يعتبر هذا الموضوع من أهم المواضيع التي تمس الواقع الدعوي وساحة العمل الإسلامي، ولم يلق هذا الموضوع الاهتمام اللائق به من الكتابة فيه باستثناء كتاب (التقويم الدعوي)- صدر ضمن سلسلة رسائل العين-؛ لذا يأتي الحديث عن التقويم الدعوى كأحد أهم أركان الخطة الدعوية بشكلٍ عام؛ أملاً في الانتباه لهذا الطرح، وأخذ موضوعه بمأخذ الجد؛ نظرًا لخطورته البالغة وآثاره المترتبة عليه؛ حيث إن عملية التقويم هذه تمارس من قِبل كثيرٍ من الدعاة في غياب قواعده التي تضبطه من الإفراط وأصوله التي تحكمه من التفريط ليؤدي دوره الصحيح في طريق الدعوة المبارك.

 

وسيكون حديثي عن (التقويم الدعوي) منطلقًا من الواقع الذي يعيشه الكثير من الدعاة في التعامل مع هذا الموضوع، وسأجمله في النقاط التالية:

1- المقصود بالتقويم الدعوي

2- أهمية التقويم الدعوي

3- آليات التقويم الدعوي

4- عملية التقويم بين الإفراط والتفريط

5- قواعد حاكمة في التقويم الدعوي

 

1- المقصود بالتقويم الدعوي

المقصود به في العمل الدعوي الحركي: الوقوف على حال الفرد داخل الصف وأحيانًا خارجه بشكلٍ متكامل؛ مما يترتب عليه إسناد وظيفة له أو القيام بمهمة دعوية معينة أو اتخاذ موقف تجاهه سلبًا أو إيجابًا.

 

2- أهمية التقويم الدعوي

تكمن خطورة التقويم الدعوي ووجوب الدقة والتحري فيه في:

1- الانتقال من مستوى إلى مستوى.

2- الترشيح إلى مهمة دعوية أو تولي مسئولية معينة.

3- معرفة مدى تحقق الأهداف الدعوية وبخاصة التربوية منها.

 

3- آليات التقويم الدعوي

1- شهادة الناس وما ينتشر بينهم: وهي الأصل في الحكم على الناس وأحوالهم.

2- الاختبار والامتحان: ويمكن للجماعة المسلمة والمسئول أن يسلك طريق الاختبار والامتحان بواسطة التكليف بالمهمات الخاصة وبمراقبة تنفيذ التكاليف الدعوية، والنظر إلى الممارسات الدعوية للداعية، وكذلك فإن معرفة تاريخه خلال عمله هو نوعٌ من الاختبار بالممارسة.

 

3- الجرح والتعديل (ذم صفات في الفرد أو مدحها والثناء عليها): وتظل دائرة التوثيق والتضعيف أحد أهم الطرق للتقويم الدعوي ولا غنى عنها.

 

4- عملية التقويم بين الإفراط والتفريط

الأولى: عدم التحري وسرعة المجازفة:

وتعتبر هذه من أبرز السلبيات فإذا طلب تقييم شخص من الأشخاص اكتفى المقيمون بالتقديرات والتخمينات والحوادث الشاذة والأفعال النادرة التي قد ربما تصدر من الشخص مرةً واحدة في حياته ثم يُبنى عليها.

 

الثانية: غياب الإنصاف

فإذا طلب من المقيمين لفرد من الأفراد جرحه أو تعديله تحدَّث البعض عن مواقف تعرَّض لها معه، إما مواقف يحمده عليها فيكون التعديل بمثابة الجزاء على صنيعه معه، أو مواقف يذمه عليها فيكون التجريح بمثابة العقاب على فعله ذلك معه فينقلب الأمر عداءً شخصيًّا أو علاقة شخصية.

 

وهذه السلبية نشأت عندما لم يلتفت لقول الله تعالى: ﴿وَإِذَا قُلْتُمْ فَاعْدِلُوا وَلَوْ كَانَ ذَا قُرْبَى﴾ (الأنعام: من الآية 152).

 

وقد سُئِلَ علي بن المديني عن أبيه فقال: اسألوا غيري فأعادوا عليه فقال: إنه الدين. أبي ضعيف.
وسُئِلَ الإمام أحمد عن ابنه عبد الله فقال: كذاب.

 

وهذا من تحري العدل والإنصاف والتجرد عند علي بن المديني وابن حنبل.

لا بد من التجرد عن القرابة الشخصية أو العداء الشخصي إن حدث معه موقف يومًا ما أخذه في نفسه وبقي ينظر إليه بعين ذلك الموقف والكمال عزيز, وقد قيل: العدل في الشيء صورة واحدة والجور صور كثيرة، وهما يشبهان الإصابة في الرماية والخطأ فيها؛ فإن الإصابة تحتاج إلى ارتياض وتعهد والخطأ لا يحتاج إلى شيء من ذلك.

 

الثالثة: غياب النصح للشخص المجروح:

فإذا اكتشف في فرد من الأفراد خطأ أو ملاحظة يسكت عليها، ويبقى على ذلك أزمان دون الالتفات إلى عيبه والجلوس معه ونصحه، بل يسكت عليه ويبقى في نفوس المُقيِّمين ذلك دون إبدائه له ومحاولة نصحه وإصلاحه واستكمال نقصه.

 

الرابعة: التقويم بما أقلع عنه (الحكم عليه بما تاب منه)

آفة خطيرة لدى لجنة التقويم أو لدى بعض أفرادها وهو الحكم على الشخص بحوادث ماضية ربما مضى عليها سنون، وقد تاب منها وأقلع عنها، والتوبة تجبُّ ما قبلها، والتبدل سنة القلوب.

 

قال الإمام السخاوي: وكذا يجتنب التعرض للوقائع المنقصة الصادرة في شبوبية من صيَّره الله تعالى بعد ذلك مقتدى به، فمن ذا سلم والاعتبار لحالة الآن، والأصل ستر المعاصي.

 

الخامسة: الحكم عليه بالصفات الطارئة:

فيقوم بما حدث منه طارئ أو بحادثة لا تتكرر، وهذا من الخطأ؛ فإن التوثيقَ يُبنى على صفة لازمة لا على صفة طارئة أو منفردة لأنها لا تتكرر.

 

من أجل ذلك كان لا بد لعملية التقويم أن تتغير مع تبدل الزمان, وألا يقتصر الدعاة والمربون على تقويم مرحلة معينة.

 

السادسة: تلازم الأحكام رغم مرور الأيام:

ومن السلبيات المشهورة خلل يحدث للجنة المقومة للفرد، وهو أنها بعد جرحه يبقى هذا الجرح في نفوس أفرادها، وتبقى تلك الأخطاء في أذهانها، وينظر دائمًا إلى هذا الفرد بتلك النظارة.

 

وعليه فإن الجرحَ لا ينافي الصحبة والإخوة والولاء والبراء، كما قرر ذلك شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى.

 

السابعة: الإسراف في الجرح:

وهذه سلبية أيضًا؛ فالتمادي في جرح الشخص وكثرة التنقيب عن أخطائه وإبرازها من الظلم الذي لا يجوز أن نقترفه.

 

قال الإمام السخاوي: وإذا أمكنه الجرح بالإشارة المبهمة أو بأدنى تصريحٍ لا تجوز له الزيادة على ذلك، فالأمور المرخص فيها للحاجة لا يرتقى فيها إلى زائدٍ على ما يحصل الغرض.

 

الثامنة: انتشار خبر الجرح:

 بعض من الذين يشهدون عملية التقويم يطلع على جرح أحد الدعاة في إطار أمرٍ معين فإذا به يبوح بذلك لمَن لا يعنيه هذا الأمر، وهذا لا يصح فالمجالس بأماناتها.

 

5- قواعد حاكمة في التقويم الدعوي

هذه القواعد ستساعد بإذن الله تعالى على تلافي الكثير من السلبيات، وتجعل موضوع التقويم الدعوي أكثر حزمًا وانضباطًا والتزامًا.

 

القاعدة الأولى: الإخلاص

على مَن يقوم بعملية التقويم الإخلاص في قوله، وأن يكون التوثيق والتضعيف مقرونًا بحب الأجر والمثوبة، وأن يكون كلٌّ من المدح والثناء أو الذم والنقد خالصًا لوجه الله تعالى غير مشوب بنيةٍ أخرى كأن يكتسب من وراء ذلك مصلحة شخصية حتى ولو كانت صغيرة كاكتسابِ وُد أو عبارة مجاملة أو أن يحصل شيء لنفسه، كما يجب أن لا يكون المدح من أجل تقريبِ شخصٍ لصداقةٍ خاصة أو مودة قريبة أو علاقة دعوية سابقة، كما ينبغي أن لا يكون الذم من أجل استبعاد شخصٍ أو محاربته لهوى جامح أو رغبة ذاتية أو لخلافٍ في الرأي, أو لحسدٍ طارئ, إذْ إن عملية التقويم يُراد لها أن تكون خالصةً حتى تُؤتي ببركة ثمارها للدعوة، كما يجب التذكير أن ذمة الله ورسوله تبرآن ممن رشَّح أحدًا لمهمةٍ وهو يرى غيره أصلح لها.

 

القاعدة الثانية: الموازنة بين الجرح والتعديل

وذلك بعدم الاكتفاء بطرق جانبٍ على آخر فتطرح محاسن القوم ومساوئهم، ويوازن بينها وعند تساوي الجرح والتعديل في شخصٍ يقبل الجرح إذا كان مفسرًّا بينًا واضحًا؛ ذلك لما لذلك من خطورة قبول هذا الشخص وترقيه على وحدة الصف وعلى المهمات الموكلة إليه.

 

القاعدة الثالثة: إذا بلغ الماء قلتين لم يحمل الخبث

بمعنى إذا زادت حسنات الشخص على سيئاته فيقبل ولا يعتد ببعض النقد الموجه إليه.

 

وقد كان شيخ الإسلام ابن تيمية إذا تحدَّث عن شخصٍ وفيه كذا وكذا. قال: "له سيئات غرقت في بحورِ حسناته"، فمن ذا سلم، وكفى المرء نبلاً أن تعد معايبه.

 

ومَن الذي ما سـاء قط         ومَن له الحسـنى فقط

القاعدة الرابعة: عدم الوصف بما لا يعلمه إلا الله

وذلك كالجزم بالنفاق وسوء الظن والكبر أو دخول الجنة فإن ذاك أمره إلى الله تعالى، وإنَّا كما قرر الإمام الشافعي- رحمه الله تعالى في قاعدته الذهبية-: "لنا حكم الظاهر، والله يتولى السرائر".

 

القاعدة الخامسة: الصدق المبني على العلم

فشرط في التقويم صحة المعلومة التي يبنى عليها الجرح والتعديل، ولا مكانَ فيها للتقديرات أو التوقعات أو الظنون أو الاحتمالات أو الكذب، وقد أخرج مسلم عن النبي- صلى الله عليه وسلم-: "كفى بالمرء كذبًا أن يُحدث بكل ما سمع".

خذْ ما رأيت ودع شيئًا سمعت به            في طلعت الشمس ما يغنيك عن زحل

 

القاعدة السادسة: لا يقبل جرح الأقران في بعضهم

أفتى بهذا أهل العلم، وأجمعوا عليه إلا بدليلٍ صريحٍ صحيح، وخاصةً عند الفتن ومَن التسرع أن يبادر إلى سؤال قرين عن صاحبه أو زميل دراسة أو وظيفة قد حدثت بينهما من الاحتكاكات، وبعض المشاحنات والحسد ما حدث فيعتد قوله وليس بمعتمد عند فقهاء هذه الدعوة وعلماء الجرح والتعديل.

 

القاعدة السابعة: أن يبنى التوثيق على صفة ملازمة لا طارئة:

فلكل عالم هفوة، ولكل جواد كبوة، والنادر لا حكمَ له، ولا يعمل بالشاذ ولا بالطارئ إلا إذا تكرر، ووقائع الأعيان لا عمومَ لها.

 

وقد قرر الإمام الذهبي في مقدمة (سير أعلام النبلاء) أنه ترجم للمئات من العلماء قال: ولو أخذت كل واحد بزلته أو نادرته لما بقي لي أحد في هذا الكتاب.

 

القاعدة الثامنة: أكسِ ألفاظك أحسنها:

لا بد أن يستخدم الجارح أجمل الألفاظ ما وجد إلى ذلك سبيلاً قال تعالى: ﴿وقل لعبادي يقولوا التي هي أحسن﴾ (الإسراء: من الآية ).

 

قال المزني: دخل عليَّ الشافعي وأنا أقول فلان كذاب، فقال: يا إبراهيم، أكسِ ألفاظك أحسنها، لا تقل "كذاب"، بل قل ردوا حديثه وما أشبهه.

 

القاعدة التاسعة: تحديد الصفة التي يضعف من أجلها الشخص

والهدف من التحديد مصلحة العمل الذي سيتولاه فربما كانت فيه صفة لا مانع من وجودها مع العمل الذي سيتولاه، وربما عكس ذلك.

 

القاعدة العاشرة: لكل داء دواء يستطب به

فإذا تم تحديد مكامن الضعف لدى فردٍ من الأفراد فلا يترك لهذه الأمراض تنال منه ويخشى من انتشارها وتمكنها منه وتبقى الدعوة مفتقرة إلى هذا الفرد، وما أعطاه الله من مواهب وقدرات، فكل ميسرٌ لما خُلِقَ له، بل تبادر إلى علاج ذاك المرض وتطبيب المريض وإنقاذه مما هو مصاب به، وما أنزل الله من داءٍ إلا وأنزل له دواء، وإذا حدث أن لم يعالج ويستكمل نقصه ويقوي ضعفه فاللائمة تكون على لجنة التقويم التي أهملت ذلك.

 

إذا رمت الجراح على فسادٍ             تبين فيه تفريط الطبيب

تلك عشرة كاملة يُراد لها أن تساعد على تخطي الكثير من السلبيات في التقويم الدعوي، وربما كانت به إلى الصواب أقرب منه إلى الخطأ.

 

وأسأل الله تعالى أن يُلهم الكاتب والقارئ إخلاص النية وصواب العمل، وأن ينفع بهذا العمل الجميع.. إنه ولي ذلك والقادر عليه، وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين.

-------------

* mahmoud_2m@yahoo.com