عندما أطَلَّ الطاعون برأسه علينا من الحدود الغربية لمصر؛ أخذتُ أبحثُ في المراجع العلمية، وبخاصة كتب التراث، لأقف على معالم هذا الوباء، الذي مثَّل ذعرًا وهلعًا للبشرية لعهود طويلة؛ نتيجةً للأثر الناجم عنه بوفاة الملايين من البشر, فعندما ضرب الوباء الصين في عام 1855م انخفض عدد سكانها إلى النصف، من حوالي 123 مليونًا إلى 65 مليونًا, ومنها انطلق إلى أوروبا، التي فقدت ثلث سكانها, من حوالي 75 مليونًا إلى حوالي 50 مليونًا, ثم إلى إفريقيا, التي فقدت ثمن سكانها, من 80 مليونًا إلى 70 مليونًا.

 

أما مصر فقد أدَّى الطاعون عبْر السنين إلى انخفاض عدد سكانها من 8 ملايين عام 1346م إلى 3 ملايين فقط عام 1805م، وفي خلال فترة اشتداد المرض في الفترة من 1347م إلى 1349م مات في القاهرة وحدها 200 ألف شخص من أصل 500 ألف شخص هم مجموع سكانها في ذلك الوقت، كما أنه، وحسب ما أعلنته منظمة الصحة العالمية، هناك ما بين ألف إلى 3 آلاف حالة إصابة بالطاعون سنويًّا في جميع أنحاء العالم.

 

ولما بحثتُ عن معنى هذه التسمية في اللغة فوجدت أن الطاعون يُعرف بأنه الموت من الوباء، والذي هو مرض الكثيرين من الناس في جهة من الأرض، دون سائر الجهات، ويكون مخالفًا للمعتاد من أمراضهم في الكثرة وغيرها‏، ويكون مرضهم نوعًا واحدًا، بخلاف سائر الأوقات فإن أمراضهم فيها مختلفة، قالوا: وكل طاعون وباء، وليس كل وباء طاعونًا، والوباء الذي وقع بالشام في زمن عمر كان طاعونًا، وهو طاعون "عمواس"، وهي قرية معروفة بالشام.

 

أما التعريف الحديث فيُعرَف بأنه مرض بكتيري معدٍ حادٌّ, يُعدُّ من مجموعة الأمراض المشتركة بين الإنسان والحيوان، ويُصنَّف كأحد الأمراض المحجرية الخطيرة التي تسبِّب أوبئةً في حالة عدم السيطرة عليها، أما أصل هذا الوباء فقد حدَّث عنه رسول الله صلي الله عليه وسلم؛ حيث قال: "إن هذا الوجع أو السقم رجزٌ عذِّب به بعض الأمم قبلكم، ثم بقي بعد بالأرض" (رواه مسلم).

 

وكان اللافت للنظر هو طريقة انتقال المرض؛ حيث تختلف طرق انتقاله وانتشاره من نوع إلى آخر؛ فالطاعون الدملي والتسمُّمي ينتقل بين القوارض كالفئران بواسطة البراغيث؛ مما يؤدي إلى وفاة القوارض، حينئذ تنتقل بكتيريا الطاعون إلى البرغوث، وتبدأ في التكاثر داخل القناة الهضمية للبرغوث حتى تقوم بسدها، ثم تنتقل هذه البراغيث من أجسام القوارض الميتة بحثًا عن الغذاء فتهاجم جسم الإنسان لتتغذَّى على دمه، وعندما يأتي البرغوث ليقوم بمصِّ دم إنسان، لا يستطيع الدم المرور داخل القناة الهضمية الخاصة بالبرغوث نتيجة انسدادها بالبكتيريا، فيحاول البرغوث التقيُّؤ، وعندئذٍ تنتقل بكتيريا الطاعون من القناة الهضمية للبرغوث إلى دمِ الإنسان أثناء محاولة البرغوث مصَّه، وتبدأ البكتيريا تكاثرها وانتشارها داخل دم الإنسان.

 

أما الطاعون الرئوي فهو أكثر أنواع الطاعون خطورةً لسهولة انتقاله وانتشاره بين المخالطين للمريض، خاصةً في الظروف المناخية والبيئة غير الصحية، كما ينتقل عن طريق فضلات الشخص المريض إلى الشخص السليم.

 

ثم أخذت أبحث في وصف العرب للمرض؛ فوجدت وصفًا لابن سيناء أكثر من رائع؛ حيث وصف الطاعون بأنه عبارة عن قروح تخرج في الجسد،‏ فتكون في المرافق أو الآباط أو الأيدي أو الأصابع وسائر البدن، ويكون معها ورم وألم شديد، وتخرج تلك القروح مع لهيب، ويسودُّ ما حواليه أو يخضرّ أو يحمرّ حمرةً بنفسجيةً كدرةً ويحصل معه خفقان القلب والقيء، فوجدت أن هذا أقرب وصف للطاعون الدملي الموصوف حديثًا؛ حيث يصنَّف الطاعون إلى ثلاثة أنواع؛ هي: الطاعون الدملي، والطاعون الرئوي، والطاعون التسمُّمي.

 

فمرض الطاعون يتميز بظهور أعراض عامة؛ تتمثل في ارتفاع درجة الحرارة، والإعياء الشديد، والرجفة، وآلام العضلات والمفاصل، والغثيان وآلام الحلق والبلعوم، واضطرابات ذهنية وغيبوبة، ثم نجد علامات مميزة لكل نوع من الأنواع الثلاثة:

فالطاعون الدملي يتميز بالتهابات حادَّة وتورُّم مؤلم في الغدد اللمفاوية القريبة من مكان لدغ البرغوث.

 

أما الطاعون الرئوي فيتميز بكحة وبلغم غزير.

 

أما الطاعون التسمُّمي فيحدث في غالب الأحيان كمضاعفات مرضية للنوعين السابقين- الدملي والرئوي- يتميز بارتفاع شديد في درجة الحرارة وهبوط حادٍّ في القلب.

 

ثم وجدت عظمة الإسلام في السبق إلى طرق الوقاية من هذا الوباء، متمثلةً في النظافة، ومقاومة الفئران، وتطبيق الحجر الصحي، فحضَّ الإسلام على النظافة العامة للأشخاص والبيوت، والتي معها لا تجد القوارض والبراغيث منفذًا للعيش في هذه البيئة النظيفة، قال تعالى: ﴿وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ﴾ (المدثر: 4)، وقال: ﴿إِنَّ اللّهَ يُحِبُّ التَّوَّابِينَ وَيُحِبُّ الْمُتَطَهِّرِينَ﴾ (البقرة: من الآية 222)، وقال المصطفي صلي الله عليه وسلم: "إن الله تعالى طيب يحب الطيب.. نظيف يحب النظافة.. كريم يحب الكرم.. جواد يحب الجود.. فنظفوا أفنيتكم ولا تشبهوا باليهود" (رواه الترمذي)؛ ذلك ان اليهود عُرفوا بقذارة بيوتهم، وكانوا يلقون القاذورات والأوساخ أمام بيوتهم، كما أمر رسول الله بقتل الفئران فقال: "أَرْبَعٌ كُلُّهُنَّ فَاسِقٌ، يُقْتَلْنَ فِي الْحِلِّ وَالْحَرَمِ: الْحِدَأَةُ وَالْغُرَابُ وَالْفَأْرَةُ وَالْكَلْبُ الْعَقُورُ" (رواه  مسلم).

 

أما عن الحجر الصحي فقد أخبر المعصوم صلى الله عليه وسلم "الطاعون رجز أو عذاب أُرسل على بني إسرائيل، أو على من كان قبلكم؛ فإذا سمعتم به بأرض، فلا تقدموا عليه‏،‏ وإذا وقع بأرض وأنتم بها، فلا تخرجوا فرارًا منه‏" (‏رواه مسلم).

 

أما حديثًا فلم يختلف الأمر عن ذلك كثيرًا، فجاءت الإجراءات الوقائية على النحو التالي:

- مكافحة القوارض والبراغيث من قِبَل الهيئات الصحية المسئولة؛ للوقاية من انتشار المرض ومكافحته قبل ظهوره.

- إجراء العزل الإجباري للمريض في أماكن خاصة في المستشفيات؛ حتى يتم الشفاء التام.

- كذلك يجب تطهير إفرازات المريض ومتعلقاته والتخلص منها بالحرق، ويتم تطهير أدوات المريض بالغليْ أو البخار تحت الضغط العالي.

- أيضًا يتم تطهير غرفة المريض جيدًا بعد انتهاء الحالة.

- يتم حصر وفحص كافة المخالطين المباشرين وغير المباشرين للمريض، وفحص عيِّنات من الدم، وكذلك يتم تحصينهم باللقاح الواقي.

- في حالات الطاعون الرئوي يتم عزل جميع المخالطين للمريض إجباريًّا لمدة 10 أيام.

- أما في حالات الطاعون الدملي والتسمُّمي؛ فيتم مراقبة المخالطين لمدة 10 أيام ترقبًا لظهور أي حالات مرضية جديدة فيما بينهم.

 

أما العلاج فتتم معالجة الطاعون حاليًّا بالمضادات الحيوية، وتوجد فرص جيدة للنجاح في حالة الكشف المبكِّر للمرض، فتستخدم على سبيل المثال مركَّبات ستربتوميسين وكلورأمفنيكول، إضافةً إلى تشكيلات مكونة من تتراسيكلن وسولفوناميد.

 

يُعطى الستريبتوتوميسين عن طريق العضلات فقط، بينما يشكِّل الوكلورأمفنيكول علاجًا مؤثرًا، رغم عوارضه الجانبية التي تجعل منه علاجًا للحالات المستعصية فقط.