قد يسأل سائل: هل استطاع الأدب أن يواكب زمن الأطباق الفضائية والتطور التقني؟

وأنا أرى أن "المفتاح" الذي يفتح لنا باب الإجابة؛ متمثل في كلمة "واحدة" هي كلمة "الانبهار"، فالانبهار أو الاندهاش المتوهِّج أمام عمل ما أو ظاهرة ما؛ هو الذي يبعث الانفعال، ويجذِّره في نفس الرائي، ثم تكون الاستجابة بعد ذلك متوقفةً على طبيعة المتلقِّي؛ فإذا كان عالمًا على مستوى تقني رفيع، حاول الانطلاق مما يرى إلى ما هو أكثر تقدمًا وأوفى نفعًا، وإذا كان المتلقي أو الرائي شخصًا عاديًّا حصر اهتمامه في نطاق المدى النفعي؛ أي حساب العائد والجدوى التي يخرج بها مما يرى.

 

أما الأديب "المنبهر" فإن مرحلة الاستجابة أو "النزوع"- كما يقول المصطلح النفسي- يتمثل في "الرؤية الوجدانية" التي تأخذ شكل قصيدة أو قصة أو مسرحية.. إلخ.

 

وقديمًا كان "الانبهار" من خلق "الخيال المتمني"، فكان "بساط الريح" الذي يمتطيه الإنسان ويطير به إلى المكان الذي يريد، وشبيه به "الحصان الطائر"، وكانت "البنورة المسحورة" التي ينظر فيها الإنسان فيرى من يحب.. وقد دخلت هذه الشرائح في قصص قديمة، وخصوصًا قصص "ألف ليلة وليلة".

 

وفي مطالع القرن العشرين ظهرت في الأدب الغربي قصص الخيال العلمي، كقصة "رحلة إلى القمر" لهربرت جورج ويلز وغيرها، ودخلت البلاد العربية آليات المواصلات الحديثة مثل السيارة، والقطار، والطائرة؛ فانبهر الشعراء بهذه المخترعات، ووصفوها وصفًا خارجيًّا ماديًّا، معبِّرين عن مشاعرهم النفسية من إعجاب وفزع أمام هذه الآليات التي فاقت في قدرتها "الجن والعفاريت"، ولمعروف الرصافي وعبد الله النديم وحافظ إبراهيم وأحمد شوقي قصائد في هذه المخترعات.

 

وفي العقود الثلاثة الأخيرة كانت طفرة التقنية بدرجة لا يصدقها عقل، وعلى سبيل التمثيل: من كان يصدق أن نرى "دائرة معارف من عدة مجلدات، تُفرغ في دسك من بوصتين، يوضع في "جهاز" أقل من مساحة الكف؟!.

 

والحقيقة أن الأدب العربي لم يستطِع أن يواكب هذه الطفرات لعدد من الأسباب، أهمها:

أولاً: أن العقلية العربية لم تستوعب من هذه الطفرة- حتى الآن- إلا القليل، وما استوعبته كان "بالفهم القابل" لا "العقل الفاعل" الذي ينطلق منها إلى آفاق الاختراع التالي لا التلقي المقتدي أو المتوقف.

 

ثانيًا: أن "أزمة الوقت" في مجتمعاتنا- بل على المستوى العالمي- حقيقة ماثلة في القرن الماضي, مثلاً: كان الإنجليز يعتزُّون بما يسمى "بأدب المدفأة" المتمثل في الروايات الطويلة لديكنز وغيره، مثل "قصة مدينتين" و"الآمال الكبار" وغيرها، وكان الحال نفسه عندنا في مطالع القرن العشرين؛ أما الآن فالوقت "محسوب" على صاحبه "للمعاش" لا للأدب.

 

ثالثًا: أن هناك فكرة غالطة، وهي أن أدب عصر "التقنية" يجب أن يرتبط ارتباطًا مباشرًا بآليات، أي بمخترعات هذه التقنية، وهذا مستحيل؛ لأن هذه الآليات ذات أشكال معقدة جدًّا؛ اعتمادًا على "الأزرار" و"الأسلاك" و"الأشعة" وغيرها، وليست في صورة مبسطة كالقطار، والطائرة مثلاً.

 

رابعًا: أن الأدباء والشعراء في وقتنا الحاضر- في أدائهم التعبيري- على الأقل؛ لا يرقون إلى مستوى أدباء الجيل الماضي، والمخزون اللغوي لكثير منهم فقير للغاية، كما أن الانبهار خفَّت حدَّته إلى أقصى حدٍّ!!.

 

لكلِّ هذه العوامل وهذه الاعتبارات يجب أن يتجه الأدباء والشعراء إلى "الإنسان في عصر التقنية"، وما حملته هذه التقنية للعالم من خير وشر، وأن يستشرف الأديب برؤيته البصيرة وحاسته الشعرية مستقبل الإنسان في ظل التقنية بطفراتها الرهيبة.

 

ومع ذلك نجد من يزعمون أن الشعر مات أو احتُضِر في هذا العصر وأصبح عاجزًا عن مواكبة الواقع المعيش.

 

وهي مقولة تجنح نحو المغالاة والإسراف في الحكم.. هناك على الساحة شعر.. وشعر جيد.. ولكن وسائل الإعلام للأسف- على مستوى أغلب البلاد العربية- لا تُلقي الأضواء بكثافة إلا على شعراء الحداثة وأصحاب ما يسمى بقصيدة النثر، فيخيَّل للنقَّاد أن هؤلاء هم الشعراء، ومن ثمَّ يحكمون بهبوط مستوى الشعر بالنظر إلى إبداعات هؤلاء، أما الشعراء المطبوعون الأصلاء فحظُّهم من الأضواء قليل.. قليل جدًّا.

 

ثم إن الشعر لا يمكن أن يموت إلا إذا عاش الإنسان بلا عاطفة وبلا مشاعر وبلا ذائقة، وهذا مستحيل حتى لو عشنا عصر الجفاف العلمي؛ لأن هذا الإنسان لا يمكن إلا أن يكون هو الإنسان الآلي (الريبوت).

 

ومع ذلك نجد من ينتصر لما يسمى بقصيدة النثر، وهي كيان منكر مقزز، ينكر هو نفسه، فتسمية قصيدة النثر تحمل التناقضية العاتية ابتداءً من اسمها (قصيدة النثر)، فالقصيدة كما هو معروف في الأدب العربي، وكل آداب العالم يجب أن تكون شعرًا له جرسه وموسيقاه، والنثر.. نثر بلا وزن وبلا قافية، فكيف يكون لهذا النثر قصيدة؟!.. هل يصح شكلاً وعقلاً أن تقول: (ظلام النور)، أو تقول (ذكاء الغبي)، أو تقول (إيمان الكافر)؟!

 

وهذه البدعة التي تولَّى كبرَها أمثال أدونيس وكمال أبي ديب وخالدة سعيد؛ تُعد تدميرًا لقيمنا الشعرية وتراثنا الفكري، وتحللاً من اللغة والقيم، ومن عجب أن نرى بعضهم يستعين فيما يسمى بقصيدة النثر بالأرقام والمصطلحات والأشكال الهندسية؛ مما جعلها لغزًا لا يفهمه لا المتلقي فحسب، بل المبدعون أيضًا، فإذا قلت: "أنا لا أفهم"، وجدت الجواب جاهزًا: من قال لك إن الفهم أو الإفهام هو غاية الشعر، ويجرُّونك إلى متاهات من الجدل يترفَّع العاقل عن الخوض فيها والهبوط إليها.

 

وعلينا أن نعلم جميعًا أننا نعيش أزمةً نقديةً حقيقةً، وأكاد أقول: "أزمة نقدية خلقية", أنا لا أنكر أن هناك قلةً من النقاد يلتزمون بقوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا وَإِذَا حَكَمْتُمْ بَيْنَ النَّاسِ أَنْ تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ﴾ (النساء: من الآية 58)، وقوله تعالى: ﴿وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآَنُ قَوْمٍ عَلَى أَلَّا تَعْدِلُوا اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى﴾ (المائدة: من الآية 8).

 

هذه القلة من النقاد يأخذون أنفسهم بالأمانة والعدل، ولكنهم "محرومون" من الأضواء, وهم- بطبيعتهم الشامخة- لا يسعَون إلى مثل هذه الأضواء، أما النقد الغالب على الساحة فهو لا يعرف إلا أحد طرفين: "الموالاة والمعاداة"، أو المجاملة والتدمير.. أي الأبيض والأسود.. ولا مكان للون الرمادي.

 

- كما غاب "النقد التوجيهي" الذي يتعهَّد "البراعم"، ويوجِّهها ويرشدها إلى أن تستوي على سوقها، ويقوَى عودها، ومثل هذا "البرعم" الأديب أو المتأدب إذا لم يجد من يتعهَّده؛ إما أن يصاب بحالة إحباط تدفعه إلى الانسحاب من الساحة الأدبية، وقصف قلمه إلى الأبد، وإما أن يتملَّكه الغرور إلى حد النرجسية؛ لذلك أقول: إن الحركة النقدية في حاجة شديدة وملحَّة جدًّا لوقفة.. بل وقفات طويلة مع النفس.

 

- وقد تلقيت رسالة على "الإيميل" من أحد القراء يسألني: لماذا يغضب بعض النقاد من شعر نزار قباني؟!

 

وأنا أقول في إيجاز: إن نزار قباني كان يعيش بشعره على دغدغة عواطف المراهقين وغرائزهم.. إنه شاعر يعبِّر بألفاظ عربية عن فكر وطوابع فرنسية، وهو شعر صالونات، وسهرات, ولكن يصعب عليَّ أن أنسبه إلى "دوحة الشعر الأصيل" الذي يخلِّد صاحبه.. هو شعر مرحلي.. "وجبة سندوتشية"، لا يمكن أن تغنيك عن "الوجبة الرئيسية الأصيلة".

 

و"نزار قباني" لو استمر في نفس النهج لما نظر إليه أحد؛ لأنه فقد القاعدة العريضة التي كانت تتلقف أشعاره، والتي تتمثل في جمهور المراهقين، ويرجع ذلك إلى "الصحوة" التي هيمنت على كثير من هؤلاء الشباب؛ أما الذين ظلوا في ساحة الانحراف، فلم يعد هذا اللون من الشعر يُشبع نهمهم.

----------

* Komeha@memanet.net