سؤال: أنا أدعو عددًا من الطلبة في مرحلة المراهقة، وأعاني من أنهم لا ينتظمون في مواعيد الحضور حسب الاتفاق، وقد حاولت معهم كثيرًا دون جدوى، فماذا أفعل؟
أخي الكريم..
هذه المشكلة مزمنة، وستظل مزمنةً ما لم نصل إلى أسبابها الحقيقية، أو أننا نعرفها ثم نتجاهلها، ونكتفي بالتشديد على الحضور، وتعنيف المتأخرين بالصورة الروتينية المعروفة، دون أن نحاول أن نحقِّق في أسباب المشكلة بعمق.
وأعتقد أن العوامل الرئيسية في انتظام الحضور من عدمه، وخصوصًا إذا كان هؤلاء الحضور من المراهقين.
ومعرفة شعور المراهق من عدمه بأربعة أشياء:
1) التغير الإيجابي.
2) تحقيق الذات.
3) الانتماء.
4) التجديد المستمر.
1- التغير الإيجابي:
يريد المراهق أن يشعر بأنه يتغير إلى الأفضل، على المستوى الإيماني والفكري واكتساب المهارات وقدراته في التعامل مع الآخرين.
فعلى المستوى الإيماني: يريد أن يشعر بحب الله والقرب منه والرغبة في طاعته، يريد أن يتلذَّذ بالصلاة، ويتحمس لقراءة القرآن وحفظه، يريد أن يشعر أنه يتطهر من الداخل، وأن روحانياته تشعره بسعادة الفقير الذي اكتشف كنزًا ثمينًا.
وعلى المستوى الفكري؛ يريد أن يعرف هويته ويجيب عن أسئلة غامضة تحيره، لماذا يعيش؟ هل أفكاره الآن سليمة أم لا؟ هل هو على صواب أم أصدقاؤه؟ كيف يتواصل مع والديه ويخفف التوتر الموجود في المنزل؟ كيف يرسم مستقبله ويختار طريقه في الحياة؟
وعلى مستوى اكتساب المهارات؛ هو يشعر أن لديه طاقة كبيرة؛ ولكنه لا يعرف كيف يوجهها ويستغلها، ولا يعرف كيف السبيل إلى ذلك.
وعلى مستوى التعامل مع الآخرين؛ هو يشعر بنظرة المجتمع الناقدة له، سواء في البيت أو المدرسة أو الشارع، وهو لا يعرف لماذا، وهو أمر يصيبه بالانفعال والغضب، وهو ما يصعد المشكلات مع الجميع، ويجعله ينسحب من المجتمع إلى حيز الأصدقاء الضيق قليل الخبرة والفاسد غالبًا.
كل ما سبق يريد المراهق أن يفهمه ويعيه بهدوء واقتناع، ثم يشعر أنه يتعلم شيئًا فشيئًا، وأنه يعرف أشياء كانت حائرةً في عقله، ولكنه أخيرًا وجد ضالته.
وهذا لن يتحقق إلا إذا كان هناك مناهج واضحة ودقيقة وسهلة، وأن يكون السير فيها منتظمًا بصورة لا تقل عن 75%.
2- تحقيق الذات:
يتعامل المجتمع مع المراهق على أنه ما زال طفلاً، لا يستطيع فعل شيء، وإذا فعل سيفشل، وإذا فشل يتعرض لسيل من الانتقادات المحبطة، وفي نفس الوقت هو في مرحلة البحث عن الذات لإثباتها، والتعبير عن قدراته ونجاحه، وعندما لا يساعده أحد في تحقيق ذاته بصورة إيجابية، يبدأ هو في إثباتها بصورة سلبية.
إن المراهق معمل للمواهب والقدرات ومخزن للطاقة، إذا استطاع المربي أن يحركها في أعمال إيجابية ونافعة، كالأعمال الخيرية أو الدعوية، أو استثمار المواهب بكافة أشكالها؛ فإن المراهق هو الذي سيبحث عنه لا العكس.
3- الانتماء:
يخطئ المربي خطأً كبيرًا عندما يوحي لمن معه أن كل همِّه أن يجلس المراهق أمامه ليستمع له في صمت، وكل ما عليه أن ينفذ ما أمامه من منهج، ويخطئ مرة أخرى عندما يثبت له بالدليل العملي أن كل ما يهمه منه هو تحقيق المصلحة الدعوية في الحضور فقط، أما مشاكله ومعاناته وأزماته والسؤال عن أحواله؛ فهي لا تهمه، وإذا اهتم بها يكون بجفاء لا ينم عن حب أو عاطفة حقيقية، وإذا شعر المراهق بذلك، فقد الانتماء، وبحث عن أشخاص يحبهم ويحبونه مهما كانوا.
4- التجديد المستمر:
فترة الشباب تملُّ من الثبات وعدم التغيير، فهي فترة فوران طاقة؛ ولذلك فهي تحب الحركة لا السكون، والمربي عليه أن يبادر بابتكار أفكار جديدة تحركهم وتستثير أفكارهم وقدراتهم، وأن يجعلهم يفكرون ويتخذون القرارات وينفذونها، ويجربون، ويخطئون، ويحلمون، ويفشلون، وقتها سيشعرون أنهم يعيشون حياة الشباب المليئة بالمغامرة والحركة والنجاح والفشل، لا مجرد أجسام تجلس على كراسي لفترة ثم تنصرف.
أخي الكريم...
لن يتم كل ما سبق إلا في وجود مربٍّ واعٍ فاهم لنفسيات مَن يدعوهم وطبيعة مرحلتهم، مربٍ يحب من يدعوه بصدق، ويعيش معهم في الحلقة التربوية وخارجها، مربٍ يقوم مقام الصديق والأخ الأكبر، حتى يصبح أول شخصٍ يرفع المراهق سماعة التليفون ليتصل به عند وقوعه في مشكلة.
إذا نفذت ذلك أخي الكريم، مع الحرص على الدعاء الصادق لهم، فلن تسأل أبدًا عن الحضور، ستتخطى أحلامك وأحلام من تدعوهم هذا الحلم البسيط بكثير.. وبكثير جدًّا.
-------------