- رئيس اللجنة القومية للكوارث: لم نجتمع إلا مرة واحدة
- خبير بإدارة الأزمات: للأسف نتحرك بعد تفاقم الكارثة
- مدير الهلال الأحمر: يجب تدريب المواطنين لمواجهة الوباء
- الخولاني: معاملنا غير مؤهلة لمعرفة تطورات الفيروس
تحقيق- صالح الدمرداش والزهراء عامر:
طغت قضية انتشار إنفلونزا الخنازير، التي تتوقع الدراسات أن يُصاب بها نصف سكان العالم تقريبًا على جميع القضايا الأخرى التي تؤرِّق الشارع المصري؛ خاصة أن الإنفلونزا التي ظهرت سنة 1918م قتلت ما يقرب من ضحايا الحرب العالمية الأولى والثانية، وعملاً بقاعدة "إذا لم تستطع التنبؤ بالمستقبل فعليك الاستعداد له"؛ فإن الحكومة المصرية أعلنت عن عدد من الترتيبات استعدادًا للتصدِّي للمرض.
فقد أعلن وزير الصحة حاتم الجبلي أنه في حالة انتشار الوباء فسوف يتمُّ تحويل المدن الجامعية إلى حجر صحي، وسوف يتم إقامة مستشفيات ميدانية لعلاج المواطنين في الشوارع، والبعض سوف يتم علاجه بالمنزل، كما "حصلت على فتوى من الأزهر بجواز الدفن الجماعي"، بالإضافة إلى تخفيض قوة العمل إلى الربع.
![]() |
|
د. حاتم الجبلي |
ولكن.. في ظل صرخات الخبراء والمتخصصين المتعاقبة من أن فيروس إنفلونزا الخنازير "H1N1" قابل للخلط أو التزاوج مع فيروس إنفلونزا الطيور والإنفلونزا الموسمية العادية، وفي ظل توقعهم للسلالة الجديدة أن تكون أكثر ضراوةً؛ هل تستطيع وزارة الصحة بمفردها مواجهة الوباء؟!
فضلاً عن أن الخبراء أكدوا أن "التاميفلو" لا يقضي على الفيروس كما هو شائع، ولكنه يقلل من إمكانية الإصابة وانتقال العدوى من شخص إلى آخر، وذلك خلال أول 48 ساعة من ظهور أعراض المرض على الحالة المصابة، في حين أنه ظهرت حالتان تحاولان مقاومة المصل في "اليابان والدنمارك".
هل نحن بحاجة إلى وضع إستراتيجية وطنية تهدف إلى تحديد المسئوليات والمهام؛ لمواجهة كارثة انتشار الوباء؟ ولماذا لا يتم إعلان حالة تعبئة عامة بين المواطنين للتطوع ومكافحة انتشار الأوبئة والأمراض على طريقة التعبئة أيام الحروب التي مرت بها مصر طوال تاريخها المعاصر؟!
مجلس الكوارث
الدكتور مغاوري دياب رئيس اللجنة القومية للكوارث يؤكد وجود مجلس أعلى للكوارث برئاسة رئيس مجلس الوزراء؛ ولكنه لم يجتمع إلا مرةً واحدةً فقط بعد حادثة غرق العبَّارة، وتقوم اللجنة القومية للكوارث بإعداد التقارير والدراسات لمواجهة الكوارث والاستعداد لها وإدارة الأزمات، ولكنها مجرد توصيات على الورق فقط، فحتى الآن لا توجد هيئة تنفيذية أو تنسيق بين أجهزة الدولة المختلفة لتطبيقها، فمصر غير معنية بالكوارث البيولوجية ومواجهة الأوبئة حتى لو أكد البعض عكس ذلك، والارتباك في طريقة التخلص من الخنازير ودفنها الذي اتسم في كثير من المواقع بالعشوائية؛ يؤكد غياب المنظومة العلمية.
![]() |
|
انتشار الأقنعة الواقية خوفًا من إنفلونزا الخنازير |
أما عن دور المجتمع المدني والجمعيات الأهلية فيؤكد الدكتور دياب أهمية دورها في الدول الغربية؛ فلها تنظيمات تقوم بأدوار فعالة في مواجهة تلك الأزمات، ولكنها في مصر لا تجد أي دعم حكومي، على حدِّ تعبيره.
وبالرغم من وجود جهاز لمواجهة الكوارث بوزارة البيئة فإن المسئولين في الوزارة؛ أكدوا أن مسئوليته تنحصر في مواجهة كوارث تلوث الشواطئ أو مجرى النيل، أما كوارث الأوبئة والأمراض فهي اختصاص وزارة الصحة، أما مشكلة نظافة البيئة فهي من اختصاص أجهزة الأحياء والمحافظات التي تتوافر لها العمالة والتمويل اللازمان لأداء مثل هذا العمل.
تحرك سلحفائي
ويُبدي الدكتور حسن محمد وجيه خبير إدارة الأزمات بمركز إعداد القادة أسفه؛ لأن من طبيعة المصريين عدم التحرك إلا بعد وقوع مشكلة كبيرة ويؤكد أننا بحاجة إلى حملة توعية على أسس علمية يشرف عليها متخصصون بدون تهويل أو تهوين، وقضية المعلومات المتضاربة جزءٌ مهمٌّ جدًّا من المشكلة؛ فبعض أساتذة الطب الذين ظهروا في وسائل الإعلام؛ أكدوا أن الفيروس ضعيف مثل الإنفلونزا العادية أو أقل حدةً، ولا داعي للقلق، وروَّجوا لنظرية المؤامرة لصالح سوق المطهرات والأمصال والأدوية؛ ممَّا أشاع نوعًا من الارتياح في حين أن الحقيقة مغايرة لذلك تمامًا على حدِّ قوله.
وعلى عكس ذلك ترى الدكتورة عزة كريم أستاذ علم الاجتماع بالمركز القومي للبحوث الاجتماعية والجنائية أن هناك مبالغةً شديدةً لصرف انتباه المواطنين عن أشياء أخرى تثير استياءهم، وإعلان التعبئة العامة سوف يُثير حالة من الذعر؛ مما يؤثر في الإنتاجية وقوة العمل، ويجعل المواطنين يلزمون البيوت، فما دام وجد علاج لفيروس إنفلونزا الخنازير فلا توجد منه أي خطورة، كما أكد العديد من الأطباء على شاشات الفضائيات.
فالحل في اهتمام وزارة الصحة برفع مستوى أداء مستشفياتها وتوفير العلاج اللازم، كما تقوم الأحياء والمحافظات المسئولة بدورها في تنظيف الشوارع، فانتشار القمامة يساعد على انتشار الأمراض، وليس من المعقول أن يدفع المواطن كلَّ هذه الأموال على فواتير الكهرباء، ولا يجد الخدمات المطلوبة في مقابلها.
إجراءات احترازية
ويوضِّح الدكتور أحمد الخولاني عضو الكتلة البرلمانية للإخوان المسلمين بمجلس الشعب أنه من المتوقع حدوث تحوُّر للفيروس وظهور سلالات جديدة غير معروفة؛ خاصةً بعد أن أصبحت مصر بيئةً خصبةً لفيروسات الإنفلونزا.
![]() |
|
د. أحمد الخولاني |
وأكد ضرورة زيادة الاحتياطيات الصحية والإجراءات الاحترازية في ظل عدم معرفة مدى ضراوة الفيروس القادم؛ خاصةً بعد أن ثبت عدم فاعلية المصل.
وأضاف أن المعامل المصرية تعاني من ضعف الإمكانيات المادية والأجهزة المتخصصة التي تمكِّنها من عمل الأبحاث الخاصة بالفيروسات، وهو ما يسبِّب عدم القدرة على معرفة مدى خطورة الفيروس، ونكتفي بمعرفة المعلومات من الخارج.
وأشار الخولاني إلى قيام بعض الشركات المحلية بالعديد من المحاولات لإنتاج الأمصال؛ ولكن وُضِعَ أمامها العديد من العراقيل التي تقيِّدها؛ حتى لا يتسنَّى لها الفرصة من إنتاج المصل، وذلك حتى يظل المنتج الأجنبي محتكرًا له.
وأكد أن ما تقوم به الحكومة من إجراءات لا بأس به في هذا الوقت؛ لأن الحالات التي ظهرت عليها أعراض المرض كلها حالات قادمة من الخارج أو من جنسيات أجنبية غير مصرية، فهذا الجهد لا أحد يستطيع أن ينكره؛ ولكن المشكلة تكمن في استحالة منع المرض من الانتشار، موضحًا أن الفيروس عندما يدخل جسم الإنسان يحتاج إلى فترة حضانة، وأثناء فترة الحضانة قبل ظهور أعراض المرض يتعامل الإنسان مع عشرات الأفراد، وبهذا تنتقل العدوى مباشرةً للآخرين.
ويقول إنه في حال زيادة الإصابات وعدم المقدرة على السيطرة لا بد أن تلجأ الحكومة إلى إغلاق المطارات نهائيًّا، وهذا سوف يعتبر إجراءً عالميًّا سيلتزم به العالم كله.
وفيات بالآلاف
ويحذر د. فاروق الدسوقي رئيس الجمعية البيطرية المصرية من حدوث تزاوج فعلي بين الفيروسين؛ لأنه قد يؤدي إلى مقاومة العلاج الحالي، ويتسبب في حدوث وفيات بالآلاف.
وطالب بضرورة الفصل بين بيئة الخنازير وبيئة الطيور؛ لأن اجتماعهما في مكان واحد يكون الوسط المناسب لتحور الفيروس، موضحًا أنه من الصعب القضاء عليه نهائيًّا، وأكد أنه لا يمكن الوصول إلى مصل فعَّال في ظل تمحور الفيروس؛ ولكن لا بد من تطوير اللقاحات وإنتاجها من نفس التركيب الجيني للفيروس.
وشدَّد على ضرورة البعد عن المصادر التي ينقل من خلالها العدوى، إلى جانب البعد عن تناول الدجاج المصاب، وبذلك نستطيع الوقاية منه؛ لأن الفيروس ضعيف بطبيعته، وذلك لأنه يمكن التخلص منه عند درجه حرارة 60 إلى 70 درجه مئوية.
وألقى الدسوقي الضوء حول طرق الحماية من انتقال العدوى، قائلاً: "نمنع مسألة التقبيل عند السلام، نغسل أيدينا باستمرار، وألا نعطس أو نكحَّ في أيدينا؛ لأن ذلك يمكن أن ينقل الفيروس إما إلى الآخرين أو إلى أنفسنا إذا فركنا عينينا أو استخدمنا اليد على الوجه مرةً أخرى، عدم التواجد في الأماكن المزدحمة غير جيدة التهوية، أخذ بعض أنواع لقاح الإنفلونزا الموسمي الذي يقلل من احتمالية حدوثه".
مستشفيات ميدانية
وتؤكد الدكتورة ماجدة الشربيني مديرة جمعية الهلال الأحمر أن الجمعية تقوم حاليًّا بتدريب 900 متطوع على أيدي مدرَّبين متخصصين في منطقة النهضة والقليوبية، وهي مناطق ريفية وحضرية، على كيفية مواجهة الوباء إذا انتشر على نطاق واسع، ومساعدة الجهات الصحية أثناء عملهم في المستشفيات الميدانية بالشوارع، وإقامة الخيام والأسرة، وتقديم الدعم النفسي للأسر وتلبية جميع احتياجاتهم، وتوضيح كيفية رعاية وعزل المريض أثناء علاجه بالمنزل، وتمريضه من خلال شخص واحد فقط، واشتراطات الغذاء الصحية ومنع الزيارة عنه.
![]() |
|
طوارئ بالمطارات المصرية للكشف عن مصابي إنفلونزا الخنازير |
أما الشروط الواجب توافرها في المتطوع فتشمل بالخصوص أن يتراوح سنُّه من 20 إلى 30 سنة، وعلى قدر من التعليم العالي أو المتوسط، ويفضل من سبق له العمل في المجال الاجتماعي، خاصةً من نوادي الشباب، وتشجيع دخول أفراد جدد خاصة في فروع الجمعية بالمحافظات، ولكننا في الوقت الحالي، لا نريد فتح باب التطوع لعدم إثارة الهرج والمرج بين المواطنين.
تقاعس الشركات
ويعترف أحمد نصار رئيس مجلس إدارة هيئة نظافة وتجميل الجيزة بأن عمليات تنظيف الشوارع ورفع أكوام القمامة ما زالت دون المستوى المطلوب؛، لوجود تقاعس من شركة النظافة الإيطالية المسئولة، وإهمال العمالة التي تعاني من ضعف المرتبات وتلجأ إلى التسوُّل.
ويضيف نصار أن السبب في عدم نظافة الطريق العام هو سلوكيات بعض المواطنين في إلقاء المخلَّفات في غير الأماكن المخصصة، وبعد التخلص من زرائب الخنازير يقوم جامعو القمامة أيضًا بإلقاء كميات من قمامة المنازل في الشوارع، ولذا نعمل على توفير حاويات لتجميعها؛ لتقوم السيارات بنقلها إلى المقالب العمومية بعيدًا عن الكتل السكنية.
وفي الوقت الحالي تقوم هيئة النظافة بأعمال الشركة الإيطالية وتعويض النقص في خدمات النظافة على حسابها، بحسب نص القانون الذي يعطينا الحق في خصم تكلفة التنظيف من مستحقاتها عند تقاعسها عن العمل.



