- د. البلتاجي: فئات الشعب اعتبرتها وسيلتهم الأفضل للحصول على الحقوق

- د. قرقر: رفض النظام لوجود قيادة راشدة أكبر تهديد بالفوضى العارمة

- د. ليلة: البداية كانت في المحلة والنهاية غير معلومة أو مأمونة

- د. الحفناوي: حاجز الخوف انكسر وبدأ يتلاشى أمام الكبت والفساد

 

تحقيق- الزهراء عامر:

"الإضراب مشروع مشروع.. ضد الفقر وضد الجوع".. هتاف وجد طريقه بقوة في الشارع المصري، سواء أمام دواوين الحكومة أو داخلها، أو أمام المصانع والشركات، وكان أبرز هذه الإضرابات إضراب عمال غزل المحلة، الذي شارك فيه أكثر من 20 ألف عامل، ثم إضراب كفر الدوار، وتبعهما أول إضراب لموظفي الحكومة والمتمثِّل في إضراب موظفي الضرائب العقارية الذي تجاوز خمسين يومًا، تلته إضرابات أخرى لموظفي الحكومة، سواءٌ في هيئة البحث العلمي، أو وزارة الزراعة أو وزارة التربية والتعليم، ومؤخرًا- وليس آخرًا- إضراب خبراء وزارة العدل.

 

وقد دفعت ظاهرة الإضراب العديد من الباحثين إلى تناولها بالبحث والدراسة، ومن بين هذه الدراسات واحدةٌ أعدتها الدكتورة هويدا علي لتحليل ظاهرة الاحتجاج في مصر، والتي أكَّدت فيها تضاعف أعداد الاحتجاجات والإضرابات المضادَّة للحكومة، وتكاثرها بصورة تقترب من الوباء؛ حيث كان عددها في العام ١٩٩٨م (100)، زادت إلى (١١٥) في العام ٢٠٠١م، ثم تصاعدت الموجة بشدّة لتصل إلى (٢٢٠) في العام ٢٠٠٦م، ثم (255) إضرابًا في 2007م ثم تجاوزت الإضرابات رقم الألف خلال عامَي 2008م و2009م، وما زالت الأرقام في تصاعد.

 

وتشير الدراسة إلى أن هذه الاحتجاجات بدأت في المناطق الصناعية المهملة، مثل كفر الدوار والمحلَّة وشبرا الخيمة وحلوان، يومًا بعد يوم كان تتنقَّل بين أنحاء مصر مع تزايد كثافتها الاحتجاجية التي لم يشهد المجتمع المصري مثلها منذ نهاية الحرب العالمية الثانية.

 

هذه الأرقام التي أشارت إليها الدراسة طرحت العديد من التساؤلات والسيناريوهات المختلفة، سواءٌ حول تأثير هذه الإضرابات في استقرار الحكومة، أو فكرة اللجوء إلى الإضراب والاعتصام للحصول على الحقوق، أيًّا كان نوعها، وهل من الممكن أن تكون الزيادة المضطردة في الاحتجاجات والإضرابات مقدِّمةً لإضراب عام يشلُّ مصر لإسقاط هذه الحكومة؟!

أسئلة طرحناها على الخبراء والمتخصصين في هذا التحقيق:

 

في البداية أرجع د. محمد البلتاجي الأمين العام المساعد للكتلة البرلمانية للإخوان سببَ الإضرابات الحالية إلى عاملَيْن: الأول يتعلق بانتهاك الحكومة حقوقَ كلِّ شرائح المجتمع، وتراكم المشكلات نتيجة ضعف الأجور والمرتبات، أما العامل الثاني فهو عدم وجود تنظيم نقابي يعبِّر عن الفئات بشكل دوري.

 

وأوضح أن هناك أزمة ثقة بين العاملين في الدولة والحكومة، وبالتالي يعاني الشعب من الإهمال وضياع الحقوق وإهدار أموالهم، يضاف إلى ذلك أنه لا يوجد أحد يعبِّر عنهم ويدافع عن حقوقهم؛ مما يدفع فئات الشعب مضطَّرِّين إلى التحرك وطرح حقوقهم بشكل مباشر، سواء بالتظاهر أو الاحتجاج.

 

 الصورة غير متاحة

 د. محمد البلتاجي

ويضيف د. البلتاجي أن فكرة التغيير الشامل ستطرح نفسها عندما يدرك الناس وجود علاقة مباشرة بين المصالح الشخصية والإصلاح السياسي، وأنه لا يوجد فرق بين الأمرين، وإدراكهم أن المصالح الشخصية ستتحقق إذا كان هناك إصلاح سياسي، وبالتالي ستكون النتيجة هي تعاون جميع فئات الشعب.

 

وأشار إلى أن كلَّ هذه الأمور تحتاج إلى وجود قدْر كبير من الوعي والربط بين الأحداث، وأن هذه الانتهاكات للحقوق ليس فقط في حق العمال، ولكنها كذلك بحق أساتذة الجامعة والمحامين وسائقي القطارات وغيرهم من الفئات التي قامت بعمل إضرابات، وبعد ذلك ستنضج مؤسسات للتعبير عن آراء الناس ومشكلاتهم والدفاع عن حقوقهم، وتنتج وسائل للتعبير وأخرى للمصالحة.

 

وفيما يتعلق بتأثير هذه الإضرابات السلمية؛ أكد البلتاجي أن الإصلاح سيتحقق من خلال إطلاق الحريات ووجود انتخابات حرة، ينتج منها ممثلون يعبِّرون عن مصالح الشعب واحتياجاته وليس مصالحهم الشخصية، وبالتالي تكون هناك محاسبة قانونية ورقابة على الحكومة، وفي النهاية لن يضطر الشعب إلى استخدام هذه الوسيلة من الإضرابات التي تضغط على النظام لاستعادة حقوقه وتحقيق أهدافه.

 

غضبة جماهيرية

 الصورة غير متاحة

د. مجدي قرقر

وفي نفس السياق يعزو د. مجدي قرقر الأمين المساعد لحزب العمل سببَ هذا التنوع في الإضرابات إلى أن النظام المصري أغلق كلَّ منافذ التعبير عن الرأي، وعندما تُغلَق كل هذه المنافذ والأبواب للتعبير والدفاع عن الحقوق المنتهكة، وعندما يفقد الشعب قدرته على الاحتمال يُضطرُّ إلى استخدام هذه الأساليب من الإضرابات، وكل منهم يعبِّر عن الإضراب بأسلوبه المميّز.

 

ويحذر قرقر من أن استمرار هذا الوضع المؤسف قد يولِّد بالفعل غضبةً جماهيريةً في أي وقت مع إصرار الحكومة على مواقفها السيئة تجاه شعبها، متوقعًا أن تكون هناك هبةٌ شرسةٌ غير مأمونة العواقب أو النتائج، على حدِّ تعبيره.

 

مد الجسور

وترى الناشطة السياسية كريمة الحفناوي أن ثقافة الخوف والسلبية التي كان يعاني منها المجتمع المصري بدأت تنحسر، وبدأت كل الفئات تعبِّر عن رأيها بشكل سلمي، فالشعب أصبح يبحث عن حقوقه ويعرف كيف يدافع عنها.

 

وتوضح أنه حدث تحوُّلٌ كبيرٌ من فترة كان يسودها الخوف والذعر، وكان المواطن المصري يؤمن بمبدأ "المشي بجوار الحائط" إلا أنه انتقل إلى مرحلة غير مسبوقة للتغيير والديمقراطية.

 

وتقول الحفناوي: "إن المواطن المصري ربط بين أمرين مهمَّيْن لم يكن يربط بينهما من قبل، وهما أنه لكي يحصل على رغيف الخبز لا بد أن تتمتع البلد بالديمقراطية المطلقة فعندما وجد أن النقابات الموجودة التي من المفترض أن تعبِّر عنه تسيطر عليها الحكومة ولا يوجد بها أي مساحة للتعبير عن الرأي بل وينهب القائمون عليها حقوق أعضائها؛ رفع المواطنون شعارات النقابات المستقلة، وهذا ما يحدث بالفعل داخل النقابات المختلفة".

 

وأشارت إلى أن الشعب المصري اتبع أسلوبًا جديدًا للاحتجاج، وهو أسلوب "النفَس الطويل" فأصبح لا يترك المكان الذي يتظاهر فيه حتى يحصل على حقه، وقد أثبت هذا الأسلوب نجاحًا مثل ما قام به موظفو الضرائب العقارية وما يفعله خبراء العدل الآن، موضحةً أن كل هذه الإجراءات بدايةً لوقوف الشعب ضد طغيان النظام إذا حاول حلَّ مجلس الشعب وتزويره الانتخابات مرةً أخرى وفي لحظة حاسمة سيؤدي هذا الأمر إلى احتجاج عام.

 

وطالبت الحفناوي بضرورة مدِّ الجسور بين النخبة والطليعة لكي تتقدم بين صفوف هذا الشعب كي يزيد وعيُه بربط الخاص بالصالح العام، واختيار نظام آخر يدافع عن حقوق الشعب وليس حقوق أصحاب الأملاك، مؤكدةً أنه إذا حدث هذا الوعي سنجد من يطالب بتحديد الأجر العادل، وألا يقل الحد الأدنى للأجور عن 500 جنيه للفرد، وتفعيل الديمقراطية ليس على مستوى النقابات ولكن على مستوى الوطن كله.

 

الحرية حتى الموت

 الصورة غير متاحة

د. علي ليلة

وعن التحليل الاجتماعي لهذه الظاهرة يقول د. علي ليلة أستاذ علم الاجتماع إن الأصل هو منح المواطنين جميع حقوقهم المختلفة؛ لأن الدولة هي راعية الحقوق والمسئولة عن توفير احتياجات الأفراد بصور مباشرة، إلا أن تخلي الحكومة عن دورها في تحقيق المطالب الشعبية وتنحِّي المسئولين عن دورهم يدفع الشعب إلى الاحتجاج والتظاهر.

 

ويؤكد أن كل هذه الإضرابات ما هي إلا إضراباتٌ اجتماعيةٌ، كل فئة تقوم بالاحتجاج والتظاهر من أجل تحقيق مطالب شخصية للفرد أو أهداف الفئات التي تتبنَّى الإضراب، سواءٌ كانت قوى سياسية أو من أفراد الشعب.

 

ويرسم د. ليلة سيناريو التصعيد المتوقع في حال إصرار الدولة على عدم الاستجابة لمطالب الشعب العامة، موضحًا أنه في هذه الحالة ستنفجر قنبلة الغضب الموقوتة لدى عموم الناس لتحقيق مطالبهم، وليس بعيدًا أن تتَّحد جميع القوى السياسية لتنظيم إضراب سياسي عام، وهو ما سيؤدي في النهاية إلى حالة من الفوضى لا تستطيع الحكومة السيطرة عليها، وبالتالي تتجه للبحث عن وسيلة للسيطرة على حالة الفوضى التي تعمُّ البلاد وتكون المشكلة أضخم مما هي عليه الآن.