الدعوة عبارة عن شرح لمفاهيم الإسلام، وحث الناس على الالتزام بهذه المفاهيم وتطبيقها في حياتهم، وإزالة كل العقبات الشرعية والفكرية في سبيل تحقيق ذلك؛ حتى يصبح تطبيق الناس للإسلام سهلا ً وتلقائياً بلا تعقيد أو تكلف، وتتحول الأفكار إلى سلوك يومي لا يحتاج إلى معاناة وشد وجذب وجدل ومناهدة من هنا وهناك.
إذن الدعوة هي مجموعة من النظريات الصالحة للتطبيق في الحياة، يعرضها الدعاة في خطب الجمعة والدروس المسجدية، ويشرحها المدرس للطلبة في حصة الدين في المدارس والمعاهد الأزهرية، والأساتذة في كليات الدعوة والشريعة..
كل هذا جميل ومنطقي وضروري ومفهوم.
إلا أن غير الجميل أن تتوقف الدعوة عند حد الكلام، فلا تتعداه إلى مرحلة الفعل، مرحلة نزول النظريات من على المنابر لتتفاعل مع أرض الواقع، فيجد الناس الدين يتحقق أمامهم، وينقلهم إلى وضع أفضل؛ لأنهم فهموه والتزموا بتطبيقه، فيرون أنه كلما التزموا به أكثر كلما تحسن حالهم، وحلت مشكلاتهم أكثر، فيصرون على المزيد من المعرفة والتطبيق.
هكذا تنجح الرسالة وتنجح الدعوة وينجح الناس وينجح المجتمع، أما بدون ذلك فسيفهم الناس أن الموضوع كله كلام في كلام.
قد يقول قائل: وماذا يفعل الدعاة إذن؟ هذه هي مهمتهم أن يتحدثوا، ويوضحوا الفضائل، وينشروا الأخلاق، ويظهروا الأخطاء.
وأقول: إن معك الكثير من الحق، ولكن ربما ترى في رأيي بعض الحق:
1- الداعية يزداد في مسئوليته شيئًا عن الإعلامي، فإذا كان الإعلامي يكشف الحقائق ويحلل الأحداث ويقرأ الواقع، فهو ليس مطالباً بأكثر من ذلك، أما الداعية فإنه يتجاوز هذه الدور إلى أن يأخذ بيد الناسن ويستمع إليهم، ويسعى ليجد صيغة عملية لحل مشكلاتهم، عن طريق مبادرات خاصة من ابتكاره، أو عن طريق التعاون مع أفراد أو مؤسسات تحرك الناس وتبث فيهم الأمل والحياة.
2- الداعية ليس مدرسًا يذاكر مناهج ثم يلقنها للناس، الداعية باحث يفكر فيما يقرؤه ثم يعيد قراءته على الواقع، ثم يحدد درجة التطابق بين ما يقرؤه وبين اهتمامات الناس ومشاكلهم حسب مستواهم الديني والثقافي، ثم يخرج من هذا كله بحلول عملية قابلة للتطبيق السهل الحكيم دون غموض وبأقل قدر ممكن من السلبيات.
3- هناك فجوة هائلة بين النظرية والتطبيق عند الناس، هذه الفجوة صنعتها سنوات طويلة من قلة الثقافة الدينية، ودخول الدعوة في صراعات مع من يحاربونها ويحاولون إبعادها عن حياة الناس، إلى أن نجحت الدعوة ووصلت إلى مكانة ممتازة وواثقة في المجتمع المسلم، جعلت الناس في حالة استقبال جيدة؛ فانتشرت القنوات الفضائية، وتعددت البرامج الدينية، وأصبحت شيئًا أساسيًّا ومطلوبًا في وسائل الإعلام، بعد أن كانت شيئًا استثنائيًّا وضعيفًا.
ولهذه الفجوة.. فإن الناس تحتاج إلى دروس خصوصية في كيفية تطبيق الدين في معامل الحياة، تحتاج إلى معلم ماهر يأخذ بأيديهم؛ ليناقش معهم التفاصيل، ويصحح لهم الأخطاء؛ حتى يتعلموا ويكملوا المسيرة بأنفسهم.
الكلام صعب.. لكن تذكر أن اكتشاف الكهرباء التي لا يمكن الاستغناء عنها اليوم لم يكن له أي قيمة إلا بعد اختراع المصباح الكهربي، والذي يعد أعظم اختراع في التاريخ لهذا السبب.
كانت فكرة الجمعيات الإسلامية المنتشرة في ربوع مصر؛ أحد الأفكار الناجحة لتحويل الدعوة من مرحلة الكلام إلى مرحلة الفعل.
إلا أنني أقترح بعض الأفكار الأخرى:
1- مشروع الشارع النظيف:
يبدأ المشروع بالتوعية، ثم وضع برنامج مجدد يقوم به مجموعة من أهل الشارع أنفسهم، وبالتنسيق مع المجلس المحلي أو شركات النظافة، وبقليل من الأموال، وبعض المتابعة من مجموعات من الشارع نفسه، يمكن أن تلمس بعد فترة نتائج جيدة.
2- مشروع تربية الأبناء:
نبدأ التوعية بأهمية التربية ومسئولية الآباء في تعلم فنون التربية؛ لممارسة واجبهم نحو أبنائهم، ودعوة الآباء لتلقي دورات في تربية أولادهم، وبالاتفاق مع مركز تدريب ومدربين وبعض الدعايا، يمكن بدء المشروع، يتبعها تلقي محاولات الآباء في تطبيق ما سمعوه، وعرض مشكلاتهم على متخصصين، وهكذا.
3- مشروع بر الوالدين للشباب:
التوعية أولاً، ثم تقسيم مجموعات من الشباب في شارع واحد أو شارعين أو منطقة صغيرة، بالخروج في وقت واحد؛ لشراء بعض متطلبات الأسر، أو قضاء بعض احتياجاتهم، ثم الاتفاق على يوم أو يومين لمساعدة الأسرة في تنظيف المنزل أو غسيل الأطباق، ثم تعلن هذه التجارب في المسجد أو في لقاء يجمع هؤلاء الشباب، وتعقد ندوة للتقريب بين وجهات نظر الآباء والأبناء لعلاج توتر العلاقة بينهم.
4- مشكلة البطالة:
إطلاق فكرة مشروع صغير، ثم تسجيل أسماء من يريد الاشتراك، والاتفاق مع مدرب أو أكثر؛ ليدرب هؤلاء الشباب، وبالاتفاق مع مؤسسة تمويلية، يمكن بدء المشروع في حي أو منطقة، ومتابعة خطواته، وإعلانها في المسجد أيضًا.
هذه الأفكار وأفكار كثيرة أخرى، قادرة أن تنقل الدعوة إلى حيز الفعل والمشاركة والتأثير والنجاح؛ حتى لا يظن الناس أن الإسلام عبارة عن كلام ليس له علاقة بأرض الواقع.
وتلك نظرية دشنها الرسول الكريم منذ أكثر من ألف وأربعمائة عام حيث قال صلى لله عليه وسلم: "تعلموا ما شئتم أن تعلموا ، فلن تؤجروا حتى تعملوا".
------------