تحدثنا في المقال السابق عن "الغيبة" كمرض أو آفة، يقع فيها كثير من الناس، ولا يسلم منها بعض العاملين لدين الله، وقلنا إنها مرض اجتماعي، لا ينجو منه إلا من رحمه الله عز وجل.

 

وكان لزامًا علينا- اتساقًا مع هذا النهج- أن نتناول الحديث عن "النميمة"؛ حتى تكتمل الصورة الذهنية لبشاعة الاثنين معًا (الغيبة، والنميمة) ويَحْذَرهما، ويتجنبهما عامة المسلمين وخاصتهم، عالمهم ومتعلمهم.

 

ومن معاني "النميمة" قَتُّ الكلام أو الحديث مطلقًا أي نقله، ونُطلق على نقل الكلام على جهة الإفساد، وفي الحديث "لا يدخل الجنة قتَّات"، وفي لفظ آخر عند مسلم "لا يدخل الجنة نمَّام".

 

وطرق نقل الكلام بين الناس على جهة الإفساد بينهم كثيرة متنوعة؛ فمنها كشف ما يكره المرء كشفه، سواء كره المنقول عنه أو المنقول إليه أو كرهه ثالث، وسواء أكان الكشف بالقول أم بالكتابة أم بالرمز أم بالإيماء يعنى الإشارة، وسواء كان المنقول من الأفعال أم من الأقوال، وسواء كان ذلك عيبًا أو نقصًا في المنقول عنه أم لم يكن.

 

وليس من النميمة- كما يذهب الدكتور سيد نوح رحمه الله- بمعنييها الخاص والعام نقل الكلام أو الحديث على جهة الإصلاح كالتقريب بين متخاصمين مثلاً، وكما إذا رأى من يعتدي على مال غيره بسرقة أو اختلاس، وشهد به مراعاة لحق المشهود عليه، ويُعرف هذا في اللغة باسم "الإنماء"، وقد جاء في الحديث قوله صلى الله عليه وسلم: "ليس الكذاب من أصلح بين الناس فقال خيرًا أو نمى خيرًا".

 

ويقول صاحب الظلال- رحمه الله رحمة واسعة- عند حديثه عن الآية الكريمة في سورة القلم ﴿وَلا تُطِعْ كُلَّ حَلاَّفٍ مَهِينٍ (10) هَمَّازٍ مَشَّاءٍ بِنَمِيمٍ (11) مَنَّاعٍ لِلْخَيْرِ مُعْتَدٍ أَثِيمٍ (12) عُتُلٍّ بَعْدَ ذَلِكَ زَنِيمٍ (13) أَنْ كَانَ ذَا مَالٍ وَبَنِينَ (14) إِذَا تُتْلَى عَلَيْهِ آيَاتُنَا قَالَ أَسَاطِيرُ الأَوَّلِينَ (15)﴾ (القلم)، ويركِّز- رحمه الله- على إبراز العنصر الأخلاقي في نهي رسول الله- صلى الله عليه وسلم- عن إطاعة أحد هؤلاء المكذبين، ويصفه بصفاته المزرية المنفرة، ويتوعده بالإذلال والمهانة.. فـ"المشَّاء بنميم" هو مَن يمشي بين الناس بما يفسد قلوبهم، ويقطع صلاتهم ويذهب بمودتهم، وهو خلق ذميم كما هو خلق مهين، ولا يُقدم عليه إنسان يحترم نفسه أو يرجو لنفسه احترامًا عند غيره؛ حتى أولئك الذين يفتحون آذانهم للنمّام، ناقل الكلام المشاء بالسوء بين الناس؛ حتى هؤلاء الذين يفتحون آذانهم له لا يحترمونه في قرارة أنفسهم ولا يودونه.

 

وحسبنا أن نعلم أن رسول الله- صلى الله عليه وسلم- كان ينهي أن ينقل إليه أحد ما يُغيِّر قلبه على صاحبٍ من أصحابه، وكان يقول: "لا يبلغني أحدٌ عن أحدٍ من أصحابي شيئًا، فإني أحب أن أخرج عليهم وأنا سليم الصدر".

 

وثبت في الصحيحين عن ابن عباس- رضي الله عنه- قال: مرَّ رسول الله- صلى الله عليه وسلم- بقبرين، فقال: "إنهما ليعذبان وما يعذبان في كبير، أما أحدهما فكان لا يستتر من البول، وأما الآخر فكان يمشي بالنميمة".

 

وكما روى الإمام أحمد كذلك أن النبي- صلى الله عليه وسلم- قال: "ألا أخبركم بخياركم؟" قالوا: بلى يا رسول الله، قال: "الذين إذا رُؤوا ذكر الله عز وجل"، ثم قال: "ألا أخبركم بشراركم؟ المشاؤون بالنميمة، المفسدون بين الأحبة، الباغون للبرآء العيب".

 

ويوضح صاحب الظلال أكثر وأكثر فيقول: "ولم يكن للإسلام بدٌّ أن يشدِّد في النهي عن هذا الخلق الذميم الوضيع الذي يفسد القلب كما يفسد الصحب، ويتدنى بالقائل قبل أن يفسد بين الجماعة، ويأكل قلبه وخلقه قبل أن يأكل سلامة المجتمع، ويفقد الناس الثقة بعضهم ببعض، ويجني على الأبرياء في معظم الأحيان" (الظلال ص3663).

 

بعض الأمثلة والنماذج:

تحكي كتب التراث "باع رجلٌ عبدًا، وقال للمشتري: ما فيه عيب إلا النميمة. قال: رضيتُ فاشتراه، فمكث الغلام أيامًا، ثم قال لزوجة مولاه: إن سيدي لا يحبك وهو يريد أن يتسرَّ عليك. فخذي الموس واحلقي من شعر قفاه عند نومه شعرات؛ حتى أسحره عليها، فيحبك، ثم قال للزوج: إن امرأتك اتخذت خليلاً، وتريد أن تقتلك، فتناوم لها حتى تعرف ذلك، فتناوم لها فجاءت المرأة بالموس، فظن أنها تريد قتله، فقام إليها فقتلها فجاء أهل المرأة، فقتلوا الزوج ووقع القتال بين القبيلتين".

 

وفي عصر النبوة ما ذكره ابن إسحاق في السيرة النبوية "أن رجلاً من اليهود مرَّ بملأ من الأوس والخزرج، فساءه ما هم عليه من الاتفاق والألفة، فبعث رجلاً معه، وأمره أن يجلس بينهم، ويذكر لهم ما كان من حروبهم يوم "بعاث"، وتلك الحروب ففعل، فلم يزل ذلك دأبه؛ حتى حميت نفوس القوم، وغضب بعضهم على بعض، وتشاوروا ونادوا بشعارهم، وطلبوا أسلحتهم، وتوعدوا إلى الحرة، فبلغ ذلك النبي صلى الله عليه وسلم، فأتاهم فجعل يُسكنهم، ويقول: "أبدعوى الجاهلية وأنا بين أظهركم"، وتلا عليهم هذه الآية ﴿وَاعْتَصِمُواْ بِحَبْلِ اللّهِ جَمِيعاً وَلاَ تَفَرَّقُواْ وَاذْكُرُواْ نِعْمَتَ اللّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنتُمْ أَعْدَاء فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُم بِنِعْمَتِهِ إِخْوَاناً وَكُنتُمْ عَلَىَ شَفَا حُفْرَةٍ مِّنَ النَّارِ فَأَنقَذَكُم مِّنْهَا كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللّهُ لَكُمْ آيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ (103)﴾ (آل عمران).

 

وفي أيامنا هذه، وفي الوقت الذي تتكالب فيه جهات كثيرة، ومؤسسات مشبوهة وقوى متعددة الولاءات والانتماءات تعمل كلها للدسِّ بين المؤمنين، وإيغار صدر العاملين لدين الله، ومحاولة شق الصف من الداخل، وإيجاد ثغرة ينفذون منها للعبث بوحدتهم، وتفتيت القوة والوقيعة بين الأفراد والسعاية بين الناس بالإفساد مباشرةً أو بواسطة آخرين من ذوي النفوس الضعيفة والقلوب المريضة، ومن ثَمَّ تنشر وتشيع النميمة بين الناس، وتوقع العداوة بينهم.

 

ومن ذلك ما يحاول الإعلام المعادي من الترويج من وقتٍ لآخر، بأن الجماعة بها حمائم وصقور، أو إصلاحيون ومحافظون، أو قديم وجديد، أو حرس حديدي، وحرس ذهبي أو فضي، أو ما شابه ذلك من تقسيمات ما أنزل الله بها من سلطان، وخاصةً في دعوتنا المباركة التي تحدَّد منهجها، ووضحت وسائلها، وأصبح معلومًا طريقها وغايتها، وكان ذلك أوضح في نفوس أبنائها من فلق الصبح، ولا خلاف عليه بين الكبار وغيرهم، فعموم الصف على يقين من ذلك ووضوح للرؤية، واستبانة لأبعاد الطريق.

 

وتظل هذه النغمة تتكرر وتتكرر، كلما حدث جديد في عالم المتغيرات على الساحة المحلية أو الإقليمية أو الدولية، إذ إن ثبات العمل الإسلامي، ووحدة الصف واتساقه وتماسكه، يعتبر عقبةً أمام الخط المعادي للإسلام وحركته الصحيحة في عالم اليوم.

 

وتظل كذلك النميمة هي الأسلوب المتبع للتسلل إلى القلوب والعقول لإحداث الهزة المنشودة والمأمولة والأثيرة عندهم جميعًا، ويظل الأفراد جميعًا في مأمن من وسائل الدس، وعوامل التشويش ودعاوى التشويه، وبذور الفتنة عمومًا ما ظهر منها وما كان خفيًّا، ما داموا في حالة طيبة من التواصي بالحق والتواصي بالصبر، وحب المبدأ يملأ القلب ويتعمق في الجوانح والجوارح، إذ اليقين التام بأن ما عند الله لا ينال بالمعصية والوقيعة أو الإفساد بين الناس، وإنما ينال بالطاعة والاستقامة ﴿وَلَوْ أَنَّهُمْ فَعَلُواْ مَا يُوعَظُونَ بِهِ لَكَانَ خَيْرًا لَّهُمْ وَأَشَدَّ تَثْبِيتًا (66) وَإِذًا لَآتَيْنَاهُمْ مِنْ لَدُنَّا أَجْرًا عَظِيمًا (67)وَلَهَدَيْنَاهُمْ صِرَاطًا مُّسْتَقِيمًا (68)﴾ (النساء).
وأخيرًا..

 

علينا أن نحذر النميمة أن تتسلل في حياتنا الخاصة بين الإخوة بعضهم البعض في كافة مستوياتهم على مدارج العمل لخدمة ونصرة دين الله، ونكون على وعي كامل بأساليب المكر والدس والخديعة التي يريدها شركًا ومصيدةً نقع فيها. نسأل الله النجاة والسلامة.