د. محمد منصور

فهو سعيدٌ في نفسه مُسْعِدٌ لغيره، سعيدٌ في نفسه؛ لأنه قد أسعد قلبه وعقله وجسده سعادةً حقيقيةً، جذرية لا وهمية أو سطحية، فهو قد أسعد قلبه بحبه لربِّه خالقه ورازقه ومربِّيه وراعيه، وبحبه لمن حوله وحبهم له، وهو أمرٌ تحبه فطرته، وتبحث عنه، ولا تطمئن ولا تستقرُّ إلا به، وأسعده بالتوكل عليه سبحانه، أقوى الأقوياء، فاطمأنَّ إلى تحقيق كل متطلبات حياته في التوقيت الذي يراه بعلمه مناسبًا، مُسعِدًا له ولمن حوله، وأسعده بصدقه مع نفسه وغيره في قوله وعمله ومشاعره، فلم يحمل غشًّا أو خداعًا، فعاش نقيًّا صافيًا مطمئنًّا لا قلقًا محتقنًا متوترًا، وأسعده بعزته وكرامته؛ حيث هو الأعلى دائمًا، يأخذ بأيدي الآخرين ليعيشوا أعزةً سعداءَ مثله، وأسعده بالرضا عند أي ضرر وحُسن التعامل معه؛ لأنه يعلم أنه سيخرج منه بخبرات تفيده مستقبلاً وتجعله قليل الخطأ أو نادِرَهُ فيسعد ﴿وَعَسى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَعَسَى أَنْ تُحِبُّوا شَيْئًا وَهُوَ شَرٌّ لَكُمْ﴾ (البقرة: من الآية 216).
وأسعده بأداء شعائره من صلاة وصيام وقراءة قرآن ونحوها؛ لأن الشعائر مشاعر، تُشعِر القلب بقوة صلته بخالقه فيطمئن فيسعد، وأسعده بصفاء صدره وحلمه؛ فلم يحمل غلاًّ أو حقدًا لأحد، بل حمل لكل إنسان ولكل مخلوق كل ما يحبه لنفسه، وأسعده بالتفاؤل والاستبشار بانتظار كلِّ ما هو خير سعيد في دنياه، ثم بانتظار ما هو أعظم وأتمّ وأخلد خيرًا وسعادةً في آخرته؛ لأنه قد قدّم أسباب ذلك من أعمال للخير وللسعادة كما يقول تعالى: ﴿هَلْ جَزَاءُ الإِحْسَانِ إِلاَّ الإِحْسَانُ (60)﴾ (الرحمن).
ثم أسعده بالابتعاد سريعًا عن أي بادرة تنتابه من وساوس الشيطان، سواءٌ أكانت كراهية أم يأسًا أم تشاؤمًا أم كذبًا أم خيانةً أم غدرًا أم كبرًا أم قسوةً أم غفلةً أم ذلةً أم كسلاً أم تكلفًا أم سخطًا أم شكًّا أم غلاًّ أم ظلمًا أم سوءًا؛ حيث إنها كلها مرارات وتعاسات تعكِّر صفو سعادات فطرته النقي، ولهذا كله يقول صلى الله عليه وسلم في حديثه المعروف: "ألا وإن في الجسد مضغة، إذا صلحت صلح الجسد كله، وإذا فسدت فسد الجسد كله؛ ألا وهي القلب".
وهو قد أسعد عقله بالعلم ومكانته، وأسعده بالتخطيط وحُسن نتائجه، وأسعده بحرية التفكير والتعبير بأدب وصدق وعدل ونفع، وأسعده بوضوح أهدافه وتجنب الخطأ، وأسعده بحذره ويقظته وفراسته وملاحظته وما فيها من رصيد تجارب نافعة، وأسعده بتحقيق غاياته وطموحاته وإنجاز منجزاته ووصوله لما يريد من كل خير، وأسعده بالابتكار والإتقان وتنمية المواهب واكتساب الخبرات، وأسعده بتنظيم جهوده ووضوح أولوياته، فلا تخبُّطَ ولا ندَمَ ولا خسارةَ ولا ضررَ، ثم أسعده بسرعة إبعاده عن كل فكر في شرٍّ أو خطأ مُضِرّ مُتعِس ولهذا كله يقول تعالى: ﴿قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ﴾ (الزمر: من الآية 9).
وهو قد أسعد جسده بمحافظته على صحته وعافيته، واعتداله في أكله وشربه ومسكنه، وتوسطه في لبسه وتزيُّنه وتجمُّله وترويحه وضحكه وراحته ونومه، وتوازنه في علاقاته الحميمة بزوجته وعلاقاته الحانية بأبنائه وحبه لها ولهم، وكذلك في عمله وإنتاجه وكسبه وغناه، وحُسن تناوله وتعامله مع مواقف الحياة عمومًا وحله لمشكلاته إذا وقعت، ثم هو أسعده بحمايته من كل طعام أو شراب أو لبس أو شغل أو موقف أو كسب حرام، أي ضار، يضره ويُتعسه.
ولهذا كله يقول صلى الله عليه وسلم: "من أصبح مُعافًى في جسده، آمنًا في سربه، عنده قوت يومه، فكأنما حيزت له الدنيا" (أخرجه الترمذي)؛ لأنه بالصحة والأمن على النفس وضمان سعة الرزق سيسعد تمام السعادة، فإذا ما امتلأ المسلم بهذه السعادة التامة وغمرته، بسبب هذه الأخلاق الإسلامية التي أتمَّ ممارستها كلها، وسار بها بين عموم الناس، مسلميهم وغير مسلميهم، فاض عليهم تلقائيًّا من سعادته فيُسعدهم، بل ويُسعد كل كائن، بكل صور السعادة، وفي كل مواقف الحياة، يُسعدهم ببسمة لطيفة أو بنظرة ودود أو بنصيحة خالصة أو بمهنية وحرفية عالية نافعة في تخصصه أو بعلاقة اجتماعية مُسعِدة أو بخدمة مفيدة أو بدعوة صادقة أو بقدوة مؤثرة أو بما شابه هذا.
أما مَن يُسعد جسده فقط، بينما عقلُه شاردٌ عن الخير، وقلبه متمزِّق ببعده عما تريده فطرته من قربها لربها واستعانتها به؛ فهو- ولا شك- تعيس، أو سعيد سعادةً ناقصةً، أو وهمية لحظية يعقبها المرار الكثير.
فكن- أيها الداعي إلى الله والإسلام- سعيدًا في نفسك مُسعِدًا لغيرك، تجتذب بإذن الله كل الناس؛ بمجرد كونك أسوةً تسير فيهم كذلك، لأنهم جميعًا يبحثون عنك، عن السعادة، ولن يجدوها حقيقيةً كاملةً قلبيةً وعقليةً وجسديةً إلا معك، فلا تبخل بها عليهم، لتسعد في الدنيا إذا سعد من حولك ولا تتعس؛ لأن تعاستهم تصيبك بعضها أو كلها، ولِتُثابَ في الآخرة ولا تأثم.