- الشيخ عسكر: الحكومة أول مَن أهان أحكام القضاء.
- د. محمد المهدي: الإعدام رادعٌ للجاني والمجتمع معًا.
- د. وليد رشاد: الدراما بثت القيم الدموية في الشعب المصري.
- عادل مكي: يجب تعديل قانون العقوبات بأحكام أكثر قسوة.
تحقيق- هبة مصطفى:
"قررت المحكمة بإحالة أوراق المتهم إلى فضيلة المفتي"، مصطلح تردَّد عشرات المرات داخل أروقة المحاكم المصرية في خلال الشهرين الأخيرين؛ حيث شهد الأسبوع الأول من شهر يونيو الجاري وحده 32 حكمًا بالإعدام، بينما شهد الأسبوع الأخير ما يزيد عن 74 حكمًا، وهو عدد كبير، مقارنةً بأحكام الإعدام خلال عامي 2007م و2008م؛ حيث لم تتجاوز فيهما عدد أحكام الإعدام عن 70 حكمًا فقط.
هذه الأحكام دفعت العديد من التساؤلات إلى الظهور على سطح الأحداث، منها: لماذا هذه الدموية في المجتمع المصري؟! وهل هذه الأحكام ستكون رادعةً للغير؟!، وهل للحكومة دخل فيما يجري؟!، وما الحلول التي يمكن أن تؤدي إلى فرملة قطار الدم في الشارع المصري، هذا ما تناولناه في التحقيق التالي:
استفزاز حكومي
الشيخ السيد عسكر

بدايةً.. يقول النائب الشيخ السيد عسكر الأمين العام المساعد لمجمع البحوث الإسلامية الأسبق، وعضو الكتلة البرلمانية للإخوان المسلمين بمجلس الشعب: إن الحكومة المصرية هي من دفعت المصريين لإراقة الدماء، والاستهانة بأحكام القضاء واحترام القانون؛ سواءً بعدم تنفيذها للأحكام الصادرة بحقها أو لمدى المعاناة التي يجدها الشاكي أو المدعي داخل أروقة المحاكم التي تجعل القضية تمتد، ربما لسنوات داخل المحكمة، مشيرًا إلى أن هذا يتجلى بوضوح في قضايا منازعات الأراضي بوضع اليد وقضايا الأحوال الشخصية التي تمتد لسنوات وسنوات داخل المحاكم؛ ليتوارثها الأجيال والأحفاد، ليؤدي طول المدة إلى ضياع الرغبة في اللجوء للقضاء، وانتشار ظاهرة "أخذ الحق بالأيدي" دون اللجوء للقضاء أو الشكوى لجهات الاختصاص؛ مما يعطي احتمالات بحدوث جرائم قتل عمد، وبالتالي أحكام بالإعدام.
ويرى عسكر أن حلَّ المشكلة ليس في إلغاء أحكام الإعدام وعقوبة القصاص بذريعة أنها ليست رادعة، ولكن على العكس هذا، تزيد المشكلة تعقيدًا، والدليل وجود عادة الأخذ بالثأر في بعض المدن المصرية، وفي الوقت الذي لا يكون القانون منصفًا؛ فإن المواطنين لا يحترمونه، ويلجأون إلى أخذ حقوقهم بأنفسهم، ويسرفون في أخذ هذا الحق، مشيرًا إلى أن هذا يدفع أهل القتيل بالثأر لأنفسهم، ويتهرب الشهود أمام القضاء في قضايا الثأر، فلا يكون هناك حلٌّ أمام القضاء؛ إلا بحفظ القضية لعدم توافر الأدلة، مما يؤكد أنه لا علاج لقضايا القتل المتكررة سوى القصاص، مستدلاً بقوله تعالى: ﴿وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ يَا أُوْلِي الأَلْبَابِ لعلكم تتقون (179)﴾ (البقرة)، وقوله: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمْ الْقِصَاصُ فِي الْقَتْلَى الْحُرُّ بِالْحُرِّ وَالْعَبْدُ بِالْعَبْدِ وَالأُنثَى بِالأُنثَى﴾ (البقرة: من الآية 178).
في هذا الإطار يطالب عسكر الحكومةَ بمراجعة موقفها؛ لتكون قدوةً للشعب في تنفيذ الأحكام واحترام القانون، وأن تكون على دراية بأنها وراء ما أصاب المجتمع من دموية لتسببها في ضيق الحال والفقر والبطالة والمشكلات الاقتصادية، وسوء الأخلاق، وعلى رأسها تقاعس الدولة عن القيام بواجباتها في حلِّ الأزمات.
واختتم كلامه قائلاً: "كل يوم يمرُّ تزداد المشكلة تعقيدًا؛ لأنها تسير في خط لا يسمح بحلِّ أية أزمة".
أسباب وحلول
د. محمد المهدي

من جانبه يؤيد الدكتور محمد المهدي رئيس قسم الطب النفسي بجامعة الأزهر، وعضو مجلس إدارة الجمعية الإسلامية العالمية للطب النفسي أحكام الإعدام لما لها من فوائد على المستويين؛ الأول أن حكم الإعدام يُعد رادعًا للجاني ذاته الذي ارتكب جريمته بوحشية، ومن ناحية أخرى نجد فائدةً أخرى لتلك الأحكام، وهي الردع العام؛ حيث تصل رسالة إلى كل مَن تسول له نفسه بارتكاب جرائم عنف، بأنه سيواجه أقصى درجات العقوبة المنصوص عليها في القانون.
ويفنِّد المهدي أسباب تلك الظاهرة، قائلاً: إن هناك أسبابًا نفسية؛ كالإحباط، وسوء الأخلاق، والإحساس المؤلم للمواطن المصري بالدونية، وأنه مواطن "درجة ثانية" داخل وخارج بلده، فضلاً عن فقدان الأمل في المستقبل، والتقدم المهني، وتأمين حياة اجتماعية ملائمة ومطمئنة، وانسداد كافة قنوات الحوار، والتعبير عن الرأي.
ويضيف أن هناك- أيضًا- أسبابًا سياسية متمثلة في حالة الجمود والصمم السياسي، وانتشار الفساد وبيروقراطية الحكومة، والإحساس بالظلم، وجرح الكرامة الإسلامية والعربية والمصرية بالتبعية للغرب، فضلاً عن العوامل الأمنية التي تأتي بنتاج عكسي على المواطن بتضخم المؤسسات العسكرية على حساب المدنية، وبالتالي سيطرة الحلول العنيفة ولغة القوة بدلاً من الحوار والتفاهم السياسي والمدني؛ مما جعل العلاقة مشوبة بالخوف والحذر، وأحيانًا الكراهية بين السلطة الأمنية والمواطن، بناءً على خبرات سلبية متراكمة في تعامله مع هذه السلطة؛ مما يجعله يحجم عن التعامل معها، أو حتى الاحتكاك بها بأية صورة, وتصبح كل أمنيته اكتفاء شرها، وهو ما دفع الناس إلى الابتعاد عن فكرة أخذ حقوقهم بالقانون عن طريق الجهات المختصة، ولجأوا إلى حلِّ مشكلاتهم بأيديهم.
ويقترح المهدي منظومةً متكاملةً للحدِّ من سريان الدموية في العلاقة بين المصريين وبعضهم، بتقسيم المسئوليات إلى: مسئولية السلطة السياسية بالبدء فورًا ودون تراخٍ، أو انتظار في عملية الإصلاح السياسي الحقيقي الذي يؤدي وبسرعة، وبلا خوف أو تردد إلى نظام ديموقراطي تعددي يستوعب كل ألوان الطيف السياسي الاجتماعي، دون نبذ أو وصم أو استبعاد أو إلغاء، أيًّا كانت أسبابه أو مبرراته، والكف عن اغتصاب السلطة التنفيذية أو التشريعية بالتزوير، أو بغيره من المحاولات المكشوفة للجميع, والتي يمكن أن تعصف بكل شيء في لحظة انفجار لا يعلم مداها أحد، وإلغاء قانون الطوارئ الذي أدى إلى تنامي أحداث العنف بدلاً من أن يحد منها, وخلق حالة من الاحتقان الأمني والسياسي لا مبررَ لها.
وعن مسئولية السلطة الأمنية، يقول المهدي: إن عليها الالتزام الكامل بالقوانين العادية وبحقوق الإنسان في التعامل مع المواطن، والابتعاد عن الصراعات السياسية والطائفية، والتعامل مع المصريين جميعًا بشكل متعادل وحيادي؛ مما يسهم في استعادة ثقة المواطن في أجهزة الأمن، وتشجيعه على أن يكون عونًا لتلك الأجهزة في السيطرة على المجموعات الإرهابية والخارجين على القانون، وأعمال العنف الفردية أو الجماعية بوجه عام، فضلاً عن محاسبة كل من ينتهك حقوق الإنسان من المنتمين إلى جهاز الشرطة.
ويؤكد- أيضًا- دور ومسئولية وزارة التربية والتعليم باستعادة الدور التربوي للوزارة، وتطوير التعليم بالشكل الذي يؤدي إلى انتهاء أزمة الدروس الخصوصية وغيرها.
وفيما يخص مسئولية الإعلام اقترح المهدي أن يتم إشاعة قيم التسامح والصدق والعدل والرحمة، وغيرها من الأخلاقيات، والكف عن الاستفزاز الإعلامي والاستهلاكي والأخلاقي، والكف عن الكذب والتضليل والخداع ونفاق الحكام، وإعطاء الفرص المتكافئة لكافة الأطياف السياسية والاجتماعية والدينية والثقافية؛ للتعبير عن نفسها بحرية دون حجر أو وصاية أو إلغاء أو استبعاد.
وشدَّد د. المهدي على مسئولية المؤسسات الدينية، والكف عن اللعب على الوتر الطائفي، وإشاعة قيم المحبة، والقبول للآخر، وممارسة الأنشطة التربوية والدينية والثقافية في جوٍّ مفتوح وبعيد عن السرية، إضافةً إلى أهمية دور الأسرة برعاية الأبناء واحتوائهم، وإشاعة جو الحوار والتفاهم داخل الأسرة، وتعليم الأبناء قيم الاختلاف ومهارات حل الصراع دون اللجوء للعنف.
دموية
وأرجع الدكتور وليد رشاد الباحث الاجتماعي والمدرس بالمركز القومي للبحوث الاجتماعية والجنائية أسباب انتشار ظاهرة أحكام الإعدام إلى لجوء المجتمع لجرائم متعددة؛ كالسرقة بالإكراه والقتل عمدًا نظرًا للمعاناة الاقتصادية التي يعاني منها المجتمع المصري في غضون السنوات الأخيرة، فكثيرًا ما تلجأ بعض العصابات لاستئجار أفراد؛ ليقوموا بالسرقة لأجل الكسب والتربح المادي، وآخرون يلجأون للثأر عن طريق القتل أو السرقة.
ويضيف أن هناك أسبابًا لا يجب أن نغفلها لها بالغ التأثير على انتشار تلك الجرائم في المجتمع المصري، وهي تتنوع ما بين البطالة والفراغ، وقلة الوعي وقلة الوازع الديني، وتدهور الثقافة الدينية لدى الشرائح العمرية المختلفة.
ويشير رشاد إلى التأثير السلبي للدراما والسينما المصرية التي أصبحت ليس فقط على قدر كبير من التفاهة، ولكنها أيضًا تُسهم في بث قيم سلبية ودموية بدأت بأفلام "الأكشن" والعنف الشديد للفنانين الشباب؛ فنجد أحدهم يتزعم بطولة فيلم سينمائي يروي أحداث طفل ينشأ بالأحداث، ويتربى على إراقة الدماء لينال التعاطف من كافة الشخصيات المحيطة، وتبعتها شاشة السينما والتليفزيون بعدد من الأفلام والمسلسلات الدرامية غير الواقعية، ولكنها تقدم صورًا جديدةً للجريمة، فالدراما سلاح ذو حدين يجب إعادة النظر في القيم التي يقدمها.
ويعرب رشاد عن بالغ تخوفه من انتشار أحكام الإعدام داخل أروقة المحاكم؛ لأنه يُعد مؤشرًا بالغ الخطورة يدلِّل على الدموية التي أصابت المجتمع المصري للأسباب المختلفة التي ربما تكون أحكام الإعدام المتتالية، وإحالة الأوراق لفضيلة المفتي فيها رادعًا قويًّا، وربما تكون هربًا من مآسٍ، ومعاناة الظروف الاقتصادية التي يعيشها المجتمع بأسره، للحدِّ الذي أوصلنا لظهور جرائم جديدة ومبتكرة بين أروقة المحاكم؛ كحالة المهندس شريف حافظ الذي قتل عائلته وأولاده؛ نتيجة خسارته المادية بالبورصة، وبادعاء خوفه عليهم من الفقر.
ويطرح عدة حلول تُكوّن منظومةً مجتمعةً للحدِّ من انتشار ظاهرة إراقة الدماء التي لم تعد فقط دماء ضحايا عمليات القتل، ولكنها دماء الجاني أيضًا لإحالته للإعدام، تتمثل تلك المنظومة في التكامل بين دور كلٍّ من الأسرة بالاهتمام بتنشئة الجيل على أُسس وقيم التحمل، والرضا بما قسمه الله من رزق، إعادة هيكلة منظومة التعليم بما يتلاءم مع دور المدرسة وتأثيرها تربويًّا في تعديل السلوكيات الشاذة والمنحرفة، فضلاً عن دور المجتمع بإعادة تحقيق مصطلح العدالة الاجتماعية فعليًّا، وإعادة توزيع الرواتب بما يوفر حدًا أدنى للأجور يتناسب مع سياسة ارتفاع الأسعار المستمرة، وفيما يخص دور المؤسسات الدينية، فيلقى عليه رشاد العبء الأكبر في حلِّ تلك الأزمة عن طريق نشر الوعي والقيم، وغرسها داخل نفوس الشباب.
تعديل القوانين
ويستبعد عادل مكي المدير التنفيذي للمنظمة العربية للإصلاح الجنائي أن يكون حكم الإعدام رادعًا لباقي المجتمع، مدللاً ذلك بارتفاع نسبة أحكام الإعدام، وليس إنقاصها، مطالبًا بتعديل قانون العقوبات لجرائم القتل والسرقة بالإكراه للدرجة التي تخيف وتردع الجاني، اعتبار مواده لا ترقى لطبيعة جرائم المجتمع الحالي التي أصبحت غير متوقعة.
ويرى مكي أن هناك سببًا رئيسيًّا لاستهانة الجناة بتلك الجرائم، وهو ما يرجع إلى اختلاف الأحكام من دائرة لأخرى داخل أروقة المحاكم الجنائية، الأمر الذي يدفع الجاني للمقارنة بين سلفه الذي ارتكب جريمة إعدام، وأُفلت من حكم الإعدام؛ بالإضافة إلى أن لكل قضية وجريمة ظروفها وأسانيدها التي ربما يتحكم فيها استشعار القاضي لها.
ويضيف أنه لا يوجد مبرر لارتكاب أية جريمة، فلا يجوز أن يتعلَّل أحد بالظروف الاقتصادية أو السياسية لارتكاب جريمة ما، ويتساءل عن دور الإعلام والقلم الحر في توجيه نظر الحكومة لدورها الذي ينبغي أن تتخذه، وكذلك عن دور أهل العلم والتخصص في ازدياد حالات جرائم القتل التي وصلت لما يزيد عن 100 حالة في الشهر الأخير وحده.
كما طالب مكي بمنظومة حكومية متكاملة لتلافي غياب دور الدولة، فالقانون وحده لا يكفي أمن وصيانة المجتمع من الجرائم التي تُرتكب باسمه؛ إنما هو فقط البداية بإصداره أحكامًا رادعةً ليكمل دوره بعدها، التعليم والتوعية الدينية والإصلاح المجتمعي الذي يحدث توازنًا في العلاقة ما بين المواطن والدولة التي أصبح لزامًا عليها أن تحفظ ماء وجهها أمام المجتمع المصري.