأمر تظهر خطورته في ضوء نقطتين مهمتين أولاهما‏:‏ أنه تم استثناء هاتين الشركتين من الخضوع لقانون تنظيم المنافسة ومنع الممارسات الاحتكارية‏.‏

 

ومن هنا أصبحتا فوق المساءلة القانونية، رغم ممارستهما الاحتكارية، وتعديهما على حقوق المواطنين من تقديرات جزافية تحمل صفة الإذعان‏.‏

 

والنقطة الثانية هي أن رفع السعر الذي تقوم به الشركتان لا يراعي محدودي الدخل، رغم بلوغ نسبتهم في مصر حوالي 80%‏، علاوةً على ذلك سوء الخدمة التي أُتخمت بها الجمعية القومية لحماية المستهلك‏.‏

 

وتُثير د‏.‏ زينب عوض الله نقطةً أخرى، وهي أن رفع سعر هاتين السلعتين تحديدًا يجر وراءه رفع أسعار السلع الأخرى لارتباط التصنيع بهما، وهو ما يحمل على المواطن في النهاية رفع أسعار هذه السلع‏,‏ أي يتحمل المواطن فاتورة رفع أسعار المياه والكهرباء مرتين؛ الأولى مباشرةً من الشركة على فاتورة الاستهلاك، والثانية من المنتج النهائي الذي يستهلكه هذا المواطن‏.‏

 

وتوضح أن الشركتين الآن أصبحتا تهدف إلى الربح دون منافس وبطريقة عشوائية دون نظام، وهو ما ينبغي أن يخضعهما لقانون المنافسة، ومنع الاحتكار، ولا ينبغي أن يكونا فوق المساءلة مع ضرورة اتخاذ الإجراءات السريعة لكسر هذا الاحتكار.

 

رقابة مشددة

 الصورة غير متاحة

د. سلطان أبو علي

ويوضح الدكتور سلطان أبو علي وزير الاقتصاد الأسبق‏:‏ بصورة عامة تاريخيًّا كانت المرافق العامة تعتبر من الاحتكارات الطبيعية التي تدار بواسطة الدولة، وهو أن تنتج السلعة بسعر تتحكم فيه دون منافس‏,‏ تتحكم فيه ضخامة الإنتاج الذي يعني وفق منحنى التكلفة الحدي سعرًا أقل، فكلما زاد الإنتاج قلَّت التكلفة إلى حدٍّ يُراعى فيه هامش ربح معين، وطبيعة هذا الإنتاج لا تصلح معه المنافسة؛ لأنها تحتاج إلى استثمارات وبنية أساسية ضخمة‏,‏ وقد حاولت أمريكا كسر ذلك مع قطاع السكك الحديدية، فسمحت لأكثر من شركة، وكانت النتيجة خسائر فادحة لكل الشركات فجعلها ذلك تتعهد لشركةٍ واحدةٍ؛ لتمارس هذا العمل وحدها تحت مسمى الاحتكار الطبيعي، غير أن هذا لا يُعمم في كل الأحوال، فهناك تطور تكنولوجي حديث يمكن أن يسمح بالمنافسة دون الحاجة إلى الاستثمارات والبنية الأساسية الضخمة‏.‏

 

ويرى د‏.‏ سلطان أهمية أن تُراقب الحكومة عمل هذه الشركات لتحديد أسعار تلك الشركات، في ضوء التكلفة والسماح بهامش ربح معقول لأجل الجوانب الاجتماعية.

 

ويشير إلى ضرورة العمل بمبدأ الدعم التبادلي الذي يعني أنه كلما قلَّ الاستهلاك قلَّ معه سعر الخدمة؛ لأن الطبقة المستهلكة الأقل هي الطبقة محدودة الدخل البعيدة عن الترف الاستهلاكي الذي يصاحبه كثرة الاستهلاك، وهو الذي يجب أن يعلو معه السعر، وتقوم به الطبقة الغنية‏,‏ وهي بذلك تدعم الطبقة الفقيرة.