- السيد الغضبان: السيطرة الأمنية كاملة على الإعلام
- عبد الحليم قنديل: بعض الصحفيين تحوَّلوا إلى مخبرين
- ضياء رشوان: اعتدنا أن تستبق المداهمات حملة إعلامية
- عبد القدوس: اختراق لحدود الأمانة وخيانة ميثاق الشرف
تحقيق- هبة مصطفى:
"تنظيم دولي للإخوان، استغلال أموال التبرعات الإغاثية لتمويل الجماعة، مد الجسور مع بؤر دولية، اتجاه لتحويل قضية الإخوان الأخيرة للعسكرية......" عناوين بارزة تصدَّرت الصفحات الأولى لعدد من الصحف القومية "الحكومية" والخاصة، والتي تتقمَّص الأقلام الأمنية المسمومة في هذه الصحف دور القضاء، وتسارع بإصدار الأحكام في قضايا الإخوان قبل كلمة القضاء، بل وحتى قبل بدء التحقيقات في الاتهامات الملفقة باستخدام وسيلتهم المرفوضة؛ وهي: "كشف مصدر أمني مطلع، أو كشفت مصادر قضائية مطلعة".
لا بد من التأكيد أن الصحف القومية ليست ملكًا للحزب الوطني، وليست بوقًا لجهاز أمن الدولة، لكن كلاًّ من الحزب والجهاز الأمني اختطفا المؤسسات الصحفية والإعلامية، وأصبحا يتحكمان فيها، ونجح أمن الدولة في تحويل عدد من الصحفيين إلى مخبرين، أحدهم ينشر محاضر اجتماعات يزعم فيها أنها لأعضاء التنظيم الدولي للإخوان.. فهل كان حاضرًا تلك الاجتماعات؟ وهل هناك جهة إعلامية تابعة للتنظيم الدولي وجهت له الدعوة لتغطية تلك الاجتماعات إخباريًّا؟ أم أنها تقارير أمنية جاهزة حصل عليها من جهاز أمني؛ لينشرها على أنه انفراد صحفي؟
ويبقى السؤال: هل هذا هو دور الصحفي؟ وهل هذه هي الصحافة؟، وما تأثير الصحفيين المخبرين في الصحافة؟ هل يقويها أو يضعفها؟ وإلى أين تتجه الصحافة في ظل تنامي هذه الظاهرة في الوسط الصحفي؟ وتساؤلات عديدة أخرى يطرحها (إخوان أون لاين) على عدد من رموز الصحافة للإجابة عليها في التحقيق التالي:
مرتزقة
السيد الغضبان

يرى الكاتب والإعلامي الكبير السيد الغضبان أن ما حدث من تشهير مسبق للجماعة على صفحات الجرائد الحكومية ضد مبادئ الإعلام الذي يجب ألا يكون أداة دعاية لأحد، ولا يمكن أن يكون "بوق" دعاية للحكومة وحزبها الحاكم، وإنما يجب أن تكون أدواته ما هي إلا معلومات صحيحة وموثقة.
ويضيف: ما أصبح مؤلمًا للغاية أن تستغلَّ الأجهزة الأمنية الإعلام للدعاية للحكومة، وهو ما دعا تلك الأجهزة في حربها ضد كل ما يعترض أهدافها لتطويع الصحف الخاصة، ونقل تلك الحرب من صفحات الجرائد الحكومية إلى الخاصة التي يخضع معظمها لسياسة رأس المال، وبالتالي تصبح الحكومة مُسيطرةً على الإعلام الحكومي والخاص.
ويؤكد الغضبان أن ما يفعله صحفيو التعليمات يخالف الأمانة الصحفية وميثاق الشرف الصحفي، بل ويصفهم بـ"المرتزقة" الذين لا يستحقون حتى النصح بالتزام الحيادية، بل على العكس فهم يسهمون بجرمهم في إضعاف الصحافة المصرية.
انقلاب الموازين
عبد الحليم قنديل

يقول الكاتب الصحفي عبد الحليم قنديل والمنسق العام لحركة "كفاية": إن هناك خلطًا حادثًا ما بين أجهزة الأمن والسلطة الرابعة في مصر، فعلى غير المعهود انقلبت الموازين؛ فبعض الصحفيين أصبحوا من كبار قادة أجهزة الأمن وعيونه، بعد أن كان جهاز الأمن هو من يتولى أمر كتابة تقارير أمنية عن الصحفيين في الماضي.
ويضيف: إن تلك المجموعة من الصحفيين المخبرين أصبح عملهم الأساسي "ضابط مخبر" لأجهزة الأمن، وباتوا يتخذون من عملهم بالصحافة "عملاً إضافيًّا"، وفي هذا الإطار يتنافس صحفيو التعليمات للترقي في مناصبهم، طبقًا لمدى نجاح الحملات التي يتمُّ تكليفهم بها بصبغ تقاريرها بالصبغة الإعلامية، وحينها يتخلى كلٌّ منهم عما تلقاه من أدبيات المهنة، ويستقي معلوماته التي ينشرها من سيناريو وتصور أجهزة الأمن عن جماعة الإخوان، وليس من مصادره الخاصة.
ويستطرد قنديل قائلاً: "بالطبع وقتها يكون له السبق في كشف ما حول الجماعة المحظورة، دون أن يتساوى بزملاء مهنته، ويقول "حصلت مع غيري على تلك المعلومات"؛ ولكنه تتمُّ معاملته كأحد قيادات أجهزة الأمن ممن يكون له السبق في الاطلاع على السيناريو المطلوب نشره، بل وإقناع القارئ به.
ويدين قنديل انتقال عدوى تلك الحرب الإعلامية من الصحف القومية المختطفة لدى الحكومة إلى الجرائد الخاصة، وخاصةً في التغطية الإخبارية للاعتقالات الأخيرة لعدد من قيادات الجماعة، وعلى رأسهم الدكتور عبد المنعم أبو الفتوح، وتبلغ حلقات السيناريو الملفق مداها لتصبح الاتهامات الموجهة له هي ما قد نشرته سلفًا تلك الأقلام الأمنية الزائفة، وكأن ما يُنشر في الصحف هو دليل يُدان به المعتقلون، وليس تحقيقات النيابة أو التحريات والأدلة.
ويؤكد عبد الحليم قنديل أننا لسنا بصدد صحفيين يحصلون على معلومات؛ ولكننا بصدد مخبرين يعملون بالصحافة.
أزمة مهنية
ضياء رشوان

ويرى ضياء رشوان الخبير بمركز الدراسات السياسية والإستراتيجية بالأهرام أن هناك أزمةً طاحنةً لم تعصف وتشوه الإخوان وحدهم، ولكنها أطاحت بالعمل الصحفي والإعلامي بشكل عام، مؤكدًا أن من أهمِّ الأدبيات التي يرتكز عليها العمل الصحفي هي علاقة المحرر بمصدره الذي يستقي منه معلوماته.
ويعزو رشوان تفسيره لتلك الأزمة إلى الافتقار إلى أهم الصفات التي يجب أن تتوافر في المحرر الذي من المفترض أن تكون مرجعيته ميثاق الشرف الصحفي والأمانة المهنية والإعلامية؛ فالدقة وتحري الموضوعية في مصادر الأخبار، وعدم استباق الأحداث وتخيل سيناريوهات هي من أهم الأسس التي يجب أن تتوافر في المحرر الحقيقي.
وحول ما حدث من حملة التشويه للجماعة، والتي استبقت القضية الأخيرة يرى رشوان أنه أصبح من الأمر الطبيعي والمتوقع أن تستبق أية حملة دهم تغطية إخبارية وإعلامية كبيرة تمهد للحدث قبل وقوعه، وهو ما حدث بالفعل على صفحات بعض الجرائد الحكومية والخاصة، مشيرًا إلى أن نشر نصوص المحاضر والتحقيقات ليس الأزمة في حد ذاته؛ فهو حق مكفول للجميع، ولكن الأزمة الحقيقية ألا تستبق تلك المعلومات الحدث ذاته؛ فلا يجوز نشر نصوص تحقيقات للنيابة وأجهزة الأمن قبل أن تبدأ- وهو ما حدث في تحقيقات الاعتقالات الأخيرة- فضلاً عن أهمية إعلان كل محرر عن مصدره في تلك المعلومات؛ حتى تصبح موثقةً وحياديةً، وإلا سيُعَدُّ ما ينشره المحرر "خيانة" ومخالفة لميثاق الشرف الصحفي وكافة أدبيات المهنة.
خيانة الأمانة
محمد عبد القدوس

ويشير محمد عبد القدوس عضو مجلس نقابة الصحفيين إلى أن الإعلام منذ سنوات عدة، وهو يستهدف تشويه صورة الإخوان، وفي سبيل ذلك تحوَّل بعض المخبرين من الصحفيين من مندوبين لجرائدهم إلى مندوبين للأجهزة الأمنية.
وربط عبد القدوس بين حالة الاستبداد السياسي التي تعيشها البلاد بشكل عام وبين موقف السلطات في مصر من المعارضة بشكل عام، والإخوان بشكل خاص، وهو ما دفع الحكومة في حربها ضدهم لاستخدام كافة الأسلحة؛ حتى وإن كان من ضمنها تطويع الجهاز الإعلامي وبعض صحفييه، وتحويلهم إلى مخبرين، في الوقت التي تستعد فيه البلاد لتشهد عامين يحيطهما الزخم السياسي؛ حيث يشهد عام 2010م الانتخابات البرلمانية و2011م الانتخابات الرئاسية.
ويستطرد قائلاً: "في هذا السياق ترفع الأجهزة الأمنية شعار "الولاء قبل الكفاءة" أثناء انتقائها لصحفيي المعلومات، وفي مقابل هذا يتم تقديم إغراءات عدة؛ أولها وأهمها التعيينات والضمانات المادية" ونسي هؤلاء الصحفيون أنهم بذلك اخترقوا حدود الأمانة الصحفية، وتخلوا عن ميثاق الشرف الصحفي، وكأن الأمانة الإعلامية انعدمت لهؤلاء الصحفيين الذين تسببوا في إضعاف الصحافة المصرية التي تدنت للمرتبة الـ128 على مستوى العالم طبقًا لتقرير منظمة الـ(فريدم هاوس)؛ بسبب اهتمام بعض الصحفيين- وهم مَنْ أصبح مِن الطبيعي أن نطلق عليهم "صحفيو التعليمات أو المخبر الصحفي"- بإنشاء جهاز أمني واستخباراتي داخل البناء الإعلامي.
مكاسب شخصية
عبد الله السناوي

ويؤكد عبد الله السناوي رئيس تحرير جريدة (العربي الناصري) أن ما يمارسه صحفيو التعليمات من أصحاب الملفات والسيناريوهات المعدة سلفًا من قِبل الأجهزة الأمنية لا يمكن على الإطلاق أن يطلق عليها صحافة؛ لأن ذلك يتنافى مع كافة آداب المهنة.
وقال: إن الهجمة الإعلامية الحالية، والتي اهتمَّت بعض الصحف الحكومية والخاصة فيها بتشويه صورة الدكتور عبد المنعم أبو الفتوح القيادي بجماعة الإخوان، دون مراعاة لدوره الإغاثي العظيم وقت أحداث غزة وغيرها، وعلى الرغم من كونه شخصًا ذا قبول عام بين المجتمع المصري والنخب السياسية، فهو شخصية إسلامية معتدلة ومتفتحة، وهو رائد التجديد في الخطاب الإخواني، تعكس بشدة أهمية استعداد صحفيي التعليمات بسيناريو اتهامات ملفق، يليق برجل له حجم إنجازاته التي وصلت لمد جسور المصالحات الوطنية الكبرى بين التيارات الوطنية المختلفة، وهو ما دعا بعض الصحف لتلوح باحتمالية تقديمه لمحاكمة عسكرية؛ لاستخدام الإخوان كفزاعة لترويع الديمقراطية، وهو السيناريو الواهم الذي تستغله الأجهزة الأمنية بمعاونه الصحفيين الذين يستخدمون أقلامهم للنيل والتشهير لتحقيق مكاسب شخصية لهم.
ويحذر السناوي من التطور السلبي الذي يمكن أن يصيب الصحافة نتيجة ما يفعله هؤلاء الصحفيون، فمن أبسط أدوار الصحفي أن يحفظ حقوق المتهمين؛ خاصة إنْ كانوا شخصيات لهم دور حيوي في المجتمع بنشر تحقيقات موثقة ومعلومات حقيقية، وبذلك يصبح ما قدَّمه هؤلاء الصحفيون على صفحات جرائدهم لا ينطبق عليه مفهوم الصحافة.