كانت تحبُّه كثيرًا، وتغدق عليه من عاطفتها الكثير، كان في أول زواجه بها محبًا عطوفًا رقيقًا، فاستطاع أن يستحوذ على قلبها؛ لكن مع مرور الأيام وزيادة ثقل المسئولية والانشغال بالأعمال تغيَّر زوجها الحبيب، فبعد عام واحد فقط من الزواج وجدت منه برودًا وانشغالاً، فلم تعد عيناه تسبح هيامًا في عينيها، ولم يعد لكلمات الغزل الرقيق ولا للمديح وجودٌ في قاموسه.
مرت الأيام، وهي تحاول وتحاول، ويزداد إغداقها عليه من حبها وحنانها؛ لكنها كانت كمن يحاور صغيرًا.
ضايقها زوجها بتجاهله لها، ونسيانه المتكرر لطلباتها، بل بقسوته أحيانًا، وما زالت صابرةً ومتسامحةً حتى فاض بها الكيل، فلا هو يتغير ولا هو يستجيب، رغم أنها كانت تلفت انتباهه دائمًا بطرق كثيرة وذكية.
كيدهن عظيم:
وفي يوم قررت الانتقام، فكرت قليلاً، وقالت لنفسها: سأنتقم منه بطريقة خفية، طريقة "كيدهن عظيم"، وبدأت تعد الخطة:
- تجاهل "وطناش" للزرار المخلوع والجورب المقطوع.
- اختفاء المشروب الدافئ في الصباح والبارد في المساء.
- تجسس على مكالماته.
- كلمات مسيئة خفية من تحت لتحت.
- تحطيم بارد لمعنوياته.
- أعدَّت الخطة بإحكام وجاء وقت التنفيذ.
إشارة من الله:
لكنَّ لله عبادًا يضن عليهم أن يستحوذ عليهم السوء، ويكونوا كباقي البشر، فقبل التنفيذ جاءتها إشارة الله.
جاءتها قريبة لتزورها، قالت- بفزع-: أتدرين ما الذي حدث لمنى صديقتي؟! هزَّت رأسها سلبًا، فقالت: تعلمين أن أخاها متزوجٌ من أخت زوجها؛ لكنه لم يفكر في العواقب حين فعل فعلته، لقد تزوَّج عليها بأخرى؟!.
فما كان من زوج منى إلا أنه أخذ يؤنبها هي، ويكيل لها الكلمات والاتهامات، بل ويهينها هو وأهله، وأنت تعلمين أنها تقيم معهم، فلم تتحمل، وانطلقت في صراع مع زوجها وأهله.
ثم فجَّر قنبلته حين أعلن لمنى أنه سيرد لأخيها الصاع صاعين، وسيتزوَّج عليها؛ ليهينه كما أهان أخته.
أفاقت، وأسرعت تقول: لا حول ولا قوة إلا بالله، ماذا لو خفضت رأسها قليلاً؛ حتى تهدأ العاصفة؟! ماذا لو صبرت قليلاً حتى يهدأ زوجها؟!.
لماذا تعامله بمبدأ واحدة بواحدة؟!!؛ إنه مبدأ لا يزيد النار إلا اشتعالاً، هذه هي عاقبة التسرع وانعدام العفو والتسامح.
لكنها أفاقت فجأة، وهي تسمع الكلمات تخرج من فمها هي؛ لماذا تعامله بمبدأ واحدة بواحدة؟! إنه مبدأ فاشل لا يزيد النار إلا اشتعالاً.
أخذت تفكر، لقد علا صوته الأسبوع الماضي؛ لأنه كان مرهقًا، ولم ينم طوال الليل، وحين تجاهل طلبي للخروج كان لديه موعد، وحين رفض شراء طلباتي كان مفلسًا، وحين تشاجرنا كنت أنا السبب... و...
ادفع بالتي هي أحسن:
وهي وقفة إنصاف، راجعت نفسها، فقررت أن تعود لمبدئها: ﴿ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ﴾ (فصلت: من الآية 34).
هذا الذي بينك وبينه عداوة، فماذا عن الذي يفترض أن الذي بينكِ وبينه مودة ورحمة وسكن؟!.
عادت وحاولت وتعبت؛ لكنها نجحت وتغيَّر زوجها، وأصبح يتصرف في كثير من الأحيان كما يرضيها، فماذا عليك أيتها الزوجة إنْ علمت خطورة هذا المبدأ واحدة بواحدة.
مبدأ خطير:
إنه مبدأ خطير لا يصلح أبدًا مع الزوج، ويزيد الأمور فسادًا، ويزيد هوة الشقاق بين الزوجين.
وفي بعض الأحيان تظل صور البعض ثقيلة بتحمل أخطاء الآخرين في حقهم، ولا تنساها رغم مرور السنين، بل وتتفنن في رد الإساءة إساءتين؛ خاصة بين النساء.
فهذه أخت زوجها لم تهنئها بزواج شقيقها، وتلك حماتها لم تهتم بزيارة والدتها المريضة، وهذه زوجة شقيق زوجها، لم تقدِّم لها سوى عصير الليمون حين زارتها.
وزوج أصرَّ حماه أن يشتري لابنته حجرة الطعام قبل الزواج، رغم أنه وعده أن يشتريها بعد الزواج بأشهر؛ لأنه لا يملك ثمنها الآن؛ لكنَّ حماه أصر فاستدان الزوج، ولم ينسها لحماه، رغم مرور عشر سنوات على الزواج.
وتظل الزوجة تؤنب زوجها: أمك قالت، وأختك عادت، وزوجة شقيقك فعلت، وتصر على رد الضربة ضربات.
ويظل الزوج يذم أهلها طوال العمر ويمنع زيارتهم.
لقد بعت والله اشترى:
فما أسوأ أن يعمل المرء بائعًا في مجال العلاقات الإنسانية، إنْ أحسن الناسُ أحسنَ، وإن أهانوا أهانَ، وتظل عجلة حياته تدور طوال العمر بمبدأ واحدة بواحدة.
وما أجمل أن يبيع البسمة، والكلمة الحلوة، والفعلة الرقيقة، والتصرف الطيب، والهدية والود والبذل، وأن يعيش بمبدأ لقد بعت والله اشترى وما عند الله خير وأبقى.