الحمد لله رب العالمين والعاقبة للمتقين ولا عدوان إلا على الظالمين، وصلى الله وسلم وبارك على سيد النبيين وإمام المرسلين، سيدنا محمد، وعلى آله وأصحابه ومن دعا بدعوته إلى يوم الدين.
أما بعد، فقد أخرج الإمام البخاري عن النعمان بن بشير- رضي الله عنه- عن النبي- صلى الله عليه وسلم- قال: "مَثَلُ الْقَائِمِ عَلَى حُدُودِ اللَّهِ وَالْوَاقِعِ فِيهَا كَمَثَلِ قَوْمٍ اسْتَهَمُوا عَلَى سَفِينَةٍ، فَأَصَابَ بَعْضُهُمْ أَعْلاهَا وَبَعْضُهُمْ أَسْفَلَهَا، فَكَانَ الَّذِينَ فِي أَسْفَلِهَا إِذَا اسْتَقَوْا مِنْ الْمَاءِ مَرُّوا عَلَى مَنْ فَوْقَهُمْ، فَقَالُوا: لَوْ أَنَّا خَرَقْنَا فِي نَصِيبِنَا خَرْقًا وَلَمْ نُؤْذِ مَنْ فَوْقَنَا! فَإِنْ يَتْرُكُوهُمْ وَمَا أَرَادُوا هَلَكُوا جَمِيعًا، وَإِنْ أَخَذُوا عَلَى أَيْدِيهِمْ نَجَوْا وَنَجَوْا جَمِيعًا" وفي رواية: "نَجَوْا وَنَجَّوْا جَمِيعًا".
أولاً: روايات هذا الحديث:
هذا الحديث العظيم الجليل القدر، رُوي بألفاظ مختلفة من المناسب أن نذكر أهمها ليتبين لنا مراد رسول الله صلى الله عليه وسلم من هذا الحديث وتربيته للأمة الكريمة على معانيه العظيمة.
![]() |
|
د. عبد الرحمن البر |
وفي رواية أخرى: عند ابن حبان في صحيحه، أن الإمام الشعبي قال: سمعت النعمان بن بشير على منبرنا هذا يقول: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم، ففرغت له سمعي وقلبي، وعرفت أني لن أسمع أحدًا على منبرنا هذا يقول: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: "مَثَلُ الْقَائِمِ عَلَى حُدُودِ اللَّهِ وَالْمُدَاهِنُ فِي حُدُودِ اللهِ كَمَثَلِ قَوْمٍ كَانُوا فِي سَفِينَةٍ، فَاقْتَرَعُوا مَنَازِلَهُمْ، فَصَارَ مِهْرَاقُ المَاءِ وَمُخْتَلَفَ الْقَوْمِ لِرَجُلٍ (أي صار المكان الذي يؤخذ منه الماء لرجل) فَضَجِرَ، فَأَخَذَ الْقَدُومَ- وربما قال: الْفَأْسَ- فَقَالَ أَحَدُهُمْ لِلآخَرِ: إِنَّ هَذَا يُرِيدُ أَنْ يُغْرِقَنَا وَيَخْرِقَ سَفِينَتَكُمْ، فَقَالَ الآخَرُ: دَعْهُ فَإِنَّمَا يَخْرِقُ مَكَانَهُ".
زاد الطبراني في الأوسط أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "فَإِنْ مَنَعُوهُ سَلِمَ وَسَلِمُوا، وَإِنْ تَرَكُوهُ غَرِقَ وَغَرِقُوا".
ثانيًا: أصناف الناس في المجتمع المسلم كما يصورها هذا الحديث:
هذا الحديث بهذه الروايات يقدم صورةً واضحةً لأصناف الناس في المجتمع، ولما يجب أن يكون عليه المجتمع المسلم من الأخذ على يد من يريد الفساد والإفساد.
فالقائم على حدود الله: هو ذلك الرجل المتمسك بما أمر به الله عز وجل، أو القائم على تنفيذ هذه الحدود، ويدخل في القائم على حدود الله القائمُ على تنفيذها وتطبيق شريعة الله عز وجل، أو المتمسك بتطبيق هذه الشريعة، العالم بما أمر الله عز وجل وبما نهى عنه، الذي ينكر المحرمات، والذي ينهي عنها، والذي يأمر بالمعروف وينهي عن المنكر، هذا هو القائم على حدود الله.
والواقع فيها: يُعْنَى به الذي يقع في شيء من هذه المحرمات، أو الذي يقع في شيء من هذه المنكرات.
ويبقى الصنف الثالث الذي ذكره النبي صلى الله عليه وسلم في الرواية الأخيرة، وهو ذلك السلبي الذي لا دور له حينما يجد القائم على حدود الله ينهي، والواقع في حدود الله يقع، ثم يقول لذلك الآمر بالمعروف والناهي عن المنكر: دعه فإنما هذه حرية شخصية، أو إنما يخرق مكانه كما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم.
فهذا الحديث يشمل ثلاث فرق: فرقة تنهي عن المعصية، وهذه هي الفرقة الناجية وهم القائمون على حدود الله، وفرقة تقع في المعصية والحرام والفساد، وهي التي تستحق عذاب الله عز وجل، والفرقة الثالثة: هي فرقة المرائين الذين لا يهتمون بأن يمنعوا الواقع في حدود الله من الوقوع، وقد جعلهم رسول الله صلى الله عليه وسلم في الروايات المتعددة بمثابة واحدة مع الواقعين في حدود الله.
والحديث واضح تمام الوضوح في بيان المعنى، وهو أن الأمة مثل ركاب السفينة، وأن من واجب اليقظان أن يحمي النائم، ومن واجب العاقل العالم أن يحمي نفسه وأن يحمي الجاهل من نفسه أيضًا، وأن يحمي هذه السفينة من الغرق.
وإن مواقع الناس في السفينة لن تنجِّي أحدًا، فلن يغرق من كان في الأسفل دون من كان في الأعلى! ولذلك جعل النبي صلى الله عليه وسلم تَرْكَ سكان المكان الأعلى لسكان المكان الأسفل؛ ليخرقوا مكانهم سببًا لهلاكهم جميعًا، وجعل منْعَهم إياهم وأَخْذَهم على أيديهم سببًا كذلك لنجاتهم جميعًا.
وكأنما العامة إذا وقعت في المعاصي لن تُهلك وحدها، وإنما كذلك تُهلك معها الفئة الخاصة التي لم تقم بواجب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، كما قال الله عز وجل ﴿وَاتَّقُوا فِتْنَةً لا تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْكُمْ خَاصَّةً﴾ (الأنفال: من الآية 25).
وقد جمع النبي صلى الله عليه وسلم بين المداهن والواقع والقائم ليذكر لنا أصناف الناس جميعًا أمام هذا الأمر.
فالمداهنة في هذا الأمر ممنوعة، بل هي وبال وفساد، وفاعل ذلك مشارك في الواقع في المعصية تمامًا، وهو بسكوته عن الحق كالناطق بالباطل.
ثالثًا: الفرق بين المداهنة والمداراة:
قد يقول قائل: إن الشارع أمرنا بمداراة الناس، وقال- صلى الله عليه وسلم- فيما أخرجه ابن حبان عن جابر- رضي الله عنه- "مُدَارَاةُ النَّاسِ صَدَقَةٌ"، وإن مواجهة الناس بالإنكار ربما جرَّت إلى مشاكل ومصائب ومصاعب، وقد أمرنا النبي صلى الله عليه وسلم بالمداراة، فلماذا لا نداري؟
أقول: هناك فرق بين المداهنة الممنوعة، وبين المداراة المأمور بها. فالمداهنة في الشريعة:
أن ترى منكرًا تقدر على دفعه ثم تقعد ولا تدفعه؛ حفظًا لجاهِ مرتكبِه أو لجاه غيره، أو خوفًا منه، أو طمعًا في شيء عنده، أو حياء منه، أو عدم مبالاة في الدين، هذه هي المداهنة التي جاء الحديث ليحذر منها، وفي هذه الحالة يكون المداهن داخلاً في الذنب الذي ورد في هذا الحديث.
أما المداراة التي أمرنا الله بها، فهي موافقة الغير، بأن يترك الإنسانُ حظَّ نفسِه أو حقًّا يتعلق بماله وعرضه ويسكت عن طلبه؛ دفعًا لضررٍ أكبر أو منعًا لشرٍّ أكبر، هنا يكون له حق ويكون هناك حظ لنفسه، فهو يكتم في نفسه الإساءة ولا يأخذ بحقه؛ دفعًا لشر أكبر قد يحصل إذا قام بدفع الأمر، مثلما فعل النبي صلى الله عليه وسلم في الحديث الذي أخرجه البخاري عَنْ عَائِشَةَ: أَنَّ رَجُلاً اسْتَأْذَنَ عَلَى النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم، فَلَمَّا رَآهُ قَالَ: "بِئْسَ أَخُو الْعَشِيرَةِ، وَبِئْسَ ابْنُ الْعَشِيرَةِ!". فَلَمَّا جَلَسَ تَطَلَّقَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم فِي وَجْهِهِ وَانْبَسَطَ إِلَيْهِ، فَلَمَّا انْطَلَقَ الرَّجُلُ قَالَتْ لَهُ عَائِشَةُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ حِينَ رَأَيْتَ الرَّجُلَ قُلْتَ لَهُ كَذَا وَكَذَا، ثُمَّ تَطَلَّقْتَ فِي وَجْهِهِ وَانْبَسَطْتَ إِلَيْهِ؟! فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: "يَا عَائِشَةُ مَتَى عَهِدْتِنِي فَحَّاشًا، إِنَّ شَرَّ النَّاسِ عِنْدَ اللَّهِ مَنْزِلَةً يَوْمَ الْقِيَامَةِ مَنْ تَرَكَهُ النَّاسُ اتِّقَاءَ شَرِّهِ".
فالنبي صلى الله عليه وسلم لم يداهن الرجل، بمعنى أنه لم يسكت عن منكر فعله ولا شيء من هذا، لكن مع استثقال النبي صلى الله عليه وسلم له، وعدم راحته حينما يدخل عليه هذا الرجل، إلا أنه- صلى الله عليه وسلم- ترك حظ نفسه، وقابل الرجل مقابلة كريمة لائقة بمقام النبوة، وألان له القول، وهذا من المداراة الجائزة، وليس من المداهنة الممنوعة، بل هي من الرفق الذي أمر الله تعالى به، وجعله من أنجح الأشياء لتحقيق المراد.
أما ترك الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر بدعوى المداراة، فهذا خطأ.
رابعًا: لا يحقرنَّ أحدُكم نفسَه:
إذا علم المسلمُ المعروفَ والمنكرَ ثم قعد عن الأمر والنهي مراعاةً لجاه ذلك الشخص أو خوفًا منه أو استحياءً منه، فإنه عندئذٍ يدخل في الحديث الذي أخرجه الإمام أحمد وغيره عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: "لاَ يَحْقِرَنَّ أَحَدُكُمْ نَفْسَهُ: أَنْ يَرَى أَمْرًا للَّهِ عَلَيْهِ فِيهِ مَقَالٌ ثُمَّ لاَ يَقُولُهُ، فَيَقُولُ اللَّهُ: مَا مَنَعَكَ أَنْ تَقُولَ فِيهِ؟ فَيَقُولُ: رَبِّ خَشِيتُ النَّاسَ. فَيَقُولُ: وَأَنَا أَحَقُّ أَنْ تَخْشَى"، وفي رواية "إِنِّي كُنْتُ أَحَقُّ أَنْ تَخَافَنِي".
يقول الإمام أحمد: هذا الحديث فيمن يترك قولَ الحق خشيةَ ملامةِ الناس، وهو قادرٌ على القيام به والأمر والنهي.
ولهذا كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول كما في حديث أبي سعيد الخدري عند الترمذي: "أَلاَ لاَ يَمْنَعَنَّ رَجُلاً هَيْبَةُ النَّاسِ أَنْ يَقُولَ بِحَقٍّ إِذَا عَلِمَهُ". فَبَكَى أَبُو سَعِيدٍ فَقَالَ: قَدْ وَاللَّهِ رَأَيْنَا أَشْيَاءَ فَهِبْنَا. وإذا كان أبو سعيد يبكي خوفًا ألا يحقق هذا الكلام، فما بالنا نحن أيها الإخوة.
بل يقول رسول الله صلى الله عليه وسلم في هذا الحديث في رواية أحمد والطبراني في الأوسط: "أَلاَ لاَ يَمْنَعَنَّ أَحَدَكُمْ رَهْبَةُ النَّاسِ أَنْ يَقُولَ بِحَقٍّ إِذَا رَآهُ أَوْ شَهِدَهُ؛ فَإِنَّهُ لاَ يُقَرِّبُ مِنْ أَجَلٍ، وَلاَ يُبَاعِدُ مِنْ رِزْقٍ أَنْ يَقُولَ بِحَقٍّ، أَوْ يُذَكِّرَ بِعَظِيمٍ" إذا قامت الأمة بهذا الأمر فإنها بذلك تستحق رحمة الله تبارك وتعالى.
هذا فيما إذا لم يخشَ الإنسان على نفسه، إذا تعرَّض لسطوة ظالم لا يستطيع دفعها، أو يخشى حصول ضرر أكبر.
أما إذا كان مجرد خوف من بعض الإيذاء أو خوف من بعض الابتلاءات أو طمع في بعض ما في أيدي هؤلاء الناس؛ عندئذٍ يكون ترك الأمر بالمعروف سببًا من أسباب الفساد الكبير الذي نهى الله تبارك وتعالى عنه.
خامسًا: السكوت على المنكر لا يضر الظالم وحده:
أيها الإخوة!!، في هذا الحديث العظيم الذي نحن بصدده بيانٌ بأن الفتنة لن تصيب الظالم وحده، بل ستأخذ معها الساكت على الحق.
إن المعصيةَ إذا خفيتْ لن تضرَّ إلا صاحبَها، وإذا أُعلنت فلم تُغيّر ضرّت العامة.
وكان عمر بن عبد العزيز رحمه الله يقول: "إن الله عز وجل لا يعذب العامة بذنب الخاصة، ولكن إذا فُعل المنكر جهارًا؛ استحقوا العقوبة كلهم".
ومن النصح نصرة الأخ لأخيه، كما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم في الحديث الذي أخرجه البخاري عَنْ أَنَسٍ- رضي الله عنه- قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: "انْصُرْ أَخَاكَ ظَالِمًا أَوْ مَظْلُومًا". قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ هَذَا نَنْصُرُهُ مَظْلُومًا، فَكَيْفَ نَنْصُرُهُ ظَالِمًا؟ قَالَ: "تَأْخُذُ فَوْقَ يَدَيْهِ". وهذا هو معنى الحديث الذي معنا.
حينما نقوم بمواجهة الفساد، وحينما نقوم بإنكار المنكر، وحينما نقوم بعملية التغيير الإيجابي الرقيق الرفيق ونقوم بعملية تقويم العوج، فإننا نمنع الظالم من الظلم، وحين نأخذ على يده ننصره بذلك على نفسه.
أما السلبيون الذين يرون أنهم متى صلوا وصاموا وذكروا الله كثيرًا، فقد أدوا ما عليهم ولا شأن لهم بإصلاح الفساد القائم، أو تقويم العوج الحاصل، أو الأمر والنهي أو المشاركة في عملية التغيير في المجتمع نحو الأفضل، فهؤلاء قد أساءوا فهم حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم.
![]() |
إنَّ الأمةَ لن يكون لها مقامٌ ومكان، ولن يحقق الله تبارك وتعالى لها الخيرية ما لم تقم بهذا الواجب، واجب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر؛ حتى لا تتعرض لما تعرض له بنو إسرائيل حين تعرضوا لهذا الأمر فضرب الله قلوب بعضهم ببعض.
وإن النبي- صلى الله عليه وسلم- ليعلمنا أن الأمة قادمة إلى الهلاك إذا امتنعت من نصح الظالم، ومنعه، وعدم الإنكار عليه، إذا خافت الأمة الظالم أن تقول له أنت ظالم؛ فإنها بذلك أمة في طريقها إلى الهلاك.
أخرج أحمد والحاكم وصححه هو والذهبي عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو- رضي الله عنه- سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم يَقُولُ: "إِذَا رَأَيْتُمْ أُمَّتِي تَهَابُ الْظَالِمَ أَنْ تَقُولَ لَهُ إِنَّكَ أَنْتَ ظَالِمٌ فَقَدْ تُوُدِّعَ مِنْهُمْ". ومعنى تُودِّع منها: أي استُريح منها وخُذلت.
بهذا لا يمكن للأمة أن تتقدم ولا أن تصل إلى غايتها المنشودة. بل تستوجب العقوبة.
حينما تيأس الأمة من إصلاح الأمور وحينما تقعد عن عملية الإصلاح فإنها يُتودَّع منها، وهذا يعني أنها أصبحت لا معنى لها ولا قيمة لها، وهذا من أشد أنواع النكير على الأمة حين تترك الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.
سادسًا: عاقبة سكوت الأمة وسلبيتها:
أيها الإخوة الأحبة، في ختام الكلام عن هذا الحديث الطيب الكريم، أذكر قصة رآها بعض الصحابة في الحبشة وحكوها لرسول الله صلى الله عليه وسلم، فقد أخرج البيهقي عن بُرَيْدَةَ- رضي الله عنه- قَالَ: لَمَّا قَدِمَ جَعْفَرُ بْنُ أَبِي طَالِبٍ- رضي الله عنه- مِنْ أَرْضِ الْحَبَشَةِ لَقِيَهُ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم فَقَالَ: "أَخْبِرْنِي بِأَعْجَبِ شَيْءٍ رَأَيْتَهُ بِأَرْضِ الْحَبَشَةِ". قَالَ: مَرَّتِ امْرَأَةٌ عَلَى رَأْسِهَا مِكْتَلٌ فِيهِ طَعَامٌ، فَمَرَّ بِهَا رَجُلٌ عَلَى فَرَسٍ فَأَصَابَهَا فَرَمَى بِهِ، فَجَعَلْتُ أَنْظُرُ إِلَيْهَا وَهِي تُعِيدُهُ فِي مِكْتَلِهَا، وَهِيَ تَقُولُ: وَيْلٌ لَكَ يَوْمَ يَضَعُ الْمَلِكُ كُرْسِيَّهُ، فَيَأْخُذُ لِلْمَظْلُومِ مِنَ الظَّالِمِ! فَضَحِكَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم حَتَّى بَدَتْ نَوَاجِذُهُ، فَقَالَ: "كَيْفَ تُقَدَّسُ أَمَّةٌ لاَ تَأْخُذُ لِضَعِيفِهَا مِنْ شَدِيدِهَا حَقَّهُ وَهُوَ غَيْرُ مُتَعْتَعٍ".
وفي حديث أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ- رضي الله عنه- عند ابن ماجه: "إِنَّهُ لاَ قُدِّسَتْ أُمَّةٌ لاَ يَأْخُذُ الضَّعِيفُ فِيهَا حَقَّهُ غَيْرَ مُتَعْتَعٍ"، ومعنى غير متعتع: أي من غير أن يصيب هذا الضعيف أذًى يضعفه أو يزعجه؛ لأن التعتعة هي التردد.
فإذا كانت الأمةُ كما يقول رسول الله صلى الله عليه وسلم لا يُؤخذ فيها الحقُّ للضعيف من القوي، وإذا كانت لا يؤخذ الحق فيها للمظلوم من الظالم، من غير أن يتعرض المظلوم للأذى؛ فهي أمة لا مكان لها على خارطة هذا العالم.
وقد حكى الله تبارك وتعالى عن قوم صالح أنه أخذهم جميعًا بسبب فساد تسعة منهم وسكوت الباقين فقال: ﴿وَكَانَ فِي الْمَدِينَةِ تِسْعَةُ رَهْطٍ يُفْسِدُونَ فِي الأَرْضِ وَلا يُصْلِحُونَ (48)﴾ (النمل)، فكم فينا من رهط يفسد ونحن نتفرج ولا نبالي؟ إذا كان الله تبارك وتعالى يعلمنا أنه أخذ الأمة بسبب تسعة من الرهط؛ لأنهم يفسدون في الأرض ولا يصلحون، فإنه ينذرنا إذا كثر الفساد فينا، ولم نقم بواجب الإصلاح، ولم نسع إلى التغيير، ولم نسع إلى إرساء دعائم الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر تحت أي دعاوى.
إن الأمة إن لم تقم بواجبها في عملية الإصلاح وفي الحركة الإيجابية لتصحيح الواقع الخاطئ وإصلاح العوج الحاصل وتقويمه؛ فإنها ستتعرض لا محالة إلى الوقوع وإلى الدمار وإلى الهلاك.
قد يقول قائل: هذه حرية شخصية. والحديث يبين لنا أن الحرية الشخصية يجب ألا تكون على حساب الأمة، فالذي يخرق في السفينة، يخرق- فيما يظن- في نصيبه، ولكن هذا الخرق سيصيب الأمة كلها، فالذي يفعل المنكرات، والذي يأخذ الرشوة، والذي يأتي أي باب من أبواب الفساد، هو وإن كان يضر نفسه إلا أنه يضر كذلك مجتمعه، والأمة من واجبها أن تحمي نفسها من كل من أرادها بسوء.
أسأل اللهَ العظيم أن يرزقنا التوفيق إلى ما يحبه ويرضاه، وأن يجعلنا من الصالحين المصلحين، وصلى اللهم على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
--------------------
* أستاذ الحديث وعلومه بجامعة الأزهر

