- د. حسن نافعة: الوجدان العربي يلفظ التطبيع بكافة صوره

- جمال عبد الرحيم: الشطب أو التأديب للصحفيين المطبِّعين

- محمد صلاح: الصحفي المطبِّع باع قلمه لأغراض دنيئة

- عبد الله السنَّاوي: وقوف صريح ضد الشعب الفلسطيني

 

تحقيق- شيماء جلال:

"إذا كان رب البيت بالدف ضاربًا".. هذا لسان حال اللاهثين وراء التطبيع مع الكيان الصهيوني في مصر ووطننا العربي، فثناء مسئولي الكيان العنصري وشهادتهم ربما يكون الطريق الأسرع للمناصب القيادية في البلاد أو على رأس اليونسكو وبالأمم المتحدة.

 

قبل أيام أعلن الكاتب الكبير فهمي هويدي انسحابه من مؤتمر صحفي عُقِد لعشرة من الصحفيين العرب مع الرئيس الأمريكي أوباما، وكان هويدي هو المصري الوحيد المدعو للمؤتمر مع مجدي الجلاد رئيس تحرير جريدة (المصري اليوم)، وفيما علَّل هويدي انسحابه بمشاركة صحفي صهيوني بالمؤتمر المنظَّم على خلفية خطاب أوباما للعالم الإسلامي من جامعة القاهرة؛ لم يجد بقية الصحفيين غضاضةً في مشاركة الصهيوني طاولةً واحدةً مقابل الحديث مع الرئيس الأمريكي.

 

مشهد آخر يظهر فيه 5 صحفيين مصريين يتوجهون للقاء رئيس حركة (السلام الآن) الصهيونية في منزل الملحق الصحفي الصهيوني بالقاهرة، وكان من بينهم الصحفي حسين سراج نائب رئيس تحرير جريدة (أكتوبر) الذي زار الكيان 20 مرة، ولا يجد حرجًا في الإعلان عن ذلك.

 

وبنظرة سريعة في ملفات التاريخ؛ نجد أن التطبيع المصري الصهيوني- الرسمي- بدأ منذ زيارة الرئيس السادات للقدس عام 1977م، تلتها محاولات للتطبيع السياسي انتهت بتوقيع اتفاقات كامب ديفيد عام 1979م، ثم إقامة العلاقات الدبلوماسية في فبراير عام 1980م، حين رُفع العلم الصهيوني لأول مرة فوق سماء القاهرة، مدشنًا مرحلةً جديدةً من مراحل الصراع العربي الصهيوني، وساحبًا معه مصر من محيطها العربي ليدفعها وبقوة إلى المحيط الأمريكي الذي تاهت فيه، ولا تزال تدفع ثمن هذا التيه حتى اليوم.

 

 الصورة غير متاحة
ومنذ ذلك الحين غلب التطبيع على تلك العلاقات الرسمية، على الرغم من حالة التوتر السياسي التي تشهدها المنطقة، إلا أن موجة التطبيع الرسمية المتسارعة تلك قوبلت برفض شعبي عنيف ومتجدِّد كشفته استطلاعات الرأي.

 

ولكي تكتمل شبكة العلاقات الثقافية والسياسية والاقتصادية؛ نرى تزايدًا ونموًّا ملحوظًا في الناحية الاقتصادية؛ حيث تمَّ توقيع اتفاقية (الكويز)، ووقِّعت اتفاقاتُ الغاز التي رهنت الغاز المصري لصالح الكيان لمدة 20 عامًا كاملةً، ولعل أبرز المشاريع الاقتصادية خلال السنوات الماضية هي المشاريع التي تتم في القطاع الزراعي، وآثارها من السرطان وأمراض الكلى والكبد الوبائي معروفة للجميع.

 

ومؤخرًا أثارت تصريحات الدكتور جابر عصفور مدير المركز القومي للترجمة باستئناف ترجمة كتب صهيونية مخاوفَ المثقفين المصريين مما وصفوه بموجة جديدة للتطبيع مع الكيان، وسبقها في أبريل الماضي دعوة الموسيقار الصهيوني دانيال بارنبويم لقيادة أوركسترا القاهرة السيمفوني بدار الأوبرا، في خطوةٍ وُصِفَت باستمالة الكيان لدعم وزير الثقافة فاروق حسني لمنصب مدير عام اليونسكو.

 

وفي أغسطس 2008م واجه الفنان التشكيلي المصري جورج بهجوري عدة انتقادات بعد مشاركته في معرض للأعمال الفنية في الأراضي الفلسطينية المحتلة، بتأشيرة صهيونية.

 

العديد من التساؤلات نطرحها على الصحفيين والمهتمين بالشأن العام؛ حول الأسباب التي دفعت البعض للتعامل مع الكيان الصهيوني؟! وما دور نقابة الصحفيين في هذا الإطار، خاصةً أن لائحتها تجرِّم التطبيع مع الصهاينة؟!

 

شطب وتأديب

 الصورة غير متاحة

 د. حسن نافعة

   يقول الدكتور حسن نافعة أستاذ العلوم السياسية بجامعة القاهرة إن التطبيع في مصر أصبح عادةً مستحكمةً، تمكَّنت وسيطرت على عدد كبير منا، وظهرت مؤخرًا في الوسط الصحفي، على الرغم من وجود لوائح تمنع وتجرِّم من يُقدِم على مثل ذلك العمل.

 

ويشير إلى أن العقوبات الموجودة في قانون نقابة الصحفيين غير كافية، مطالبًا بالبحث عن قوانين أكثر ردعًا لمنع الصحفيين من ممارسة التطبيع؛ الذي هو بالأصل يخدم المصالح الصهيونية.

 

ويشدِّد على أن استشعار خطورة التطبيع مع الصهاينة لا بد أن ينبع من داخل كل فرد، وأن يكون ضميره هو حائط الصدِّ والمانع الأول الذي ينقذه من الوقوع في براثن هذا الخطر وليس القوانين والعقوبات.

 

ويؤكد جمال عبد الرحيم عضو مجلس نقابة الصحفيين أن التطبيع مع الكيان الصهيوني يعدُّ أمرًا مرفوضًا بشكل نهائي، ولا يمكن لأي صحفي أن يتخطَّى ذلك، مشدِّدًا على أن من يخالف ذلك تنطبق عليه قرارات الجمعية العمومية الخاصة بمعاقبته إما بالتأديب أو الشطب.

 

ويضيف أن قرارات الجمعية العمومية لنقابة الصحفيين منذ عام 1980م- وحتى وقتنا هذا- تحظر كلَّ أشكال التطبيع الشخصي والمهني مع الكيان الصهيوني، واصفًا ما أقدم عليه 5 صحفيين مصريين من مقابلة صهاينة بالأمر الشائن، مؤكدًا أن تلك اللقاءات تصبُّ في النهاية في خانة المصالح الصهيونية من أجل تجميل صورة الكيان في الشارع المصري.

 

ويستنكر جمال عبد الرحيم موالاة الكيان الصهيوني والتطبيع معه، رغم ما يمارسه من عمليات قتل وتشريد مستمرة للفلسطينيين ومواصلة التوسع في "الاستيطان" بشكل كبير، وبالتالي لا يمكن بأي شكل من الأشكال أن يتم التعامل الشخصي أو المهني معه تحت أي مسمًّى من المسميات.

 

ويشير عبد الرحيم إلى أن النقابة سبق أن اتخذت قرارات ضد صحفيين مطبِّعين، منهم: لطفي الخولي وعبد المنعم سعيد رئيس مجلس إدارة مؤسسة الأهرام.

 

أمر مرفوض

 الصورة غير متاحة

محمد صلاح

   ويعبّر محمد صلاح مدير مكتب جريدة (الحياة) اللندنية بالقاهرة عن رفضه التامِّ والنهائي لضرورة التطبيع الصحفي مع الكيان الصهيوني داخل القاهرة أو خارجها، مشدِّدًا على ألا يتخذ الصحفيون ذلك حجةً لتطوير أدائهم المهني؛ "لأنه لا علاقة بين المهنة والتطبيع"، والخبرة يمكن أن يتمَّ تحصيلها من أي مكان آخر ومن أي صحفيٍّ آخر.

 

ويطالب بتعميم النموذج اللبناني في مساءلة وعقاب كلِّ صحفي يَثبُت عليه المشاركة بأي شكل في أي نشاط إعلامي أو صحفي؛ "حتى لا يظهر بيننا صحفيٌّ يبيع قلمه أو فكره لصالح أغراض دنيئة".

 

ويعبِّر صلاح عن اعتزازه وفخره بالموقف الذي اتخذه الكاتب الكبير فهمي هويدي، حينما رفض لقاء الرئيس الأمريكي أوباما بمجرد معرفته بوجود صحفي صهيوني سيحضر معهم اللقاء، موضحًا أن الكيان الصهيوني يريد أن يُقحم نفسه في شئون المنطقة ويجنِّد لتنفيذ ذلك الأمر كلَّ من لديه قابلية في أن يتعامل معه في ذلك.

 

تبادل منفعة

 الصورة غير متاحة

عبد الغفار شكر

   وفيما يخص الأسباب التي تدفع الصحفيين للتطبيع مع الكيان الصهيوني؛ يشير عبد الغفار شكر عضو المكتب السياسي لحزب التجمع إلى أن مسألة التطبيع مع الكيان الصهيوني تتمُّ مع مؤسسات صحفية بعينها في مصر مقابل تحسين صورة الكيان الصهيوني في الإعلام العربي، ومقابلها تحصل المؤسسة الصحفية التي تطبِّع على مقابل مادي يساعد على تمويل المؤسسة.

 

ويلمح شكر إلى أن واقعة مقابلة مجموعة من الصحفيين المصريين لمنظمة (السلام) الصهيونية؛ يعدُّ انتهاكًا لقرارات الجمعية العمومية لنقابة الصحفيين، مؤكدًا أن حسين سراج الذي أعلن عن تلك المقابلة سبَق أن ترجم روايةً صهيونيةً تحت عنوان "ياسمين" للكاتب الصهيوني إيلي عمير، وثار حولها عدد من الانتقادات والتحفُّظات في الوسط الصحفي، ولكنه دافع عن تطبيعه بأن ترجمة الرواية ليست تطبيعًا، وإنما تبادلٌ ثقافيٌّ!.

 

أمن قومي

 الصورة غير متاحة

عبد الله السناوي

ويحذِّر عبد الله السناوي رئيس تحرير صحيفة (العربي) من تهديد تلك اللقاءات واختراقها الأمن القومي المصري، مشدِّدًا على أن تلك اللقاءات تخطَّت بكثيرٍ حدودَ الرأي والتعبير، ومثَّلت تفريطًا في مقاومة التطبيع، وهو الأمر الذي يتفق عليه الشعب المصري بكافة طوائفه بعيدًا عن وجهة النظر الرسمية.

 

ويضيف أن التطبيع يتنافى بشكل قاطع مع رؤية القوى السياسية والوطنية التي تنادي بضرورة رفع الظلم عن الشعب الفلسطيني، ووقف المجازر التي تُرتَكَب بحقِّه على مرأى العالم ومسمعه.

 

خط أحمر

 الصورة غير متاحة

هاني المكاوي

ويتفق معه في الرأي هاني المكاوي رئيس قسم التعليم بجريدة (الأحرار) المصرية، الذي أكد أنه بعد اتفاقية كامب ديفيد عام 1979م منعت الجمعية العمومية لنقابة الصحفيين قيامَ أي صحفي مصري بالتطبيع مع الكيان الصهيوني، سواءٌ بالاتصال المباشر أو مراسلته أو حضور لقاءات أو ندوات.

 

ويشدِّد على أن التعامل مع الكيان الصهيوني يعدُّ خطًّا أحمرَ، ينبغي الابتعاد عنه بشتى السبل الممكنة، مضيفًا أنه إذا كانت حجة الصحفيين المطبِّعين أن هذا من أولويات العمل فنحن نضرب لهم مثلاً بالدكتور عبد الوهاب المسيري الذي ألَّف أكبر موسوعة عن الصهيونية، ولم يطبِّع ولم يسافر إلى الكيان الصهيوني، وكتب وجمع أكبر معلومات دون أن يتصل أو يلتقي بهم.

 

ويشير المكاوي إلى أن هناك عددًا من الصحفيين المصريين يذهبون إلى الكيان الصهيوني بعلم من السفارة المصرية ووزارة الخارجية، ويقومون بتزوير جوازات سفرهم؛ حتى لا يُعرف أنهم سافروا.