الصورة غير متاحة

 د. الغباشي العطوي

 

لعل أهم ما يصيغ حركة المجتمعات هي مجموعة العقائد والشرائع المترسخة في البناء النفسي لأبناء كل مجتمع، والتي تحكم في الغالب مطالبهم وتصرفاتهم, إذًا فبناء المجتمع المسلم الآن يحتاج إلى إعادة صياغة للبيئة المحيطة، في ضوء بناء عقيدي صحيح وبناء تشريعي محكم منبثق من هذه العقيدة الصحيحة.

 

هذه الصياغة الجديدة التي تحكم تصرفات أفراد أي مجتمع ومطالبه هي البناء الأخلاقي للمجتمع، وهي التي تضمن بناءً اجتماعيًّا شامخًا شاملاً، يضمن حركة دافعة للمسلم وسط بيئة مجتمعية مسئولة، تتكافل وتتكاتف وتتكامل وتتعاون على البر والتقوى، وتتحرك في إطار عقيدة صحيحة تعصمها من الزلل، وشريعة عادلة تحكمها, تضبط وتقوِّم أدنى انحراف لها, وتؤصِّل في وجدانها أن البناءَ الأخلاقي من أهم مقومات المجتمع المسلم، وأن التحلي بالأخلاق الحسنة, والتخلي عن الآثام وأفعال الشر؛ يؤديان بالمسلم إلى تحقيق الكثير من الأهداف النبيلة؛ منها سعادة النفس، وراحة الضمير، وإشاعة الألفة والمحبة بين أفراد المجتمع المسلم؛ لذا نجد الرسولَ الكريمَ محمدًا صلى الله عليه وسلم قد اهتمَّ اهتمامًا كبيرًا بالبناء الإيماني والنفسي والأخلاقي للفرد والمجتمع؛ حيث لا يستطيع أفراد أي مجتمع من المجتمعات الإنسانية أن يعيشوا متفاهمين متعاونين سعداء ما لم تشملهم روابط متينة من الأخلاق الكريمة.

 

فمكارم الأخلاق ضرورة اجتماعية, وهي من أهم مقومات بناء المجتمع، وللأخلاق أثرها العميق في تكوين شخصية الإنسان ومنهجه, وقد اختصر صلى الله عليه وسلم سرَّ بعثته في تمام الأخلاق فقال: "إنما بعثت لأتمم مكارم الأخلاق".

 

وكان عليه الصلاة والسلام يحُثُّ المسلمين دومًا على القيَم والمُثُل العليا؛ حتى ذابت رواسب الضغينة، وتبدلت بالمودة والرحمة, فكانت الأخلاق بمثابة المحرك الأكثر دفعًا لأي نزاع, والأكثر ربطًا لقلوب أفراد المجتمع؛ حتى تآلفت قلوبهم وانسجمت طبائعهم على اختلاف طبقاتهم وتنوع أنسابهم, فعاشوا بالحب والتناصح والتكافل والغيرة على الأعراض, فعرضهم واحد كما أن دينهم واحد, وما حادث بني قينقاع عنا ببعيد!!, فلما كُشِفَت عورةُ امرأةٍ مسلمةٍ في سوق اليهود صرخت, فلبى نداءها أقربُ مسلمٍ لها فوثب إلى هذا اليهودي فقتله غير مبالٍ بوحدته وجموع اليهود من حوله الذين تجمعوا عليه فقتلوه, فأجلاهم رسول الله صلى الله عليه وسلم من ديارهم.

 

هذه الغيرة على أعراض المسلمين، وكأن الواحدة فيهن أمه أو أخته أو ابنته أو زوجته, أين هي من المسلمين الآن؟! وكأن الناس استمرؤوا أكل لحوم الخنازير، فأصابهم داؤها اللعين "الخنزيرية" أو "الديوثية"، وهو عدم الغيرة على العرض؛ حيث إن الخنزير هو المخلوق الوحيد الذي لا يغار على زوجته إذا ما شاركه فيها خنزير آخر, مع أن الرسول صلى الله عليه وسلم حذَّرنا من ذلك فقال: "لا يدخل الجنة ديوث".

 

والأمة الإسلامية أمة متميزة عن غيرها من الأمم، فهي أمةٌ صنعها القرآن فصنعت حضارةً أشرقت لها الأرضُ بأسرها، وسطّرت تاريخًا ناصعًا شهد له القاصي والداني، بكل ما حمله من تشريعات إلهية وأحكام ربانية, ومع ذلك فالمسلمون اليوم لم يتقنوا بعد هذه الثقافة الفاضلة التي تميزهم عن غيرهم, وهي ثقافة فضائل الأخلاق, فمشكلة العرب والمسلمين أنهم يحسنون التقليد وينبهرون بالجديد المستغرب أو المستورد, لدرجةٍ تنسيهم المبادئ والقيم والأخلاق الإسلامية, مع يقينهم بأن الله تعالى من فوق سبع سماواتٍ قد شهد لهذه الأمة بالفضل والخيرية على غيرها من سابق الأمم ولاحقها؛ حيث قال سبحانه وتعالى: ﴿كُنتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللّهِ وَلَوْ آمَنَ أَهْلُ الْكِتَابِ لَكَانَ خَيْرًا لَّهُم مِّنْهُمُ الْمُؤْمِنُونَ وَأَكْثَرُهُمُ الْفَاسِقُونَ(110)﴾ (آل عمران)، وكفى بالله شهيدًا سبحانه وتعالى بأن تكون هذه الأمة مثلاً يُحتذى ونبراسًا يُقتدى، وأن يلزمنا ذلك بدراسة العوامل التي جعلتها خيرَ أمةٍ أخرجت للناس، ومعالجة ما اعوَجَّ منها, من أجل إعادة هذه الأمة إلى سيرتها الأولى.

 

لذا فالواجب علينا استشراف المستقبل الأخلاقي لهذه الأمة، في ظل هذه الحركة الدائبة والمستمرة للتغيرات والتحولات من حولنا, من تربية وتعليم وثقافة وفنون وسياسة واقتصاد وإعلام ورياضة وعادات وسلوكيات وغيرها من المؤثرات؛ في محاولة لتنقية الأجواء من فساد المادة الطاغي, وحرقة الرذيلة المهلكة؛ لمحاولة تحسين المستقبل وتطويره, وتطويعه للفضائل من الأخلاق التي أمرنا بها الله ورسوله, وتخليصه من هذه التبعية الحمقاء والعمياء لقيم الغرب المنحطة, التي نخرت عظام أمتنا.

 

نقول للمنبهرين بالغرب: إن الغرب الذي استغنى عن الله وعن شريعته, إن كان قد حقق إنجازاتٍ رائعةً على الصعيد العلمي والتقني؛ فإن هذه الحضارة التي صنعها حاصرته، وقتلت فيه كلَّ الحياةِ وكلَّ المُثُلِ, فقد تفشت عنده كلُّ المشكلات الأخلاقية والنفسية والاقتصادية، وظهرت كلُّ المفاسد الاجتماعية (الانحلال الأُسري والجريمة والإدمان والشذوذ والانتحار)، وجميعها تتفاقم يومًا بعد يوم.

 

وهذا الغرب (وإن حقق العدل بين مواطنيه) فقد أخفق- بقصد منه- في تحقيقه في تعامله مع الشعوب الأخرى, فالعالم اليوم منقسمٌ بين أغنياء يزدادون غنًى وفقراءَ يزدادون فقرًا, وما زالت نظرة دول الغرب إلى العالم الثالث نظرة المستعمر الذي يريد نهب خيرات الشعوب وإبقاءها متخلفة، وليست نظرة الإنسان الذي يريد أن يرفع من قدر أخيه الإنسان؛ ليشاركه خيرات العالم, وما زالت الحبوب تُتلف في الغرب (حفاظًا على سعرها في الأسواق) في حين يموت الناس جوعًا في إفريقيا وغيرها, (20% من سكان العالم يتمتعون بـ80% من خيراته و80% من سكان العالم يتمتعون بـ20% منها).

 

إن الإسلام ديننا الحنيف علمنا أن القيم والأخلاق لا تتجزأ, وأن العدل لا بد أن يكون في جميع الأحوال والأوقات والأجناس (في الرضا والغضب, في العسر واليسر, في السلم والحرب, في السر والعلن, مع العدو والصديق, مع البار والفاجر, مع الغريب والقريب).. قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تُحِلُّواْ شَعَآئِرَ اللّهِ وَلاَ الشَّهْرَ الْحَرَامَ وَلاَ الْهَدْيَ وَلاَ الْقَلآئِدَ وَلا آمِّينَ الْبَيْتَ الْحَرَامَ يَبْتَغُونَ فَضْلاً مِّن رَّبِّهِمْ وَرِضْوَانًا وَإِذَا حَلَلْتُمْ فَاصْطَادُواْ وَلاَ يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ أَن صَدُّوكُمْ عَنِ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ أَن تَعْتَدُواْ وَتَعَاوَنُواْ عَلَى الْبرِّ وَالتَّقْوَى وَلاَ تَعَاوَنُواْ عَلَى الإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَاتَّقُواْ اللّهَ إِنَّ اللّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ (2)﴾ (المائدة).

 

والبناء الأخلاقي هو من أهم مقومات بناء المجتمع أو انحطاطه، كما أنه قد ينعكس على عقيدتنا الإسلامية الصحيحة وثقافتنا الراسخة والعريقة في مستقبلنا القريب, فالبناء الأخلاقي يؤثر ويتأثر بالبناء الإيماني والتشريعي لأي مجتمع, والإسلام لمَّا رغَّب في إشاعة القيَّم والأخلاق الحميدة بين الأفراد؛ فلأنه أراد بذلك ضمان استمرارية المجتمع الإسلامي وصلاحيته للاستخلاف في الأرض, فالأخلاق الفاضلة أساس بقاء الأمم, كما يقول أمير الشعراء:

إنما الأمم الأخلاق ما بقيت        فإن همو ذهبت أخلاقهم ذهبوا

 

وإن الفساد الأخلاقي هو باب الهلكة وضياع الأمم, كما قال عز وجل: ﴿وَإِذَا أَرَدْنَا أَن نُّهْلِكَ قَرْيَةً أَمَرْنَا مُتْرَفِيهَا فَفَسَقُواْ فِيهَا فَحَقَّ عَلَيْهَا الْقَوْلُ فَدَمَّرْنَاهَا تَدْمِيرًا(16)﴾ (الإسراء)، وقد اتسعت رقعة الفساد الأخلاقي، واستشرت في مجتمعنا، خاصةً عند المترفين منهم, ومردُّ ذلك هو خراب الذمم وفسادها, وصاحب الذمة الفاسدة لا معنى عنده لصدق ولا لشرف ولا حرمة عنده لدين ولا لعرض, ولا شك كذلك أن فساد الأخلاق وانحلالها هو السبب المباشر لظهور الأشكال الاقتصادية المحرَّمة، والتي هي السبب الأول للأزمة الاقتصادية التي يعيشها كل العالم اليوم؛ باعتبارها معاملاتٍ تقوم على انعدام الشعور بمعاني الإنسانية، وإنما تقوم على الأثرة وحب الذات, وتنمية ثروات الأغنياء من موارد ودماء الفقراء؛ ليزداد الأغنياء غنًى، ويزداد الفقراء فقرًا, وينقسم المجتمع إلى مجتمعين, العالم الأول والعالم الثالث, ونلاحظ أنهم وضعوا بين العالمين عالمًا لا وجود له يكشف مدى الهوَّة السحيقة بينهما, كي لا يتقاربا يومًا.

 

والخطر العظيم والفساد الكبير, عندما يصيب خرابُ الذمم القادة والقدوات المنتظر منهم حماية القيم والأخلاق والذود عنها ممن يلي أمرًا (أي أمرٍ) من أمور الأمة من رؤساء وعلماء وأمراء ووزراء ومدراء, فإذا رأيت "عالماً" متبِعًا هواه يقول ما لا يفعل أو ينهى عن المنكر ويأتيه, أو يخشى قولة الحق في أي موطن, أو يُفتي بغير ما شرع الله ورسوله, أو يؤيد باطلاً, أو يتردَّد في إبداء النصيحة لله ولكتابه ولرسوله ولأئمة المسلمين وعامتهم, فانتظر انتقال العدوى إلى ما دونه.

 

وإذا رأيت إعجاب الحكام بآرائهم وإعراضهم عن النصيحة وعن المشورة, وإبعادهم للعلماء, وتقريبهم للجهلاء والسفهاء, وتحكيمهم الرُوَيبضة في شئون الناس؛ فانتظر انحلال العقد الاجتماعي وانتقاض عرى الولاء والبراء والمحبة والفداء والانتماء, وانحسار الفضيلة وتفشي الرذيلة, وانطفاء النخوة وسيطرة الخوف, والخائفون لا يعرفون أبدًا الطريق الصحيح إلى النهضة والحضارة والازدهار.

 

إن كل ما نحن فيه من هوانٍ؛ لأننا عطلنا هذه المنظومة الأخلاقية التي أرادها لنا الخالق البارئ المصور، والتي ربى عليها رسوله صلى الله عليه وسلم فكان خلقه القرآن، وكان قرآنًا يمشي على الأرض، وامتدحه الله عز وجل فقال: ﴿وَإِنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ (4)﴾ (القلم)، فربى رسولُ الله صلى الله عليه وسلم أصحابَه على حسن الخلق: "أنا زعيم ببيت في الجنة لمن حسن خلقه"، ورباهم على أن حسن الخلق يحقق للعبد محبة الله ومحبة رسوله والناس أجمعين, وأن أحدًا لن يسع الناس بماله وجاهه، ولكن يسعهم بالبشر وحسن الخلق.

 

نعم.. لدينا منظومة أخلاقية كاملة متكاملة شاملة؛ لأنها من عند الله منظومة أخلاقية إسلامية تحرر الإنسان، وتحركه من خلال عبوديته لخالقه ومولاه، ومن خلال اعتقاده بأن الله حكمٌ عدلٌ يحب المحسنين, وهو وحده قيوم السماوات والأرض، وبأن الحياة مزرعة الآخرة، وهي خطوة صغيرة في طريق الخلود الذي ينتهي إما إلى جنةٍ فيها النعيم المقيم, أو إلى نارٍ فيها العذاب الأليم, منظومة أخلاقية تربط الإنسان بربه وبنفسه وبمجتمعه وبالناس أجمعين, بل بالكون كله ربطًا متناسقًا بديعًا يحقق فيه الإنسان أعلى درجات الإنسانية من سموٍّ وتحضُّر ورقيٍّ, وإن التربية على هذه الأخلاق الإسلامية الفاضلة هي التي تمثل الخلاص الفردي والجماعي في الدنيا والآخرة.

 

إن الغرب الذي نهيم به تيهًا ونقتفي أثره جهلاً وجهالةً بما في أيدينا من كنوز الهداية والرقي والتقدم لا يريد لنا الخير ﴿مَّا يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُواْ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ وَلاَ الْمُشْرِكِينَ أَن يُنَزَّلَ عَلَيْكُم مِّنْ خَيْرٍ مِّن رَّبِّكُمْ وَاللّهُ يَخْتَصُّ بِرَحْمَتِهِ مَن يَشَاءُ وَاللّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ (105)﴾ (البقرة).. إنهم يحسدوننا على ما نحن فيه من جلال الإيمان ونور الهداية، ويعلمون ذلك جيدًا، أننا على الحق, ويتمنون أن نعود معهم إلى الكفر ﴿وَدَّ كَثِيرٌ مِّنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَوْ يَرُدُّونَكُم مِّن بَعْدِ إِيمَانِكُمْ كُفَّارًا حَسَدًا مِّنْ عِندِ أَنفُسِهِم مِّن بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمُ الْحَقُّ فَاعْفُواْ وَاصْفَحُواْ حَتَّى يَأْتِيَ اللّهُ بِأَمْرِهِ إِنَّ اللّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (109)﴾(البقرة).

 

مع كل هذا نتقرب إليهم ونواليهم ونثِق بهم, نطلب في جوارهم القوة والمنعة وهم أساس ضعفنا وقوة عدونا, لن يمكنونا من امتلاك أي قوة مادية, ولن نستطيع في جوارهم أن نعلي شأننا، ناهيكم عن أن نعلو عليهم في شأن من الشئون أو علم من العلوم, سيحطمون بذور القوة كلما نثرناها في أرض واقعنا, ولا أمل لنا في التفوق عليهم إلا باستخدام هذا السلاح الذي لا يستطيع الغرب أن يمنعنا من استخدامه, ولا يستطيع أن يصنع سلاحًا مثله, كما أنه سيأتينا زحفًا ومستجديًا خيره إذا استخدمناه؛ لأنه في أمسِّ الحاجة إليه، ولن يستطيع النجاة بدونه.. إنه المنظومة الأخلاقية الإسلامية.

 

وإنَّ من فضل الله على خلقه أن الأخلاق تكتسب بالتربية بتعويد النفس عليها، وتدريبها، وإلزامها على فضائل الأخلاق وأخلاق الفضيلة, روى الإمام البخاري رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "إنما العلم بالتعلم، وإنما الحلم بالتحلم، وإنما الصبر بالتصبر"، والنفس تُزكَّى أخلاقيًّا بالتربية والمجاهدة، وتتوقف التربية على الإرادة والعزيمة، فهل لأفرادنا ولأمتنا تلك الإرادة والعزيمة على العودة إلى الأخلاق الفاضلة, وهل لأمتنا إرادة على تمثل أخلاق العدل والحلم والجود والرحمة والإتقان والإحسان والجد والشهامة والعفة والإيثار.. وغيرها من مكارم الأخلاق, إنه لن تسود إلا أمة خلوقة يحمد أخلاقها رب الأرض والسماوات وأهل الأرض وأهل السماء.

 

إننا مع ذلك على يقين أن المشكلة الأخلاقية لا تنفصم عن المشاكل الأخرى السياسية والاقتصادية والاجتماعية؛ فالإسلام نظام شامل يتناول مظاهر الحياة جميعًا والإصلاح كذلك لا بد أن يكون شموليًّا فلا أخلاق في مجتمع قائم على القهر والكبت والظلم والإكراه, لا أخلاق في مجتمع لا يتقن أفراده إلا الهتاف والتصفيق والسير في ركب الحاكم- أي حاكم- ولا أخلاق مع الجوع والفقر والجهل والمرض وانعدام الضروريات التي يحتاجها الإنسان- أي إنسان-, لا خلاف على ذلك, ولكن الأخلاق هي نقطة البداية فخلق الذل والمهانة والضعف والاستكانة والخوف والخنوع والسلبية واليأس وانعدام الإحساس بالكرامة؛ هو الذي يشجع الحاكم على القهر وتكميم الأفواه, وخُلُقُ العزة والكرامة والقوة والشجاعة والتضحية والإيجابية والنشاط والاعتماد على الذات والثقة والتفاؤل؛ هو الذي يدفع الناس إلى العمل والإنتاج وتحسين الأوضاع السياسية والاقتصادية والاجتماعية وغيرها.

 

إننا اليوم في أشد الحاجة إلى تفعيل المنظومة الأخلاقية الإسلامية؛ ليس إنقاذًا لنا فحسب، وإنما إنقاذ للبشرية بأسرها, وفي هذا السبيل نحن بحاجة إلى:

- صدق التوجه إلى الله أخذًا منه وعطاءً إليه, فهو الذي اختار لنا هذه الشريعة وهذا الدين, ونحن له مسلمون, وبه مؤمنون, فلا شرع غير شرعه، ولا حكم خلاف حكمه, ولا أمر فوق أمره, ﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْراً أَن يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ وَمَن يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالاً مُّبِينًا(36)﴾ (الأحزاب)، أي تطبيق الشريعة الإسلامية, وهذه مسئولية السلطتين التشريعية والتنفيذية معًا.

 

- إحساس كل مسئول في الدولة بسلطة الدولة القانونية ومسئوليتها ومسئوليته معها في الحفاظ على الدين وتطبيقه ونشره، والدفاع عنه وعن تربية الأمة وتوجيهها، وصياغة حياتها وفق مبادئ دستورية إسلامية واضحة المعالم؛ فهي التي تتولى مهمة توجيه الحياة الاجتماعية كالتربية والتعليم والإعلام ومشاريع الاقتصاد ومؤسسات المال والتجارة والإدارة, كما تتحمل مسئولية البناء الأخلاقي والحضاري والعقائدي للمجتمع, ﴿الَّذِينَ إِن مَّكَّنَّاهُمْ فِي الْأَرْضِ أَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ وَأَمَرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَنَهَوْا عَنِ الْمُنكَرِ وَلِلَّهِ عَاقِبَةُ الْأُمُورِ (41)﴾ (الحج).

 

- زيادة رصيد الأمة من القدوات الصالحة، ورعايتها، وإفساح المجال الإعلامي والتربوي والإصلاحي لها؛ لإعادة صياغة شخصية هذه الأمة, وبناء القيم الأخلاقية الإسلامية من جديد, فإنَّ "عملَ رجلٍ في ألف رجلٍ خيرٌ من قول ألف رجل لرجل", وهذه الوفرة من الشخصيات المسلمة في المجتمع، والتي تُمثل الأسوة الحسنة فيه, مقتدين برسول الله صلى الله عليه وسلم, يتم التركيز عليها إعلاميًّا لإبرازها كقدوات صالحة حقيقية، والتركيز على إعادة بنائها لدى أفراد المجتمع؛ حتى لا تستمر قدوات شبابنا هم المستهترون والمستهترات الذين أصبحوا هم قادة الرأي والضيوف الأكثر حظوة في كل أجهزة الإعلام المختلفة, وتغيير القدوة أصبح ضرورة ملحة لا بد أن نوليها اهتمامًا بالغًا.‏

 

- الاهتمام بدور الإعلام في البناء الأخلاقي للمجتمع‏,‏ وأن تهتم الدولة بالإعلام المسموع والمقروء، ويظل الاهتمام الأكبر للإعلام المرئي والفضائيات، ومحاولة تنقيته من الغثاء الذي يفيض به, ولا بد من إعداد برامج جديدة تركِّز على القيم الأخلاقية التي يراد إكسابها للناس مرة أخرى, تكتب بذكاء المربي الناصح, ويستضاف فيها قادة الرأي والمفكرون والعلماء الذين يعتبرون قدوة صالحة في مجال تخصصهم‏.‏

 

** الالتزام والاحترام الحقيقي لقوانين الدولة وأنظمتها, والتي هي في مجملها موافقة للبناء التشريعي للمجتمع المسلم في مختلف المجالات والجهات وعلى جميع الأشخاص, وأن يمثل ولاة الأمر القدوة للناس في هذا الالتزام والاحترام, وعن طريق السلطة القانونية للدولة يمكن الحفاظ على بناء الأمة الاسلامية، وحمايته، والحيلولة دون محاولات الهدم والتخريب الموجهة ضده وضد الإسلام من أي مصدرٍ كان.

 

- أن يسود مبدأ الثواب والعقاب في المجتمع؛ مكافأة المستقيم الصالح، وعقاب المنحرف المضل, فالعقاب حق الله، وحق المجتمع باعتبار المجرم قد تعدَّى على حرمات الله والمجتمع, والجريمة مرض يلحق ضررها بالمجتمع، وينتشر فيه يومًا بعد يوم, وكما يعاقب المجرم عقابًا ماديًّا، فإنه يعاقب عقابًا معنويًّا واجتماعيًّا في بعض الجرائم كما حدد الله عز وجل: ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاء فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَةً وَلَا تَقْبَلُوا لَهُمْ شَهَادَةً أَبَدًا وَأُوْلَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ (4)﴾ (النور), وهذا العقاب ليس أمرًا سهلاً، فالفاسق يفقد بذلك شخصيته الأدبية في المجتمع بعدم الاعتداد بشخصيته، وعدم الثقة به، فلا تقبل شهادته.

 

- أن يسود العدل والمساواة بين الناس جميعًا في الحقوق والواجبات دون واسطة أو تدخل من آخرين بصورة أو بأخرى, مثل حق التعليم, حق العمل والتوظيف, حق التملك, حق الترشيح لأي منصب, حق إقامة الجمعيات والنقابات, حق الاعتراض, حق النصح والإرشاد, حرية الاعتقاد, حرية التعبير, حرية التظاهر السلمي, حرية الإضراب غير المضر أو المخل, مع الالتزام الكامل بأن حرية الفرد تنتهي عندما تبدأ حرية الآخرين, وكما تكفل الدولة حقوق مواطنيها, فعلى جميع أفراد المجتمع أن يفوا بواجباتهم نحو مجتمعهم وأمتهم, فيعملون بجد واجتهاد طوال ساعات العمل المفروضة عليهم بإتقان وإحسان كما أمرهم الله ورسوله, وأن يلتزموا بالإيجابية في جميع أنشطتهم الحياتية والمجتمعية, فيكونوا جميعًا متعاونين متكافلين متحابين مترابطين كالجسد الواحد.

 

- لا بد من عودة الثقة بين أفراد المجتمع بعضهم وبعض, وبين الحاكم والمحكوم, ولا بد من العودة إلى أخلاق الإسلام من العدل والصبر والعفو والصفح الجميل والتسامح والتراحم والمروءة وحب الخير والإيجابية واستغلال الوقت والانتفاع به, والرفق والألفة وإفشاء السلام وإطعام الطعام وحب المساكين وحب الوطن, والتضحية والشجاعة والنخوة والشهامة ونصرة المظلوم ودفع الظلم وكره المعصية, وأن تقل لهفتنا على الدنيا ومتاعها, وتنمحي من بين أفراد المجتمع الأنانية والوصولية والتملق والنفاق والسلبية والشح والبخل والظلم والفحش والتفحش والمجاهرة بالمعاصي والعنف وموالاة الأعداء, وغيرها, وأن تسخر كل الإمكانات في المجتمع لإعلاء قيم الفضيلة وإنهاء الرذيلة, وأن يتبنى ذلك المجتمع بأسره, وأن نلح على ذلك إلحاحًا.

 

- نحتاج إلى الأمل, يحدونا في مسيرتنا نحو الإصلاح, فرغم كل ما نرى وما يمر بنا؛ فإن الأصل لا يخبو أبدًا, والقاعدة الإيمانية متأصلة في كل مسلم تحتاج من يكشف عنها وينميها, هناك نور ينبثق من خلف الظلمة, والمؤمن لا يقنط من رحمة الله, الدنيا تتغير، وربما ببطء، ولكنها تتغير بالتأكيد إلى الأحسن, نحتاج فقط قدوات صالحة تذكرنا بالله, وتربينا على نهج رسول الله صلى الله عليه وسلم في تربية أصحابه؛ فكانوا رهبانًا بالليل فرسانًا بالنهار، ودعاهم إلى استغلال كل مواردهم المتاحة، وعدم التفريط فيها، بل اغتنامها والانتفاع بها فقال: "اغتنم خمسًا قبل خمس: شبابك قبل هرمك، وصحتك قبل سقمك، وغناك قبل فقرك، وفراغك قبل شغلك، وحياتك قبل موتك", فأخلصوا العمل, فسادوا الدنيا كلها, ولن ينصلح حالنا إلا بما صلح به الأولون, اتباع طريق الله المستقيم ﴿وَأَنَّ هَـذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيماً فَاتَّبِعُوهُ وَلاَ تَتَّبِعُواْ السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَن سَبِيلِهِ ذَلِكُمْ وَصَّاكُم بِهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ (153)﴾ (الأنعام).

 

ندعو الله عز وجل أن ييسر لهذه الأمة أمر رشد, يُعز فيه أهلُ طاعته, ويُذل فيه أهل معصيته, ويحكم فيه بكتابه, إنه ولي ذلك والقادر عليه, وصلى اللهم على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه، ومن اهتدى بهديه، وسار على دربه إلى يوم الدين.

------------------

ghobashyelatawy@yahoo.com