- زكريا عبد العزيز: تهميش القضاء يحول المجتمع إلى غابة

- أحمد مكي: النبي قدم لنا قدوة "تطبيق القانون على الحاكم"

- محمود الخضيري: ثورة شعبية لإجبار الحكومة على احترام القضاء

- د. عاطف البنا: استقلال القضاء ضمانة لحقوق المواطنين

- شريف هلالي: الحكومة تعطل الأحكام التي تعارض هواها

 

تحقيق- خالد عفيفي:

لا يستطيع أحد أن يشكك في نزاهة القضاء المصري وعدالته وشموخه وهيبته ومواقفه المشرِّفة؛ التي انتصر فيها للعدالة والحق في كثير من الأحيان، إلا أن هوى الحكومة وتعنُّتَها وتسلُّطَها وخوفَها من الاهتزاز أو التأرجح دفعها إلى النَّيل من سلطة القضاء، وتسبَّب عناد النظام وتكبُّره في إجهاض العديد من الأحكام القضائية ووقف تنفيذها؛ الأمر الذي وضع هيبة القضاء على المحكِّ.

 

ويتعدَّد في هذا الإطار ذكر الأحكام القضائية التي وقف الأمن حائطَ صدٍّ أمام تنفيذها، فبدايةً من حصول قيادات الإخوان المعتقلين في المحاكمة العسكرية الأخيرة على حكمٍ من مجلس الدولة بعدم إحالتهم إلى المحاكمة العسكرية، ومرورًا بالعديد من أحكام البراءة التي تصدرها محاكم الجنح والجنايات بحق قيادات وأعضاء الإخوان على مدى السنوات الماضية؛ تواجهها الداخلية بأوامر اعتقال جاهزة تحدَّت فيها العدالة وكل القيم الإنسانية.

 

ولعل أبرز دليل على ذلك حصول 13 من قيادات الإخوان، وفي مقدمتهم الدكتور أسامة نصر الدين عضو مكتب الإرشاد، على حكمٍ بالإفراج من محكمة جنايات القاهرة ولم ينفَّذ حتى الآن، وكذلك حصول الدكتور أمير بسام أحد قيادات الإخوان على حكمٍ بالإفراج لمرتين متتاليتين وما زال معتقلاً حتى الآن.

 

هذا غير 4 من قيادات الجماعة بسيناء والإسماعيلية، وهم: د. هشام الصولي، وعلاء الديب أحد قيادات الإخوان، ود. عادل مصطفى، وسعيد محمود، على الرغم من قرار محكمة جنايات الإسماعيلية الإفراج عنهم في الحادي عشر من يونيو الجاري.

 

لم يقف حدُّ التصدي لأحكام القضاء عند المعتقلين، بل تعدَّى ذلك إلى منع قيادات الإخوان وغيرهم من رموز المعارضة المصرية من السفر، على الرغم من حصولهم على أحكام قضائية؛ حيث منعت الأجهزة الأمنية الدكتور عصام العريان القيادي بجماعة الإخوان المسلمين وأمين صندوق نقابة الأطباء من السفر إلى الخرطوم لحضور المؤتمر القومي العربي، المنعقد في الفترة من 16- 18 أبريل الماضي، على الرغم من حصوله على حكم قضائي واجب النفاذ بإلغاء قرار وزير الداخلية بمنعه من السفر، وذلك للمرة الخامسة على التوالي.

 

وبعيدًا عن الإخوان والمعتقلين تواصل الحكومة طعن القضاء المصري المشرِّف في الخلف، وليس هناك دليل أوضح على ذلك مما حدث في يوم 2 فبراير الماضي؛ حيث قضت الإدارية العليا بعد استشكال الحكومة 3 أحكام في غاية الخطورة، فيما شكل صدمة لكل المصريين، وهذه الأحكام هي وقف منع تصدير الغاز المصري للكيان الصهيوني، ووقف تنفيذ حكم طرد الحرس الجامعي في جامعة القاهرة، وحكم ثالث يقضي بعدم قانونية عبور قوافل الإغاثة والمساعدات الإنسانية إلى الفلسطينيين المحاصرين في قطاع غزة.

 

فإلى متى تظل الحكومة تقف عائقًا أمام وجه العدالة؟ وما الذي يجعل الأمن مُتغوّلاً إلى هذا الحد؟ وهل من دور لجماهير الشعب في طريق استعادة هيبة واستقلال القضاء؟

 

 الصورة غير متاحة

 المستشار زكريا عبد العزيز

بداية يقول المستشار زكريا عبد العزيز رئيس نادي قضاة مصر السابق إن تنفيذ أحكام القضاء أمر ضروري لإنقاذ القضاء وضمان استقلاليته ونزاهته، محذرًا من نشوب حالة من الفوضى تقوض دعائم نظام الحكم القائم نتيجة الاستهانة بأحكام القضاء وعدم تنفيذها.

 

وأوضح أن شعور المواطن بأن القانون لا ينفذ؛ يدفعه إلى محاولة الحصول على حقه أو ما ليس حقه بالقوة، وهو ما يحول المجتمع إلى غابة ويثير حالة من عدم الاستقرار لن تستطيع الحكومة بكل قوتها وجبروتها السيطرة عليه، مشيرًا إلى أننا كثيرًا ما سمعنا عن أناس صدرت لهم أحكام لم تنفذ ورصدوا جوائز ومكافآت للقبض على المحكوم عليهم.

 

وضرب مثلاً بتحول كل شارع وحارة في مصر إلى غابة تسود فيها الخلافات نتيجة عدم حصول كل فرد على حقه من خلال القانون، مثل صدور حكم لصالح سيدة بنفقة من زوجها ولا تستطيع تنفيذه فلو رأت زوجها في الشارع ستحصل على حقها بالقوة منه.

 

وأوضح عبد العزيز أن الحكومة يجب عليها أن تضرب المثل وتعطي القدوة الحسنة للمواطنين عن طريق تنفيذ الأحكام القضائية الصادرة ضدها، مستنكرًا أن ما نراه في مصر يعاكس ذلك تمامًا، حيث تستشكل الحكومة ضد أحكام القضاء أمام محاكم غير مختصة.

 

وأضاف: "إذا كانت الدولة تستخدم الألاعيب والحيل القانونية لوقف أو تعطيل تنفيذ الأحكام، فما بالك بالأفراد الذين يفعلون أكثر من ذلك وقتها"، لافتًا إلى مؤتمر العدالة في أبريل عام 1986م والذي أوصى بضرورة تنفيذ أحكام القضاء.

 

وقال: "لو آمن الناس بالحق وبأن القانون يطبق على الكافة ويتجرد الجميع في أحكامه، سيحترم القانون ولن تجد مخالفة له وتعود هيبة الدولة وبالتالي هيبة القضاء"، مشيرًا إلى تطبيق القانون في دول أوروبا حيث يسعى الجميع إلى عدم مخالفته لعلمهم أنه سيطبق عليهم مهما بلغت سلطتهم أو نفوذهم.

 

القدوة الحسنة

ويقول المستشار أحمد مكي أحد شيوخ القضاة إن عدم تنفيذ الحكومة لأحكام القضاء، سواء الخاصة ببطلان الانتخابات أو الإفراج عن معتقلين أو أحكام القضاء الإداري، يعتبر احتيالاً على سيادة القانون.

 

وأضاف أن المشكلة الحقيقية تكمن في أن قضية سيادة القانون في مفهوم الحكومة تعني أن يخضع الأفراد لسلطة القانون بينما الحكومة تصنع القانون وفق إرادتها ولا تخضع له بل تأتي فوقه، مشددًا على أن هذا مخالف لأصل فكرة القانون التي تقوم على حماية الأفراد من تعسف السلطة، وأن يكون الحاكم قدوة للشعب في تطبيق القاعدة القانونية.

 

 الصورة غير متاحة

المستشار أحمد مكي

وأشار مكي إلى موقف النبي صلى الله عليه وسلم عندما وقف في آخر حياته وقال للصحابة- فيما معناه- من كان له عليّ حق فليأت ويأخذه، ومن كان له مال فليأت ويأخذه، إلى غير ذلك، وعندها وقف أحد الصحابة وقال له إن النبي ضربه قبل غزوة بدر وطالب بالقصاص من النبي، وعندها أزاح النبي الرداء عن بطنه، فقبله الرجل وقال إنه كان يتمنى أن يكون آخر حظه من الدنيا أن يلمس جسد النبي الكريم.

 

وقال مكي إن تلك القصة معناها أن الحاكم يسري عليه القانون الذي يسري على الأفراد حتى لو كان الرسول، وحتى لو كانت الوقعة أنه كان يصف صفًا يوم بدر وليس ضرب أحد من الناس، موضحًا أن هذا هو المثل الذي ضربه الإسلام وجاء به ديننا الحنيف ويطبقه الغرب.

 

وأكد أن الحكومة عندنا يستحيل عليها أن تنفذ حكمًا قضائيًّا لا ترضى عنه ويمنعها كبرياؤها من تنفيذه، مشددًا على أن القضاء لا يمكن أن تعود إليه هيبته واستقلاله إلا بأمة تستطيع التضحية من أجل ذلك.

 

وأوضح أن هيبة الدولة والشعب والحكومة مستمدة جميعها من سيادة القانون، مطالبًا الحكومة بتطبيق "عقيدة" أن الأمة هي مصدر السلطات وأن القانون هو إرادة الحاكم وليس مصدر قوته وسلطته.

 

ثورة شعبية

 الصورة غير متاحة

المستشار محمود الخضيري

من جانبه طالب المستشار محمود الخضيري رئيس نادي قضاة الإسكندرية السابق بثورة شعبية لإجبار الحكومة على تنفيذ أحكام القضاء وإعادة هيبته وسلطته، إلا أنه قال إن الشعب المصري يفتقد في الوقت الحالي ثقافة التضحية وغير مستعد لذلك، منتقدًا حالة الرعب والهلع التي تصيب الناس بمجرد رؤية ضباط أو أمناء الشرطة أو حتى جنود وعربات الأمن المركزي.

 

وشدد على أن أي مساس بأحكام القضاء في الدول المتقدمة يمكن أن يودي بنظام الحكم نفسه، مشيرًا إلى أن القضاء أصبح لدينا "حبر على ورق"، في الوقت الذي يدّعي فيه مسئولو الحكومة أنهم يحترمون القضاء وأحكامه.

 

وأضاف أن شعور وزارة الداخلية وأجهزتها الأمنية بأنه لا يوجد رقيب على أفعالهم ولا يسائلهم يدفعهم إلى المزيد والمزيد من الاستهتار والتهاون بأحكام القضاء، قائلاً إن وزير الداخلية أصبح بعد ذلك متحكمًا في رئيس الجمهورية نفسه ويحدد خطواته وسياساته بحجة أن هذا في مصلحة النظام والسلطة الحاكمة.

 

مخالفة دستورية

وشدد الدكتور عاطف البنا أستاذ القانون الدستوري بكلية الحقوق جامعة القاهرة على أن تبرئة القضاء قيادات الإخوان من تهم التنظيم الدولي وغيرها في الحكم الذي حصل عليه 13 من قيادات الجماعة؛ يستوجب عدم القبض على آخرين وتوجيه نفس التهم إليهم، مستنكرًا القبض على د. أبو الفتوح وإخوانه قائلاً: إنهم شخصيات محترمة ولها دورها في العمل القومي والوطني والإنساني.

 

 الصورة غير متاحة

عاطف البنا

وقال إن طبيعة النظام السياسي القائم تؤدي إلى تهميش القضاء والبرلمان، وادّعاء وجود ديمقراطية في البلد عن طريق السماح لأحزاب شكلية ومجالس محلية وانتخابات واستفتاءات مزورة على جميع المستويات.

 

وأوضح أن الحكومة تسعي إلى عدم تنفيذ الأحكام القضائية وخاصة تلك المتعلقة بالقضايا السياسية وما يخص المعتقلين من الإخوان وغيرهم من رموز المعارضة الوطنية.

 

وأضاف أن الوضع المتأزم حاليًا يحتاج إلى تمسك القضاة بحقوقهم واستقلاليتهم، مؤكدًا أن استقلال القضاء وحصانته ليست ميزة خاصة للقضاة، وإنما ضمانة للحصول على حقوق المواطنين وتطبيق العدالة.

 

وطالب د. البنا القوى السياسية والوطنية ومنظمات المجتمع المدني بتبني قضية الدفاع عن استقلال القضاء وتوعية المواطنين بذلك، محذرًا من افتقاد المجتمع قضاءً قويًّا ومستقلاً ومحايدًا وما يتبع ذلك من إشاعة الفوضى فيه.

 

حكومة استثنائية

وقال شريف هلالي المدير التنفيذي للمؤسسة العربية لدعم المجتمع المدني وحقوق الإنسان إن النظام يتعمّد مخالفة أحكام القضاء والقفز عليها في ظل قوانين استثنائية ومحاكم تفتقد أدنى معايير العدالة مثل المحاكم العسكرية ومحاكم أمن الدولة.

 

وأكد أن أي أحكام تكون على غير هوى الحكومة ومصالحها يتم الطعن فيها أمام محاكم غير مختصة وليس أمام مجلس الدولة، الأمر الذي يشكل استهانةً بأحكام القضاء، متسائلاً: "الدولة لا تنفذ أحكام القضاء فما بالك بالمواطنين؟".

 

وشدد هلالي على أن الأزمة الحقيقية تتمثل في افتقاد سيادة القانون وتفريغه من مضمونه، والعمل على انتداب القضاة للعمل كمستشارين في هيئات حكومية وممارسة ضغوط وتدخلات عليهم للقبول بهذا الأمر.

 

وطالب بإلغاء تبعية السلطة القضائية لوزارة العدل والموافقة على قانون تنظيم السلطة القضائية الذي تقدم به القضاة، داعيًا إلى مراجعة كافة التعديلات الدستورية التي شرعت انتهاك الضمانات القانونية والحياة الشخصية للأفراد، كما سعت إلى تكريس هيمنة الدولة وإضعاف السلطات التشريعية والقضائية.

 

وطالب هلالي بضمانات قانونية للفصل بين جهة التحقيق وجهة توجيه الاتهام، وتعيين قاضٍ يراقب تنفيذ العقوبات لرصد الانتهاكات الواقعة أثناء ذلك.