- أحمد قورة: معونات البنك مرتبطة برضا "الكبار" المتحكِّمين فيه
- د. عادل رضوان: البنك يكيل بمكيالين في تعامله مع الدول العربية
- أحمد النجار: الحكومات ليس لديها إرادة لرفض شروطه المجحفة
- د. مصطفى النشرتي: سياسات البنك ضيَّعت موارد الاقتصاد المصري
- النائب علي لبن: البنك يستغل القروض لضرب التعليم القومي والديني
تحقيق- نور المصري:
"لمصلحة من يعمل البنك الدولي في مصر ومنطقة الشرق الأوسط"؟!.. سؤال كبير يطرح نفسه بقوة خلال هذه الأيام، خاصةً مع إعلان البنك الدولي على لسان وزير التنمية الإقليمية بالكيان الصهيوني تمويل مشروع قناة البحرين "المشبوه"، بينما كان قد رفض تمويل مشروع السد العالي في مصر، ووضع البنك شروطًا تعجيزيةً أمام مصر لقبول تمويل مشروع السد العالي؛ منها: أن تتعهَّد مصر بعدم إبرام أي اتفاقات مالية أو الحصول على أي قروض دون موافقة البنك الدولي، وكذلك أحقية البنك الدولي في مراجعة ميزانية مصر، ولمَّا رفضت مصر هذه الشروط رفض البنك والدول المتحكمة فيه آنذاك- الولايات المتحدة الأمريكية وإنجلترا- تمويل المشروع.
والبنك الدولي مؤسسة مالية دولية، يبلغ عدد الدول الأعضاء فيها 185 دولة، تصب مصالحها وآراؤها في مجلس المحافظين ومجلس الإدارة، ومقره واشنطن، وقد تمَّ الاتفاق على إنشائه مع صندوق النقد الدولي في مؤتمر دعت إليه هيئة الأمم المتحدة في بريتون وودز بالولايات المتحدة الأمريكية في يوليو 1944م، مع نهاية الحرب العالمية الثانية؛ حيث بدأ التفكير في إنشاء مؤسسات اقتصادية دولية؛ بهدف ضبط الاقتصاد العالمي والعمل على استقرار النظام النقدي الدولي، وإعادة بناء الاقتصادات التي دمَّرتها الحرب بواسطة قروض لتمويل مشاريع التنمية.. إلا أن الممارسة الفعلية لأعمال البنك الدولي أظهرت انحيازه الشديد لإقراضه بعض الدول وعدم إقراضه دولاً أخرى.
وهنا يمكن القول إن الحرب العالمية الثانية لم تؤدِّ فقط إلى نهاية العصر الاستعماري للإمبراطوريتين (بريطانيا- فرنسا) ولكنها أدَّت أيضًا إلى بزوغ نجم عصر استعماري جديد تقوده الإمبراطورية الأمريكية ويلعب فيه الاقتصاد الدور الأكبر بواسطة المؤسسات المالية الدولية، وينجز فيه ما لا تستطيع الجيوش أن تنجزه؛ حيث حلَّت المؤسسات المالية الدولية محلَّ الآلة العسكرية في العصر الاستعماري الجديد.
والمتابع لسياسة المشروعات التي ينفذها البنك ومؤسساته المالية يكتشف أن لها أهدافًا خفيةً تهدف إلى خدمة رؤوس الأموال الأجنيبة، وخدمة خبرائه الذين يقومون بالاستحواذ على ما يقدَّر بربع قيمة القروض بنسبة 28.6% من إجمالي قيمة هذه القروض، ولا تضع في اعتبارها المشروعات التي تخدم المواطن المصري البسيط الذي يعيش تحت مظلة من المشكلات كالفقر المدقع، وانخفاض معدلات الأجور وارتفاع معدلات البطالة؛ حيث أدَّى اشتراط البنك تحرير القطاع المالي للاقتراض إلى خصخصة بنوك القطاع العام، وضعف العملة الوطنية، ومعاناة المواطن المصري البسيط الذي أصبح لا يستطيع شراء شيء بالجنيه حاليًا، وعادت قروضه في مجال دعم الأمومة والطفولة بالوبال على الشعب المصري؛ حيث اشتراطات السعي لمزيد من التحرر للمرأة، طبعًا التحرر على الطريقة الغربية، ومحاربة الختان وإعطاء الحرية المطلقة للطفل دون أن يكون لوالديه الحق في معاقبته إذا أخطأ.. إلخ.
كما اشترط البنك مؤخرًا ليقرض الحكومة المصرية قرضًا بمبلغ 270 مليون دولار أن تخصخص مرفق السكة الحديد المصري، وذلك بتحويل هيئة السكك الحديدية إلى "هيئة تجارية"، تكون أولى خطواتها خصخصة قطارات الشحن وعملية نقل البضائع وفتح الأسواق أمام مشاركة الشركات ورجال الأعمال في تقديم خدمة النقل بالسكك الحديدية!.
(إخوان أون لاين) طرح السؤال على خبراء الاقتصاد والمتخصصين للإجابة عنه في سطور التحقيق التالي:
تمويل بغرض مشبوه
أحمد قورة

يؤكد أحمد قورة رئيس مجلس إدارة البنك الوطني المصري السابق أن عمل البنك الدولي يكون لصالح الكبار الذين يتحكَّمون فيه، نافيًا أن يكون لمعونات البنك الدولي أيُّ تأثير إيجابي في النهوض بالاقتصاد المصري.
ويضيف أن القروض التي يقدمها البنك تقتصر فقط على الحكومات دون البنوك والأفراد، وكلنا يعلم مدى الفساد الحكومي المستشري في إدارة القروض والمنح.
ويوضح أن معونات البنك ترتبط ارتباطًا كبيرًا بمدى رضا الولايات المتحدة الأمريكية عن حكومة الدولة طالبة هذه المعونة؛ مما يدلُّ على مدى التسييس التي تتسم به تلك المعونات، بالإضافة إلى التمويل المزاجي للمشروعات العربية والمصرية؛ حيث يموّل البنك ما يراه متفقًا من المشروعات مع سياسات الدول الكبرى المسيطرة عليه، ويرفض ما ليس متفقًا معها.
تجربة فاشلة
ويتفق معه د. عادل رضوان "خبير مصرفي" في عدم وجود تأثير إيجابي ملموس لِمِنَح وقروض البنك في الواقع الاقتصادي المصري، مشيرًا إلى أن سياسات البنك قد أخذت البلاد إلى مزيد من العسر الاقتصادي والأزمات.
وأكد أخذ هذه المعونات للصبغة السياسية، سواءٌ في اختيار المشروعات المستحقة للتمويل أو في الشروط الموضوعة للتمويل، وهو ما أكده رفض البنك تمويل مشروع السد العالي المصري، رغم إعلان استعداده تمويل مشروع قناة البحرين، والذي يعد الكيان الصهيوني أحد الشركاء الرئيسيين فيه.
ويشير رضوان إلى أن البنك الدولي ومؤسساته المالية قد بشر مصر بأن تحرير الأسواق سيحقق النمو فيها، وهو ما يعمل على تحسين أوضاع الفقراء على المدى البعيد، لكنَّ التجربة العملية- وبعد أكثر من ربع قرن من الزمان- أوضحت زيادة التدهور في توزيع الدخل وازدياد حدَّة الفقر وزيادة التفاوت في توزيع الدخول مرتبطًا بتفجر المديونية المحلية والخارجية وتفجر التضخم والبطالة وانهيار قيمة العملة الوطنية، وإغراق الأسواق بالسلع الترفيهية، وعجز المصانع المصرية عن المنافسة، وتعثر المشروعات، وهروب الاستثمار؛ حيث لا تزال التقارير تشير إلى أن مصر تتصدر قائمة الدول الأكثر اقتراضًا في منطقة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا.
ويأسف رضوان لاستمرار ثقة حكومات الشرق الأوسط، وعلى رأسها الحكومة المصرية، في سياسات وتوصيات البنك الدولي، على الرغم من أن التجربة أثبتت التأثيرات العكسية للاتباع الأعمى لهذه السياسات على عملية التنمية وحرية القرار السياسي.
ويؤكد رضوان ضرورة اعتماد الحكومة المصرية على إستراتيجية حقيقية لإحداث تنمية اقتصادية في البلاد، بدلاً من الاعتماد على قروض البنك المشروطة، غير أنه أكد عدم حدوث أي تنمية اقتصادية في مصر في ظل استمرار وجود ديكتاتوريات سياسية وانعدام مناخ الحريات.
سوء إدارة
أحمد السيد النجار

ويرى أحمد السيد النجار الخبير الاقتصادي بمركز الدراسات السياسية والإستراتيجية بالأهرام أن لسياسات البنك الدولي في مصر إيجابياتٍ؛ حيث يُسهم في تمويل العديد من المشروعات، وسلبيات تتمثل في فرض بعض الشروط المجحفة على الدول المقترضة، إلا أنه رأى أن المشكلة الكبرى تكمن في الفساد وسوء الإدارة الموجودة في الحكومات المصرية المتعاقبة.
ويشير إلى أحد نماذج ضغط المؤسسات الدولية المانحة على مصر، وهو تبنِّي سياسة الخصخصة، على الرغم من انعدام المبرِّرات الموضوعية للتبني المصري لها؛ حيث إنها تعتبر من أقل بلدان العالم في معدل الادخار، وبالتالي في وفرة رؤوس الأموال، بما كان يفرض على الحكومة المصرية ضرورة إعادة النظر في هذه السياسة على ضوء الظروف الاقتصادية والاجتماعية في مصر وليس على ضوء ما يطلبه صندوق النقد الدولي والدول الدائنة لمصر, أو لإقناعهم بضرورة المضي في التيار مع إرادة الولايات المتحدة وصندوق النقد الدولي، حتى لو كان ذلك في غير مصلحة الاقتصاد المصري, كثمن للحصول على قروض جديدة.
ويوضح النجار أن المشكلة لدينا تكمن في غياب الشفافية والديمقراطية الحقيقية فيما يتعلق بالأعمال العامة للدولة، وهو ما يؤدي إلى انتشار الفساد؛ مشيرًا إلى أن النظم الديمقراطية توفر آلية لمنع الفساد؛ حيث تكون هناك جهة رقابية خارج سيطرة السلطة التنفيذية تستطيع محاسبة المسئولين الحكوميين عن أية تجاوزات مالية وإدارية.
ويضيف النجار، قائلاً: إذا كان قبول مصر بالتركيز على خصخصة القطاع العام بدلاً من التركيز على إصلاحه وتطويره وتحسين أدائه والعائد منه وإخضاعه للرقابة الشعبية الحقيقية لضمان عدم انتشار الفساد فيه قد تم في ظروف ضاغطة تتعلق بأزمة الديون والتباطؤ الاقتصادي في نهاية الثمانينيات وبداية التسعينيات من القرن العشرين؛ فإن الوضع الاقتصادي الراهن في مصر بعد خصخصة جانب كبير من القطاع العام يقتضي إعادة النظر في عملية الخصخصة على ضوء أثرها في الاقتصاد المصري، وبالتالي فإن هناك ضرورةً لتغيير المنطق الذي حكم برنامج الخصخصة المصري والمتمثل في نزع ملكية الدولة والشعب للمشروعات العامة لصالح بيعها للقطاع الخاص المحلي والأجنبي لمجرد البيع وتقليص دور الدولة في الاقتصاد، وهو النموذج الذي تروِّج له الولايات المتحدة الأمريكية وصندوق النقد الدولي، ويحاولان فرضه على الدول المدينة التي تحتاج لإعادة جدولة ديونها أو للمزيد من الاقتراض.
وأشار إلى أن هذا المنطق لا يراعي الطبيعة الإستراتيجية لبعض المشروعات ولا يحصل للدولة والشعب على مقابل عادل للشركات التي يتم بيعها، ولا يأخذ في اعتباره عند بيع الشركات العالية الربحية أنها مموّل دائم لمالية الدولة، وأن بيعها سوف يؤثر سلبيًّا في الإيرادات العامة، وبالتالي على قدرة الدولة على تمويل الإنفاق العام الضروري، كما أن منطق الخصخصة لا يراعي ضرورة الحفاظ على بعض الصناعات الإستراتيجية بعيدًا عن أيدي الأجانب، كما لا يراعي مطلقًا أن مصر كدولة تواجه تحديات خارجية كبيرة متمثلة في وجود دولة معادية على الحدود هي "إسرائيل"، فضلاً عن تحديات التنمية والتحديث في الداخل، تكون مضطرةً للقيام بدورٍ مهمٍّ في الاقتصاد حتى تكون لديها القدرة على مواجهة التحديات الداخلية والخارجية، مع فتح المجال أمام القطاع الخاص للعمل والاستثمار في جميع المجالات.
معايير مزدوجة
ويؤكد الدكتور مصطفى النشرتي أستاذ اﻻقتصاد بجامعة مصر الدولية للعلوم والتكنولوجيا أن البنك الدولي هو مؤسسة دولية تحركها الدول الكبرى حسب مصالحها.
ويوضح النشرتي أن البنك يتعامل بمعايير مزدوجة مع الدول العربية؛ حيث يضع عند تمويله لمشروعات هذه الدول شروطًا تعجيزيةً تمسُّ سيادتها وقرارها السياسي.
وحمَّل النشرتي البنك المسئولية عن وصول مصر إلى هذا الوضع السيِّئ من تأسُّد رجال الأعمال على المواطنين واحتكارهم للسلع الرئيسية؛ لضغطه على الحكومة المصرية لإسراع وتيرة تنفيذ برنامج الخصخصة، والذي طال صناعات إستراتيجية.
واتهم البنك بعدم احترام خصوصيات الدول الأخرى، وسعيه إلى تطبيق نماذج غربية مشبوهة في الدول العربية، بصرف النظر عن ملاءمة هذه النماذج لظروف هذه الدول أم لا، مشيرًا إلى أن البنك يستخدم أوراق الضغط على حكومات هذه الدول لتنفيذ ما يطلبه، بصرف النظر عن عواقب التنفيذ على الوضع الاقتصادي لهذه الدول وتأثيره في سلَّمها الاجتماعي.
وتساءل النشرتي: ما الذي جنته مصر من سياسات البنك الدولي غير مزيد من الخصخصة، وتسريح العمالة، والخروج المبكر على المعاش، وارتفاع معدلات الفقر والبطالة، وتدهور سعر الجنيه بعد تحرير سعر صرفة ورهن القرار السياسي بالقروض والمعونات؟!!
ضرب التعليم
علي لبن

ويعتبر النائب علي لبن عضو لجنة التعليم بمجلس الشعب أن قروض البنك الدولي ومؤسساته التمويلية لا يأتي من ورائها خير، خاصة في مجال التعليم.
وقال لبن: لقد أفسدت هذه المنح والقروض التعليم المصري، حيث كانت المدخل لضرب التعليم في المجتمع كله، مشيرًا إلى ربط هذه المنح والقروض بالاستعانة بالمئات من الخبراء الغربيين والأمريكان في وضع وصياغة المناهج الوطنية، وهو ما نتج عنه تقليصهم العديد من الأحداث المتعلقة بالتاريخ الإسلامي وتخفيض المناهج الخاصة بالدين، وإلغاء المواد القومية والتربية الوطنية، كطلعت حرب ومصطفى كامل وغيرها، ولم يقتصر الأمر فقط على المواد القومية والدينية بل تعداه إلى المواد العملية فقد كان لمادة العلوم درس عملي يمتحن فيه الطالب، ولكنهم أوقفوا هذا الدرس العملي وحتى في المجالات المهنية كالمجال الزراعي والصناعي والتجاري والكمبيوتر والتدبير المنزلي والألعاب وغيرها كل هذه المجالات تم تمييع هذه المواد وتسطيحها.
كما اتهم لبن البنك بالسعي للقضاء على الاقتصاد المصري من خلال قروضه المشروطة بتنازلات مهينة، مشيرًا إلى سعي البنك لتحريض الحكومة المصرية على خصخصة مياه الترع بتمويل منه، بعد أن نجح في جعل الحكومة تخصخص مياه الشرب، وهو ما يدلل على أن هذا البنك لا يعمل إلا لما هو في صالح رجال الأعمال.
وأضاف لبن أن سياسة البنك الدولي قد ساهمت في زيادة البناء على الأراضي الزراعية وعدم الاكتفاء الذاتي من الغذاء خاصة القمح والتوسع في الحصول على القروض بالتوازي مع ضعف المنافسة في الأسواق المحلية والدولية في الإنتاج الزراعي والصناعي.
ادعاءات كاذبة
ويؤكد كرم صابر (مدير مركز الأرض) أن البنك وصندوق النقد الدوليين هما سبب ما يعانيه المواطن المصري الآن من أزمات، ويرجع ذلك لما رسماه من خطوط عريضة للتنمية الاقتصادية بمصر، والتي تتبع المنهج الرأسمالي الذي يتبناه البنك، مشيرًا إلى أنه على الرغم من أن الهدف الأساسي للبنك الدولي هو محاربة الفقر، إلا أن الواضح أنه يؤدي إلى زيادة الفقر، حيث لا توجد دولة واحدة نستطيع أن نعتبرها نموذجًا لنجاح سياسات البنك الدولي في تخفيض نسبة الفقر بين مواطنيها منذ نشأة هذا البنك عام 1944م، وحتى الآن.
وشكك في المزاعم التي يسوقها البنك الدولي من فوائد المشروعات التي مولها بقروض خلال الفترة من 1990 وحتى عام 2007 في مصر، من كونها حققت أهدافها الإنمائية بل وفي بعض الأحيان تجاوزت المستهدف في قطاعي الزراعة والري، مشيرًا إلى أن الواقع الزراعي في مصر يؤكد عكس تلك المزاعم التي يروجها البنك الدولي لإغراء الحكومة المصرية نحو مزيد من الحصول على القروض منه أملاً في تحسين البنية التحتية الزراعية ومساعدة المزارعين خاصة أصحاب الحيازات الصغيرة منهم على تحسين دخولهم الزراعية، وبالتالي تحسن مستوى معيشتهم، ولكن شيئًا من هذا لم يحدث قط.
ولفت إلى أن البنك الدولي لم يكن يومًا "مؤسسة ديمقراطية"، مشيرًا إلى الإصرار على ترؤسه بشخصية أمريكية، وإلى السرية التي تحيط بمعظم أنشطته، وحرمان معظم دول وشعوب الجنوب من اتخاذ القرارات أو الرقابة على مشروعاته.