![]() |
|
د. حسن الحيوان |
يرى بعض المثقفين أن نمط الإنتاج هو الذي يدفع إلى التنمية والتقدم الحضاري، أي أن عدم وجود نمط الإنتاج الصناعي الغربي الحديث في مصر هو الذي أدى إلى عدم وجود التنمية والتقدم الحضاري في مصر.
وأنا أرى العكس، فالنضوج الفكري والوفاق الوطني ثم الإصلاح الاجتماعي والاقتصادي والسياسي هو الأساس الذي يدفع إلى الأخذ بسبل التنمية والتقدم الحضاري.
لقد حسمت الدول الغربية هذه القضية أولاً بالتوافق الفكري على أسس العلمانية الغربية الحالية ألا وهي فصل الدين عن الحياة، ثم سار في طريق التنمية من صناعة وزراعة وخلافه. ونحن كعرب ومسلمين نحتاج قطعًا وبالضرورة إلى مبدأ التوافق الفكري في حد ذاته قبل مجرد المحاولة في الأخذ بسبل التنمية الاقتصادية، فهل يعني ذلك أننا لا بد أن نتوافق على الأفكار التي توافق عليها الغرب؟
هذا هو الخلط والتشويش الذي يعيش فيه بعض المثقفين في بلادنا- عمدًا أو جهلاً- بسبب السيطرة الإعلامية للثقافة الانبهارية بالغرب كل ذلك بسبب السطحية الفكرية. إن الله سبحانه خلق الملائكة روحًا بدون شهوة ومادة، وخلق البهائم شهوة ومادة بدون عقل؛ لكنه سبحانه خلق الإنسان مزيجًا وخليطًا بين الروح والمادة والعقل والشهوة، ولذلك لا بد أن يكون أساس الحياة هو مبدأ الوسطية والتوازن بين الجانب الروحي والجانب المادي، والتوازن في الجانب الاقتصادي بين الرأسمالية والاشتراكية, وصولاً للتوازن بين الفرد والمجتمع, أي الوسطية والتوازن بين كل الأمور والمفاهيم التي نجدها بالضرورة متناقضة في الفكر العلماني الغربي؛ لأنه يفتقر إلى الأساس الروحي، هذه الوسطية وهذا التوازن، والتكامل هو الأمل الوحيد والطريق الأكيد للتكامل والجمع بين الدنيا والآخرة لمن يؤمن بوجود الآخرة.
لا شك أننا نحتاج الآن إلى التوافق الفكري السلمي على؛ إما الوصل أو الفصل, بين الدين والحياة- إما تأسيس علاقة الدين بشتى مجالات الحياة العصرية الاجتماعية والثقافية والسياسية والاقتصادية أو فصل الدين عن هذه المجالات، والاحتمال الثالث هو ما نحن فيه الآن- ضياع الهوية وانعدام الانتماء- لدرجة إشهار جمعيات وحركات للدعوة للانتماء الفرعوني, كبديل للانتماء المصري العربي الإسلامي. ومن هذا المنطلق نستطيع التقييم.
تقييم الكارثة الاقتصادية الأمريكية والعالمية وفقًا للاقتصاد الإسلامي:
أولاً: يؤسس الإسلام للمال والاقتصاد كوسيلة- وليس هدفًا- للإنتاج والتنمية لمصلحة الفرد والمجتمع وصولاً للعدالة الاجتماعية، بدلاً من السيطرة على الشعوب لحساب قلة من الأفراد على حساب المجتمع، كما نرى في الرأسمالية الأمريكية التي اخترعت ثقافة الاستهلاك (وحب التميز والتعالي على الناس بالإمكانيات المادية) عن طريق الإفراط في تكلفة الإعلانات والدعاية لشتى الأفكار والمنتجات الاستهلاكية على حساب المستهلك، ثم تسهيلات الشراء بالتقسيط عن طريق البنوك؛ حتى يشتري الجميع كل شيء، ويكونوا تحت رحمه الأقساط، ويدوروا في فلك الرؤية الاستهلاكية للمجتمع, وكذلك بدلاً من إهدار مبدأ الكفاءة الشخصية على حساب الفرد لحساب المجتمع بهدف سيطرة الحاكم، كما نرى في الاشتراكية التي فشلت في عقر دارها, نحن نفهم الوسطية وآليات التوازن بين هذا وذاك، ونفهم ثقافة الضرورة، ثم الحاجة، ثم التحسينات المقررة إسلاميًّا- بدلاً من ثقافة الاستهلاك- ولا مجال للتفصيل.
ثانيًا: تقوم البنوك الغربية بتقديم ضمانات للإقراض-وليس أموالاً نقديهً- للمؤسسات والأفراد (السوق) بحجم مالي أكبر بكثير من حجم الأموال التي تمتلكها هذه البنوك (وهذا غير مقبول إسلاميًّا)، وبناءً على ذلك يتم تقدير الأصول مثل العقارات بقيمة أكبر من الحقيقة، فإذا حدث أي هبوط في الأسعار وتراجع في السوق (طبيعي ومتوقع تكراره مرارًا) يتجه الجميع للبيع، وبالتالي الإفلاس، ومن ناحية أخرى لا يمكن للجميع دفع الأقساط لأصحاب الحقوق، ويأتي دور الضامن وهو البنوك التي لا تستطيع الوفاء النقدي الفعلي بكل هذه القروض- هذا هو ما حدث بالضبط حاليًّا- فتحدث الكارثة بانهيار البنوك والأسهم في جميع البورصات العالمية المرتبطة اقتصاديًّا. ويستحيل حدوث ذلك في الاقتصاد الإسلامي.
ولا يمكن الإصلاح بزيادة المسكنات أي ضمانات الإقراض، كما تحاول الحكومة الأمريكية (700 مليار دولار كما سمعنا)، والأمل الوحيد هو معالجة جذور وأسباب المشكلة بإعادة النظر في السياسات الاقتصادية، وبالتالي الرؤية الفكرية القائمة بتوجيه هذه السياسات؛ وحيث إن الحضارة العلمانية الحالية لا تمتلك الرؤية المتوازنة بين الفرد والمجتمع ولا بين الجانب الروحي والجانب المادي للحياة؛ فإننا لا بد أن نتوقع زيادة معدل تراجع الهيمنة الأمريكية, هذا على المستوى العالمي.
ثالثًا: أما داخل مصر, فأسواق المال الحالية- البورصة- ما هي إلا مجرد سيطرة تحالفات الثروة والسلطة بهدف المضاربة، وجمع الثروات على حساب الكم المهول من صغار المستثمرين لحساب الكبار المرتبط بعضهم بمنظومة الاقتصاد العالمي والتوجه الأمريكي بشكل عام (أخطر ما في القضيه).
الاقتصاد الإسلامي- في الدولة الإسلامية- يقوم بتفعيل الضوابط والرقابة؛ حتى تكون البورصة مجرد آليات حديثة لجمع وتبادل الأموال وتنظيم وإشهار علاقة بيع وشراء الأسهم بين المستثمرين في إطار شركات مساهمة تحت مظلة القانون (بدلاً من التعامل الشخصي المباشر بين الأفراد في المجتمعات الصغيرة القديمة) لاستهداف مجالات الإنتاج من صناعة وزراعة وخلافه، وصولاً لتنمية الفرد والمجتمع حسب الأهداف الإستراتيجية التي يقرها نظام الحكم المفترض أنه منتخب من الشعب؛ ليعمل على خدمة الشعب، وفقًا للرؤية الفكرية الحضارية المفترض بداية أن يؤسس لها، ويتوافق عليها المثقفون والنخبة المخلصون من أبناء هذا الشعب.
------------------
* رئيس جمعية المقطم للثقافة والحوار
