- د. عبد الحميد زغلول: فشل حكومي وتقصير متكرر

- وحيد البدري: الإهمال يُنذر بسرعة انتشار المرض

- د. مصطفى كمال: تلوث المياه السبب الرئيسي

 

تحقيق- إيمان إسماعيل:

إنفلونزا الطيور والخنازير والطاعون والحمى القلاعية ثم حمى التيفود.. مصائب وكوارث متكررة باتت تشكِّل أمرًا طبيعيًّا لدى الشعب المصري الذي اعتاد سماع نبأ ظهور الأمراض وانتشارها.

 

فمنذ أسبوعين ظهر مرض "التيفود" في قرى محافظة القليوبية نتيجة تلوث مياه الشرب، وقفز عدد الحالات المصابة به في غضون أيام قليلة إلى المئات، ويتزايد العدد بصفة يومية، ولم يقف عند هذا الحد، بل زحف إلى محافظات أخرى، مثل الغربية التي ظهرت بها عشرات الإصابات، وظهور أول حالة إصابة أمس بمحافظة الشرقية.

 

فهل أصبح الشعب المصري في مرمى "التيفود"، خاصةً مع تصريحات الدكتور حمدي السيد نقيب الأطباء عن مدى سوء مياه الشرب في مصر، وأنها أصبحت غير آمنة، وأنه من السهل انتقال أمراض التيفود والكوليرا والدوسنتاريا من خلالها؟! وما أسباب الانتشار السريع للمرض؟ وما إمكانية اجتياحه محافظات أخرى جديدة؟ وهل لدى وزارة الصحة خطة متكاملة بالوسائل والاحتياطات الواجب اتخاذها الآن أو مع انتشار المرض بشكل أوسع؟ وإذا لم توجد فما هو المطلوب فعله لإنقاذ حياة ملايين المصريين؟!

 

 الصورة غير متاحة

 د. عبد الحميد زغلول

بدايةً يقول النائب الدكتور عبد الحميد أحمد زغلول طبيب أمراض الباطنة وعضو لجنة الصحة بمجلس الشعب عن الكتلة البرلمانية للإخوان المسلمين إن تهالك شبكات الصرف واختلاط مياه الشرب بمياه الصرف الصحي، وعدم وجود رؤية واضحة وخطة محددة لدى وزارة الصحة ولدى وزارة الإسكان في التعامل مع التيفود، بالإضافة إلى ضعف العناية الصحية المتوافرة، وانتشار الإهمال؛ كلها أسباب كفيلة بغزو الكمِّ الهائل من الأمراض، وسرعة انتشار مرض مثل التيفود من محافظة إلى أخرى بشكل واسع.

 

ويؤكد د. زغلول أن احتمالية انتشار المرض وتحوُّله إلى وباء قد يفوق في خطورته فيروس إنفلونزا الطيور والخنازير إذا لم يتمَّ أخذ الاحتياطات الكافية لمواجهته؛ لما يصاحب التيفود من حمى شديدة وارتفاع درجة حرارة المصاب إلى 41 درجة، بالإضافة إلى احتمالية التسبب في ثقوب في جدار المعدة؛ مما يؤدي إلى موته في الحال.

 

ويُرجع د. زغلول سرعة تفشي مرض التيفود إلى أن السيطرة على منافذ التلوث ضعيفة، وأن جميع الاحتياطات التي تم اتخاذها للحد من هذا المرض هي احتياطات ضعيفة ولم تتخطَّ الورق، وغير مناسبة منذ ظهور المرض في القليوبية.

 

ويشدِّد على ضرورة اتخاذ حزمة من الإجراءات الوقائية، مثل عمل لقاءات مع كل الأطباء، وبالأخص الذين لديهم احتكاك مباشر بالمرض في مستشفيات الحميات، بالإضافة إلى حصر وتحديد المرض بالتوافق بين وزارة الإسكان ووزارة الصحة، وأخذ عينات عشوائية من المياه للتأكد من صلاحيتها للشرب من عدمه.

 

ويستنكر د. زغلول قرارات وزارة الصحة والتي وصفها بالتخبط والعشوائية من إغلاق 70 مستشفى للحميات من أصل 106 مستشفيات، متسائلاً: أين سيذهب هذا المرضى بعد قرار وزارة الصحة والذي ينص على وجود مستشفى واحد أو اثنين فقط للحميات في كل محافظة؟، معللةً ذلك بأن نسبة الأشغال في المستشفيات ضئيلة جدًّا، مؤكدًا أن هذه السياسة خاطئة ولا تتسم بالصحة؛ لأن من المحتمل ظهور أي وباء في أي وقت، ولأننا في حالة تفشي أي وباء لن تسنح الفرصة لبناء مستشفيات جديدة.

 

فوضى..!

ويرى وحيد البدري رئيس الجمعية المصرية للدفاع عن مرضى الإهمال الصحي أن من أكبر عوامل انتشار وتفشي مرض التيفود بهذا الكمِّ في هذا الوقت القصير وعدم إمكانية حصره في الآونة الأخيرة؛ هو عدم توفير العناية اللازمة للجانب البشري المعنيين بالحد من ذلك المرض، وهم الأطباء، وعدم تهيئة الجو النفسي والعملي لهم للقيام بدورهم من توفير الأدوات الصحية المطلوبة، وتوفير مستوى نظافة لائق في المستشفيات، بالإضافة إلى أوضاع الأطباء المادية المتدهورة نتيجة للمرتبات المتدنية والتي تنعكس بالطبع على أدائهم المهني.

 

وينتقد البدري عدم اللجوء إلى عزل أولى حالات الإصابة بالمرض عن ذويهم بعد علمهم بالإصابة، واختلاط "الحابل بالنابل" في المستشفيات بين المصابين وغيرهم، محذِّرًا من كون هذا المرض معديًا، ينتقل من استخدام أدوات البعض دون توخِّي الحذر.

 

وحمّل البدري الحكومة مسئولية انتشار حالات الإصابة، مشيرًا إلى أن مسئولي محافظة القليوبية ووزارة الصحة وشبكات الصرف الصحي تبادلوا جميعًا الاتهامات وإلقاء كلٍّ منهم المسئولية على الآخر.

 

تتابع..!

ويوضح الدكتور مصطفى كمال الدين أستاذ أمراض البيئة والصحة المهنية بكلية الطب جامعة عين شمس أن التيفود ليس مرضًا نادرًا أو حديث الاكتشاف أو الانتشار، بل هو في العالم أجمع، ويحدث سنويًّا في مصر بآلاف الحالات، ووقتها لم يتكلم عنه أحد ولم تحدث ضجة؛ لأنها كانت تحدث بنمط طبيعي، مشيرًا إلى أن ما لفت الأنظار في الفترة الأخيرة هو اكتشاف حالات متتابعة في فترة قصيرة في مكان واحد، وهو محافظة القليوبية، ثم تبعتها محافظات أخرى؛ مما أدى إلى الانتباه إلى وجود مشكلة كبيرة، وأن الأمر لا يمضي في مساره بالشكل الطبيعي.

 

 الصورة غير متاحة

تلوث مياه الشرب السبب الرئيسي في انتشار التيفود

ويحدِّد د. كمال الدين أن ما حدث في القليوبية يدخل ضمن قائمة التلوث الميكروبي للطعام والشراب، مضيفًا أن مصر منذ 70 و80 عامًا ونظام الصرف الصحي فيها غير آمن ومياه الشرب غير صالحة ولم يحدث أي إصلاح يذكر في تلك النقطة، والتي هي بمثابة أهم عامل من عوامل انتشار العديد من الأمراض، على رأسها التيفود.

 

ويشدِّد د. مصطفى على ضرورة البحث عن سبب تزايد الحالات المصابة بمرض التيفود، وبحث وسائل الوقاية، محذِّرًا من تفشي المرض بصورة كبيرة وامتداده إلى محافظات أخرى؛ لأن سبب المرض الرئيسي لم تتم معالجته.

 

ويشير إلى أن القليوبية يعاني أهلها منذ زمن بعيد في اعتمادهم على "الطلمبات" في مياه الشرب، وهذه المياه تكون مختلطة بمياه الصرف الصحي، وهو ما أدَّى إلى تزايد رقعة انتشار المرض، مطالبًا بضرورة منع المرض وليس حصره عن طريق غلق هذا المصدر "الطلمبات"، وضرورة قيام الهيئة العامة للشرب بمحاولة استكمال شبكة الشرب الصحية للأهالي، وبحث المحافظات الأخرى التي تتوافر فيها نفس طريقة الشرب وسرعة منعها؛ حتى لا يتم التحرك إلا بعد ظهور حالات فيها، كما هو الحال الآن.

 

المعلومات سر!!

ويوضح الدكتور عمرو عبد الوهاب اختصاصي الباطنة والسكر أن التيفود مرض جرثومي معدٍ يصيب الجهاز الهضمي للإنسان، ويأتي بحمى نتيجة بكتيريا تسمى "سالمونيلا تيفي" Salmonella typhi، ويدخل إلى الجسم عن طريق الطعام أو الشراب، ويخرج من الجسم عن طريق الإفرازات والبراز والتبوُّل.

 

ويضيف د. عبد الوهاب أن العدوى يتمُّ انتقالها عن طريق البراز إلى الفم بواسطة الذباب الذي يعتبر الواسطة الأولى الناقلة للمرض، كما أن عدم غسل الأيدي بعد استعمال المرحاض، وتناول الطعام أو الماء الملوث، وحاملي الجرثومة من متداولي الأطعمة، وإذا كان الطاهي للأكل حاملاً للمرض.. كل هذه من أسباب انتقال المرض.

 

وحول طرق الوقاية المطلوبة للحدِّ من التيفود بعد ظهوره "بشكل وبائي" يقول د. عبد الوهاب إنها تنقسم إلى وسائل فردية، ووسائل يقع عبئها على الدولة وهي الأساس؛ فعن النطاق الفردي يؤكد ضرورة توافر نظافة الأحياء السكنية والتأكد من نظافة الماء والطعام، والتخلص الصحي من النفايات وإبادة الحشرات وعدم كشف المجاري الصحية، وغسل اليدين والفواكه والخضار جيدًا بالماء والصابون، بالإضافة إلى تنظيف المنزل والمراحيض باستمرار.

 

ويشدد د. عبد الوهاب على ضرورة عزل المرضى المصابين، والتلقيح بـ"الفاكسين" ضد المرض لكل من متداولي الأطعمة، والمخالطين للمريض والمسافرين إلى المناطق التي يوجد فيها المرض، وضرورة تأمين المياه الصالحة للشرب "وتعقيمها"، وإبعاد المصاب عن العمل في المطاعم والمقاهي.

 

ويستنكر تعمد وزارة الصحة حجب المعلومات والأرقام الصحيحة عن الرأي العام، موضحًا أنه إذا ما سألنا الوزارة عن معدلات الإصابة بالمرض هذه السنة عن السنة الماضية فلن يخبرونا، وإذا ما تم الاستفسار عن أي معلومات في أي مستشفى من مستشفى الحميات فلن تخبرنا، وستقول "عدم الإفصاح أوامر عليا"!، متهمًا المسئولين في وزارة الصحة بأنهم مجموعة من الهواة وليس لهم أدنى علاقة بالطب، ويعملون وفق أهواء المسئولين!.