- د. المشاط: تقرير 2009م ممسوخ ولا علاقة له بالواقع

- د. أكرم حبيب: ما حدث يتنافى مع ضوابط البحث العلمي

- د. سمير مرقص: لا بد أن يتحرر الباحث من كافة القيود

- د. نادر الفرجاني: هناك غموض ولا نريد أن نستبق الأحداث

 

تحقيق- شيماء جلال:

موجةٌ من الانتقادات والتساؤلات شهدتها التعديلات التي أدخلها المكتب الإقليمي للبرنامج الإنمائي للأمم المتحدة على التقرير الرابع للتنمية البشرية بالوطن العربي، سواءٌ بالحذف أو الإضافة، دون استشارة المؤلف الرئيسي للتقرير الدكتور مصطفى كامل السيد الأستاذ بكلية الاقتصاد والعلوم السياسية، وهو ما دفع الدكتور مصطفى إلى الانسحاب من الإعلان الرسمي عن التقرير ببيروت، وأعلن عدم مسئوليته عن أي تغييرٍ يُنافي الأصل الذي شارك فيه وأسهم فيه بالبحث والدراسة.

 

كان التقرير الأول للتنمية البشرية بالوطن العربي لعام 2002م قد شهد ترحيبًا دوليًّا وأمريكيًّا؛ حيث تضمَّن توظيفًا سياسيًّا لمادته التي تتناول معاناة الوطن العربي؛ ليكون ذلك التوظيف بمثابة أداةٍ لتأكيد مبادرة الشرق الأوسط الكبير، لا سيما أن الأمم المتحدة مشهودٌ لها بموافقتها غير المنحازة للمصالح العربية.

 

لكن في التقرير الثالث كان هناك أمرٌ مستجدٌّ؛ ألا وهو أن التقرير قوبل بهجومٍ من جانب الإدارة الأمريكية، ووصل الهجوم إلى التلويح بمنع دعم وتمويل مشروعات البرنامج الإنمائي للأمم المتحدة؛ الأمر الذي دفع البرنامج الإنمائي إلى إدخال تعديلات على التقرير الرابع الذي تمَّ الإعلان عنه لتلافي التهديدات والضغوط الأمريكية ضده.

 

يدور تقرير 2009م حول تحديات ومفهوم أمن الإنسان في الوطن العربي، وكانت رؤية المؤلف الرئيسي للتقرير التي تمَّ تعديلها تتمثل في طرح الفوارق بين تهديدات أمن الإنسان في الوطن العربي وفي غيره من أقاليم العالم؛ بسبب كون التهديدات الخارجية لهذا الأمن هي الأخطرَ شأنًا في الوطن العربي عنها في أقاليم العالم الأخرى.

 

كما قام فريق صياغة التقرير بحذف تحليلٍ لتهديدات الأمن يعتمد على التمييز بين تهديدات الوجود الإنساني, والتي قد تُفضي إلى الموت، مثل التهديدات البيئية والاحتلال الأجنبي وصراعات الهوية وسياسات القهر، والتي تلجأ إليها بعض الحكومات, وتهديدات تنصبُّ على نوعية الوجود الإنساني، مثل البطالة والفقر ونقص الغذاء وافتقاد الرعاية الصحية، وانهيار الأمن الشخصي من خلال الاعتداء على الأنفس والأموال, وهو تمييز يُوفِّر للتقرير منطقًا داخليًّا, ويُقيم بعض العلاقات السببية بين أنواع هذه التهديدات، ويوضح الأهمية النسبية لكلٍّ منها.

 

وما زاد الأمر سوءًا إسقاط فريق الصياغة فصلاً كاملاً من التقرير، يتعلق بصراعات الهوية في الوطن العربي، والتي تستند إلى خلافات دينية أو مذهبية أو طائفية أو عرقية؛ وتمَّ إدماج صفحتين فقط من هذا الفصل في الفصل الخاص بالدولة، كما لو أن ضحايا مثل هذه الصراعات في السودان ولبنان والعراق لم يفوقوا في أعدادهم ضحايا كلِّ الحروب العربية الصهيونية، وكما لو أن الدول العربية لا تواجه خطر صراعات أو توترات تستخدم الانتماءات الأولية هذه منطلقًا لها.

 

 الصورة غير متاحة

التقرير قلل من أهمية خطر الاحتلال للأراضي العربية

وكان من أخطر ما أقدم عليه فريق الصياغة قيامه بالتهميش والتقليل من حجم الخطر الناجم عن الاحتلال الأجنبي للأراضي العربية.

 

والسؤال الذي يطرح نفسه بقوة: هل ما قام به المكتب الإقليمي للأمم المتحدة يتفق مع مفهوم الحرية السياسية التي يتشدَّقون بها ليلَ نهار؟ ولصالح مَن حذف وتعديل أجزاء كبيرة من التقرير؟ وتساؤلات أخرى يطرحها (إخوان أون لاين) على الخبراء والمتخصصين وبعض المساهمين في التحقيق التالي:

 

في البداية يؤكد الدكتور عبد المنعم المشاط مدير مركز البحوث والدراسات السياسية بجامعة القاهرة وأحد المساهمين في كتابة الأوراق الخلفية للتقرير أن الإدارة المسئولة من جانب البرنامج الإنمائي للأمم المتحدة؛ قامت بإدخال تعديلات وتغييرات على أوراق الباحثين دون الرجوع إليهم أو استشاراتهم، وهو ما يخالف قواعد الاتفاق البحثي.

 

ويشير إلى أن الإدارة القائمة على التقرير حدث بينها وبين المؤلف الرئيسي للتقرير خلافٌ بشأن مسألة تناول القضايا الحيوية التي تمسُّ مصادر التهديد للأمن القومي والإنساني، فضلاً عن أنها تمس وضع المواطن العربي بشكلٍ عميق.

 

وعن المفارقات التي وقعت بين التقرير الحالي وأول تقرير عام 2002م؛ يوضح د. المشاط أن تقرير عام 2002م كان شديد الانتقاد للنظم السياسية العربية، وأبرزها فشلها في العديد من الجوانب، ولكن التقرير الحالي يواجه مشكلةً خاصةً، وهي وجود سيطرة وتحكُّم في إدارة التقرير التي تسبَّبت في إدخال تعديلات عليه دون الرجوع للباحثين.

 

تقرير ممسوخ

وأبدى د. المشاط استياءه لما آلت إليه الجهة المسئولة بالمكتب الإقليمي، واصفًا ما حدث بأنه يتنافى مع مفهوم الحرية والديمقراطية الفكرية السياسية، وأضاف قائلاً: "أنه لا يصح بأي شكلٍ من الأشكال أن يتم تغيير رؤى وأفكار باحثين عرب دون الرجوع إليهم، فضلاً عن أن جهة التقرير غير عربية فلا يمكنها البت في شأنٍ عربي خاص".

 

وألمح د. المشاط إلى أن المشاورات التي كانت تجري في التقارير السابقة كانت تنتهي بعد مشاورات عديدة بين الإدارة القائمة على البحث وبين الملف الرئيسي، ولكن هذه المشاورات تنتهي بالاتفاق على صياغات توفيقية تنقل الأفكار التي يريد المؤلف الرئيسي للتقرير التعبير عنها، ولكن التقرير الحالي أراد البرنامج القائم بالإدارة أن يُخلي مسئوليته عن التقرير، من خلال قيامه بكتابة تمهيد أعلن فيه المدير العام للبرنامج إخلاء مسئوليته، ذاكرًا أن البرنامج لا يوافق بالضرورة على ما جاء في ذلك التقرير من أفكار.

 

ويؤكد د. المشاط أن تقرير التنمية البشرية للوطن العربي الحالي مجرد "تقرير ممسوخ للتقرير الأصلي لا يصلح أن يُؤخذ به بأي شكلٍ من الأشكال".

 

ضغوط أمريكية

 الصورة غير متاحة

 د. سمير مرقص

ويشير الدكتور سمير مرقص المفكر والباحث السياسي وأحد المساهمين بورقةٍ بحثيةٍ في الأوراق الخلفية للتقرير إلى أن مسألة إدخال أية تعديلات أو تغييرات على الأوراق البحثية الخاصة بالباحثين في التقرير؛ تعدُّ أمرًا مرفوضًا بشكلٍ قاطع؛ لأن ذلك من شأنه أن يتنافى مع أصول البحث العلمي؛ لأن الباحث المتفرِّد ببحث قضية معينة يكون هو الشخص الوحيد الذي لديه الرؤية الكاملة للموضوع محل البحث؛ لا سيما أن يتم الرجوع إليه في أي أمرٍ خاص بأي تعديلٍ، سواءٌ بالحذف أو الإضافة.

 

وعن إمكانية وجود ضغوط أمريكية أو صهيونية وراء التغييرات التي حدثت في التقرير يقول د. مرقص: "إنه لا ينبغي بأي شكلٍ من الأشكال أن يخضع البحث العلمي للأهواء والتحذيرات والتجاذبات السياسية؛ وإن البحث العلمي لا بد أن يكون متحررًا من كل القيود، ما دام أُسند لباحثين مشهود لهم بكفاءتهم العلمية".

 

وألمح إلى أن أية ضغوط خاصة بقطع التمويل عن الجهة التي تدير التقرير بالأمم المتحدة من المفترض ألا يتم إذا كانت هناك مناداة حقيقية بالحرية الديمقراطية والسياسية التي تنادي بها الأمم المتحدة والولايات المتحدة الأمريكية.

 

ويؤكد د. مرقص اتفاقه الكامل مع الدكتور مصطفى كامل المؤلف الرئيسي للتقرير فيما يخص اعتذاره عن حضور الإعلان الرسمي للتقرير، مشيرًا إلى أن ردَّ الأمم المتحدة بشأن التغييرات كان قاصرًا وغير موضوعي، ولا يمكن الأخذ به كمبررٍ واقعي.

 

غموض

 الصورة غير متاحة

د. نادر الفرجاني

الدكتور نادر الفرجاني خبير تقارير التنمية البشرية وأستاذ العلوم السياسية يوضح أنه ما زال هناك غموضٌ يشوب الأحداث المتعلقة بالتقرير، وأنه ما زال حتى الآن يوجد أطراف خيوط غير متصلة بالموضوع؛ مما يتسبَّب في عدم إمكانية الحسم أو التعليق بشأن ما أُثير حول وجود ضغوطٍ على الجهة القائمة بالإدارة من جانب البرنامج الإنمائي.

 

وأضاف أن تقرير التنمية البشرية لها صبغة وأهمية كبيرة في رسم تفاصيل مجالات حيوية بالمنطقة؛ لذلك لا تتطلب قرارات متسرِّعة.

 

حقوق الباحث

ويُعلِّق الدكتور أكرم حبيب الباحث السياسي على ما حدث قائلاً: "لا يصح إلا الصحيح"، موضحًا أن لكل باحثٍ وجهةَ نظر خاصة وشخصية في القضية التي يتناولها بالبحث، ومن البديهي أن يتمسَّك كل باحثٍ بحقوقه وملكيته التي تقرُّها مبادئ البحث العلمي.

 

وفيما يخص وجود تدخلات خارجية يختلف د. حبيب مع ما سبق من آراء تؤكد وجود تدخلات قائلاً: إن الجهة القائمة على إدارة البحث من جانب الأمم المتحدة لها سلطة إدارة البحث مثلما تشاء؛ لأن كل كلمةٍ تصدر فيه تكون محسوبةً عليها.