- دراسة: أنفقنا 10 مليارات جنيه بنسبة عائد 0.5%
- د. زيدان عبد العال: المشروع فرقعة إعلامية لخداع المصريين
- زكريا الجنايني: فساد النظام لن يؤدي إلى إصلاح مشروع فاشل
- ممدوح الولي: إنقاذ المشروع يحتاج إلى قرار سياسي
- د. عبد المطلب عبد الحميد: الحكومة فاقت بعد "خراب توشكى"!
تحقيق- شيماء جلال:
كشفت دراسة حديثة عن مشروع توشكى أعدَّها المهندس الاستشاري صالح الحديدي أن الحكومة أنفقت عليه الحكومة 10 مليارات جنيه في 12 سنة، ولم يحقق هذا الإنفاق سوى 0.5% من أهدافه، وأشارت الدراسة إلى أن المشروع الذي كان يستهدف استصلاح 600 ألف فدان وزراعة جنوب غرب السد العالي توقف العمل في فرعه الرابع؛ بقرار من رئيس مجلس الوزراء الدكتور أحمد نظيف بحجة "مفيش فلوس"!!، وتوقف العمل في الفرع الثالث، رغم اكتمال البنية الأساسية، وسحبت الشركات معداتها من الموقع لعدم صرف مستحقاتها، واشترى الوليد بن طلال أرض الفرع الثاني بثمن بخس جدًّا نحو 120 ألف فدان، ولم يزرع منها سوى ألف فدان، أما الفرع الأول فلم تزرع الشركة التي تسلمته سوى ألفي فدان!.
وأوضحت الدراسة أن الثلاثة آلاف فدان التي زُرِعَت "كانتالوب وفراولة وعنبًا" لا تشكِّل سوى 0.5% من أراضي المشروع، وهو ما يعني أن الفدان الواحد تكلف 3 ملايين جنيه، واستغرق استصلاحه 12 سنة، ولو سار المشروع بهذا المعدل فإننا نحتاج إلى 2400 سنة أخرى كي يحقق ما يريد!!.
وعلى الرغم من الإعلان الضمني عن وفاة مشروع توشكى القومي على لسان الدكتور نظيف في صحيفة (الأهرام) قائلاً: "إن ما أنفق عليه لو صُرِفَ على غرب الدلتا لكان ذلك أفضل، فهناك أراضٍ قابلةٌ للزراعة بمساحات كبيرة جدًّا، وهي قريبة من خطوط النقل ومن شواطئ البحر المتوسط، وهو ما يساعد على التصدير"، إلا أن وزير الري والموارد المائية أعلن في تصريحاته على هامش حضور حفل تخريج الدفعة الـ11 من دبلوم المياه بهندسة القاهرة أنه تمَّ وضع خطة تنفيذية لإنهاء أعمال المشروع، وجذب مزيدٍ من الاستثمارات الزراعية للعمل فيه.
يأتي هذا في الوقت الذي كشف فيه مصدر مسئول بمشروع توشكى أن وزارة الزراعة اتجهت في الفترة الأخيرة إلى تعديل العقود الجديدة للشركات؛ حيث يتم تسليم قطعة الأرض على مراحل بواقع 20 ألف فدان في المرحلة الأولى، وبعد استصلاحها يتمُّ تسليمه 20 ألف فدان أخرى حتى الانتهاء من كل المساحات المخصَّصة كوسيلة لضمان جديَّة المستثمرين والتزامهم.
والسؤال الذي يطرح نفسه بقوة: هل تصحِّح حكومة الحزب الوطني بهذا الاتجاه مسار الجريمة التي ارتكبتها في إهدار مليارات الجنيهات بمشروع توشكى أم أننا بصدد استمرار مسلسل نزيف المال العام في مشروعات قومية "فاشلة"؟! وهل تنجح الحكومة في إحياء ذلك المشروع من جديد؟! وما وجه الربط بين تصريحات رئيس مجلس الوزراء وخطة وزير الري حول ذلك المشروع؟ ولماذا أسقطت موازنة 2009م المشروع من حساباتها؟ وما السبب الرئيسي وراء عدم نجاح ذلك المشروع حتى يومنا هذا؟!
(إخوان أون لاين) يجيب عن تلك التساؤلات في سطور التحقيق التالي:
في البداية يشير الدكتور زيدان عبد العال الخبير الزراعي السابق بالأمم المتحدة والأستاذ بكلية الزراعة بجامعة الإسكندرية إلى أن ما تطلقه الحكومة من أنباء عن خطط لإنهاء أعمال مشروع توشكى أو تغيير لعقود الأراضي؛ ما هي إلا فرقعة إعلامية زائفة لا تتفق مع الواقع؛ لأن دراسة الجدوى التي تمَّت للمشروع في بادئ الأمر لم تكن كافيةً.
ويضيف أن الدراسات التي أُجريت للمشروع من قِبَل عدد من الباحثين الزراعيين والجيولوجيين بجامعة الإسكندرية؛ أثبتت أن منطقة أرض توشكى تعاني من ظروف بيئية قاسية؛ بسبب ارتفاع درجة الحرارة التي تتسبَّب في زيادة كميات "البخر" وفقدان كميات كبيرة من المياه التي تحتاج إليها أراضي توشكى بشكل كبير.
وعن البدائل المتاحة لحلِّ المشكلات المتعلقة بزراعة أراضي توشكى؛ أكد د. عبد العال أنه لو تمَّ إزالة التلوث في مياه النيل والمجاري المائية والأراضي الزراعية فسوف تتوافر مياه لأراضي توشكى بكميات كبيرة، وستزيد إنتاجية الأرض كمًّا وكيفًا بما يعادل إضافة 3 ملايين فدان.
ويوضح عبد العال أنه إذا أقدمت الحكومة على تغيير عقود توشكى أو خطط لإنهاء العمل بها؛ فلا بد من أن تشكّل لجنة تحكيم من الخبراء والمتخصِّصين يقومون بدراسة علمية لأحوال الأرض وتحديد التوقيت المناسب للزراعة.
فردية القرار
زكريا الجنايني

ويوضح زكريا الجنايني عضو الكتلة البرلمانية للإخوان المسلمين وعضو لجنة الزراعة والري بمجلس الشعب أن قرار تنفيذ مشروع توشكى من بدايته لم يتم تمريره عبر القنوات الشرعية ولا من خلال المتخصصين، ولكنه تمَّ عبْر طريقة ديكتاتورية بما يسمَّي "وجهة النظر الواحدة"؛ مما جعل مصير البلد بأكملها خاضعًا لوجهة النظر تلك، ولذلك لم يُكتب للمشروع أي نجاحات.
ويصف الجنايني قرار تنفيذ مشروع توشكى بأنه قرارٌ فاقدٌ للصواب، وأضرَّ بمصر كثيرًا، مشيرًا إلى أنه كان هناك مقترحاتٌ عديدةٌ لعدد من المشاريع يتم تنفيذها بعيدًا عن مجرى توشكى، ولكن لم تتوافر استجابة لهذا الاقتراح من قِبَل المسئولين؛ حيث كانت تستثمر تلك الأراضي في زراعة فواكه يتم تصديرها لعدد من أمراء الخليج.
ويستبعد الجنايني أن تؤدي عملية تعديل عقود المشروع إلى تعويض حجم الخسائر، أو تحقيق نجاحات له؛ لأنه قام في الأساس على قاعدة خاطئة، وبالتالي لا يتوقع أن يكتب له نجاح مهما فعلت الحكومة من تعديلات.
دراسة فاشلة
مشروع توشكى

ويرى الدكتور عبد المطلب عبد الحميد أستاذ الاقتصاد بالمعهد القومي للتخطيط أنه لا جدوى مما تثيره الحكومة من أخبار حول خطط تطوير مشروع توشكى، مؤكدًا أن المشروع أثبت عدم جدواه، وليس السبب العلماء والباحثين الذين درسوا وخططوا للمشروع، ولكنَّ فشل هذا المشروع يقع على الإرادة السياسية التي قطعت عزمًا على تنفيذ ذلك المشروع، على الرغم من توالي تحذيرات الخبراء الزراعيين والمتخصِّصين من عدم تنفيذه.
ويشدِّد على أن دراسة الجدوى التي تمت للمشروع كانت فاشلة؛ لأن المشروع يعتمد في 80% من مياه الري على المياه الجوفية، ولكن ما حدث كان مخالفًا للتقديرات التي حدَّدتها دراسة الجدوى، بالإضافة إلى أنهم حينما اتجهوا لحفر الآبار اكتشفوا أن مياهها غير كافية لتغطية مساحة الأراضي المزروعة.
ويستنكر د. عبد الحميد الاستيقاظ المتأخِّر للحكومة عندما أسقطت مشروع توشكى من ميزانيتها لعام 2009 وكأنها "فاقت لما خربت مالطا"!.
قرار سياسي
ممدوح الولي
وعن إمكانية الاستفادة من مشروع توشكى مع تعويض حجم الخسائر الناجمة عنه بناءً على تعديل العقود؛ يقول ممدوح الولي الخبير الاقتصادي ونائب مدير تحرير (الأهرام) إن المسألة مرتبطة بصناعة قرار سياسي، وإن المشروع حينما أُطلق تنفيذه في عهد حكومة كمال الجنزوري تسبَّب في خسائر كبيرة أدَّت إلى قلة السيولة من العملة المحلية؛ مما يشير إلى أن نجاح المشروع أو فشله مرتبطٌ بالمطبخ السياسي الذي يتخذ قراراته دون مسئولية أو خطوات مدروسة مسبقًا.

ويوضح الولي أن مشروع توشكى تمَّ اتخاذه ضمن إطار المشروعات الكبرى غير المدروسة التي استنزفت أموالاً كبيرةً تعدَّت 6 مليارات جنيه، ولم يظهر لها أي أثر في أرض الواقع؛ حيث تمَّ تسليم أرض المشروع لعدد من الشركات مثل الوليد بن طلال والقابضة للتجارة، وكذلك لبعض شركات القوات المسلَّحة.
وألمح الولي إلى مشهد تمَّ بمشروع توشكى، أظهر مدى سوء الإدارة وكمّ الخداع الذي مارسه النظام في ذلك المشروع، مشيرًا إلى أنه خلال إحدى زيارات الرئيس مبارك للمشروع لم تكن الأرض مزروعةً، كما ظهر على شاشات التلفاز، ولكن كانت صحراء جرداء؛ تحايل عليها المسئولون ووضعوا طبقةً طينيةً، ومن ثم قاموا بزراعة نباتات سريعة النمو لونها أخضر تشبه حقول الأرز، وبالفعل خلال فترة وجيزة نمت تلك النباتات الخضراء، وجاءت زيارة الرئيس ليلتقط له صورةً بجانب الأرض.
وأضاف الولي أنه خلال تلك الفترة تمَّ حفر العديد من الآبار لري الأراضي الزراعية، وبعد أن انتهت الزيارة تمَّ ردمها.
محاسبة المستثمرين
وعن سبل التطوير والنهوض بمشروع توشكى؛ يوضح الدكتور إبراهيم عبد العزيز أستاذ الأراضي بالمركز القومي للبحوث الزراعية أنه يتعيَّن على الحكومة وعلى المسئولين بالدولة منحُ المشروع القدرَ المطلوبَ من البحث والإنفاق بشكل أكثر استفاضةً؛ لأنه مشروعٌ كاملٌ وشاملٌ، يحتاج إلى بنية متكاملة من مرافق ومدارس ومبانٍ؛ لذا لا بد أن يتمَّ تحديد مهلة محددة للمستثمرين يتم فيها استثمار الأراضي، وفي حال عدم الوفاء خلال تلك المادة يتم سحب الأرض.
وأضاف د. عبد العزيز أنه لا بد أن تقوم الأجهزة المسئولة بالدولة بفرض عقوبة على المقصِّرين من مستثمري القطاع الخاص، الذين حصلوا على الأراضي ولم يقوموا بزراعتها.
ويضيف د. عبد العزيز أنه من البدائل الجيدة للمشروع أن يتمَّ زراعة المحاصيل التصديرية مثل القمح والبطاطس؛ من أجل سدِّ الفجوة في الميزان التجاري التي تقدَّر بـ10 مليارات.
ويصف د. عبد العزيز تضارب تصريحات المسئولين حول مشروع توشكى وجدواه بأنها متهورة، قائلاً: "إنها ناتجة من رغبة الحكومة في أن تلقي بالكره في ملعب المستثمرين"، مؤكدًا أن أرض توشكى كانت موزَّعةً ضمن أراضي التوسع الأفقي، "ولكننا كان لدينا فرصة بأن نتحرَّك نحو الساحل الشمالي ووادي النطرون لكي يكون هناك إنتاج زراعي سريع".