شعارات فقط وإبداء نوايا يصفها البعض بالحسنة.. هكذا وصف المحللون مجمل زيارات الرئيس الأمريكي باراك أوباما إلى المنطقة الإسلامية، والتي صاحبها اعتراف رئاسي صريح بهزيمة مشروع بلاده الإمبراطوري طيلة السنوات الثماني الماضية أمام مشروع المقاومة، على الرغم من فارق القوة الكبير بين كلا المشروعَيْن، والاختلاف القِيَمي بينهما، ذلك الاختلاف الذي يجعل من المقاومة- أيًّا ما كانت هويَّتها- لا تقدم على ارتكاب ذات الجرائم التي يرتكبها التحالف الأمريكي- الصهيوني في فلسطين والعراق وأفغانستان، لمجرد تحقيق أهداف المشروع.

 

وبوجه عام فإنَّ المنطقة خلال المرحلة الماضية- وفي ظل التغيرات التي شهدتها دوائر الحكم في كلٍّ من الكيان الصهيوني والولايات المتحدة- شهدت وتشهد مجموعة من الزيارات والتحركات المركزية، كانت زيارة أوباما لمصر من بينها.

 

وكانت هذه الزيارات والتحركات ذات أهداف عدة تتعلق، بالتنوير المتبادل، وتحسس الأقدام، بالإضافة إلى محاولة كل طرف معرفة ما لدى الآخر وإلى أي مدىً يمكنه أن يتواءم أو لا يتواءم مع السياسات الأمريكية الجديدة، وأن يتعامل مع الحكومة الصهيونية الجديدة، بتشكيلها اليميني الحالي.

 

ولم تبدأ هذه الزيارات- كما يبدو للبعض- منذ تولي أوباما ورئيس الوزراء الصهيوني بنيامين نتنياهو للحكم، ولكنها بدأت منذ انتهاء الحرب العدوانية الصهيونية الأخيرة على قطاع غزة؛ حيث شهدت المنطقة تقاطر العديد من المسئولين الدوليين والغربيين بالذات، في جولات استكشاف وتحديد مواقف.

 

وفي حقيقة الأمر، فإن التقارير وتقديرات الحالة والموقف التي ترِد من وقت لآخر لا تبشِّر بخير، ويعود مكمن الخطر في هذا المشهد إلى أمرين أساسيين؛ الأول: هو أن هذه الترتيبات يدفع العرب والمسلمون ثمنها من دمائهم وثرواتهم، والفترة الماضية أبلغ دليل على ذلك، والترتيبات الجديدة لا تقول إن هناك تغييرًا كبيرًا سوف يحدث في هذا الإطار، بل قد تبدو الأمور تسير من سيِّئ إلى أسوأ.

 

فعلى الجانب الأمريكي، ينكص الرئيس باراك أوباما الذي رفع كلمة "التغيير" كشعار لحملته الانتخابية عن كل وعوده التي تخص العالم العربي الإسلامي، كما سوف نرى، بينما رئيس الوزراء الصهيوني بينيامين نتنياهو لم يترك مجالاً للتخمين في نواياه إزاء العرب وإيران!.

 

فهناك أكثر من ثلاثة آلاف مسلم سقطوا قتلى في الصراع في أفغانستان في العامين 2007م و2008م الماضيين، من دون حساب عدد الضحايا في صفوف حركة طالبان أو تنظيم القاعدة والتنظيمات المسلَّحة الأخرى هناك، أما في العراق فالأرقام بعشرات الآلاف، وفي فلسطين والصومال والسودان، وغيرها من بلدان العالم العربي والإسلامي.

 الصورة غير متاحة

 ناشطون أمريكيون وأوربيون تظاهروا أمام جامعة القاهرة لمطالبة أوباما بإنهاء حصار غزة

 

الأمر الثاني أن هذه الترتيبات سوف تؤدي إلى تغيير بنية الهوية الجيوسياسية في المنطقة بأسرها، فالعراق- على سبيل المثال- مقسَّمٌ فعليًّا بين شمال كردي ووسط وجنوب عربي سني- شيعي متناحر، وتحوَّل العراق القومي الموحَّد القوي إلى بلد ضعيف مأزوم يدور في فلك السياسات الأمريكية، وله علاقات فعلية مع الكيان الصهيوني.

 

وبالمثل الأوضاع في فلسطين ولبنان والسودان والصومال وباكستان؛ حيث الصورة واحدة وإن اختلفت الألوان والإطار؛ حيث هناك أطراف متنازعة، مختلفة في أجنداتها، بعضها له تبعية في قراراته ومرجعياته للغرب، وتحديدًا للولايات المتحدة، وبعضها له علاقاته المباشرة مع الكيان الصهيوني، وبدلاً من الحديث عن تقسيم جغرافي له نتائجه وعواقبه الأمنية والسياسية على المصالح الغربية، فإن البديل كان هو الانقسام السياسي الداخلي بين أحزاب أو قوى سياسية مختلفة.

 

وبعض هذه الصراعات والانقسامات تلعب فيها الاعتبارات القبلية والطائفية دورها، بينما هناك أزمات بين قوى وأحزاب سياسية تدين بذات الدين والمذهب، ولكن هناك اختلافات عدة ما بينها على الأولويات والسياسات.

 

سياسات اليمين

على الرغم من الخطاب الجيد الذي تبنَّاه الرئيس الأمريكي أوباما، حتى من قبل تنصيبه رئيسًا للولايات المتحدة، إلا أنَّ العبرة في السياسة ليست بالأقوال والنوايا الطيبة، ولكن بالأفعال والتأثيرات والسياسات المُطبَّقة على أرض الواقع، فلا عبرة لأن أقول للفلسطيني المقيم في غزة "أنا معك، وأفهم قضيتك"، بينما أشارك في حصاره وفي قتل أطفاله بسلاحٍ أمريكي الصنع، وبحصارٍ تلعب الأموال والتقنيات والسياسات الأمريكية الدور الرئيسي فيه.

 

وعند وضع سياسات الرئيس الأمريكي على المقاييس الإحصائية العلمية التي وضعها كبار أساتذة العلوم السياسية ومنظِّري السياسة في مصر والوطن العربي والعالم؛ فإننا لن نجد فيها الكثير من التغييرات عن سياسات سلفه السابق جورج بوش الابن، باستثناء التغيير في التعبيرات المستخدمة في العمل الخارجي.

 

وقد تم تكوين الأحكام والتقييمات الخاصة بهذه السياسات من خلال متابعة لكافة ما صدر من مواقف وتصريحاتٍ رسميةٍ عن رموز الإدارة الأمريكية، وكذلك سلسلة القرارات المتعاقبة التي صدرت في غضون الأشهر التي تلت تولي أوباما الحكم، وهو ما يبرزه العرض التالي:

 

1- فلسطين والصراع في الشرق الأوسط:

لأوباما مواقف معلنةٌ، مثل الدَّعوة إلى حلِّ الدَّولتَيْن بين الفلسطينيين والصَّهاينة، ووقف بناء المغتصبات في الضِّفة الغربيَّة المُحتلَّة، إلا أن أوباما عجز حتى الآن عن فرض مواقفه على الكيان الصهيوني، ولا يعتبر موقفه في هذا الإطار بجديد، فقد سبقه إليه الرئيس الأمريكي الجمهوري الأسبق جورج بوش الأب الذي بدأت عملية مدريد في عهده ووزير خارجيته جيمس بيكر.

 

كما أن أوباما وخلال حملته الانتخابية مُعترِفٌ بشكلٍ واضحٍ بأنَّ القدس عاصمة أبديَّة وموحدة للكيان الصهيوني، كما يؤيد أوباما موقف الكيان الصهيوني بأن إقامة دولةٍ فلسطينية مرتبطٌ بإنهاء سيطرة حركة حماس على قطاع غزة واعتراف المقاومة بالكيان الصهيوني وإلقاء السلاح والاعتراف بالاتفاقيات الموقَّعة بين منظمة التحرير الفلسطينيَّة والكيان الصهيوني؛ حيث إن مرجعية إدارة أوباما في الملف الفلسطيني هي خطَّة خارطة الطريق، ومقررات الرباعية الدولية التي أقرَّتها إدارة سلفه.

 

ولم يتحرك خطوة واحدة زائدة عن موقف إدارة سلفه بوش الابن فيما يخص ملف جرائم الحرب الصُّهيونيَّة في حرب غزة، أو فتح المعابر ورفع الحصار الخانق عن قطاع غزة، بل إن الكونجرس الذي يسيطر عليه الديمقراطيون أقرَّ مشروع قانون يضع خمسين مليون دولار إضافية بغرض إحكام الحصار على قطاع غزة.

 الصورة غير متاحة

خطاب أوباما لم يقنع العالم الإسلامي

 

وفيما يخص الصراع في الشرق الأوسط بشكلٍ عامٍّ، وما يسمى بـ"عملية التسوية"؛ تبنى أوباما سلسلة من المواقف الإيجابية في هذا الشأن، لكن على مستوى الموقف الإعلامي فحسب، فلا يوجد موقف واضح لأوباما فيما يخص قضايا التسوية مع سوريا أو حول مصير الجولان، ومن الواضح أن سياسات أوباما سوف تستكمل ما بدأته إدارة بوش الابن السابقة في صدد حصار مشروع المقاومة في الشرق الأوسط.

 

والإيجابيَّة الوحيدة هنا هو تعيين جورج ميتشل كمبعوث لأوباما في الشرق الأوسط، وهو الذي أدان الكيان الصهيوني في مجازر جنين والضفة والغربية في العام 2002م، بعد اندلاع انتفاضة الأقصى الثانية في سبتمبر من العام 2000م.

 

2- العراق:

هناك أحاديث عن تأجيل الانسحاب من العراق خلافًا لما نصت عليه الاتفاقية الأمنية الموقعة في خريف العام الماضي، وذلك بعد تصاعد أعمال المقاومة في العراق في الفترة الأخيرة، كما أن هناك مؤشرات على استمرار التعاون الأمريكي- الإيراني في الملف العراقي.

 

3- أفغانستان وباكستان:

أمر أوباما بزيادة عدد القوات الأمريكية في أفغانستان إلى 68 ألفًا بدلاً من 32 ألفًا، كما أمر باستمرار سياسات سلفه بقصف مواقع مدنية وتنظيمية تابعةٍ لطالبان والقاعدة في داخل الأراضي الباكستانيَّة بواسطة طائراتٍ من دون طيارٍ، وكثيرًا ما تؤدي هذه العمليات إلى سقوط ضحايا مدنيين من بين المواطنين الباكستانيين.

 

وضغطت الإدارة الأمريكيَّة الحالية على إسلام أباد لنقض اتفاقية تطبيق الشريعة الإسلامية مع طالبان باكستان وجماعة تطبيق الشريعة المحمدية؛ بما أدَّى إلى اندلاع أزمة وادي سوات التي أدَّت إلى نزوح 3 ملايين مسلمٍ، ومقتل حوالي ألفي مسلم من طالبان والجيش الباكستاني في معارك سوات.

 

بالإضافة إلى ذلك لم يبدُ أنَّ هناك سياسة بعينها ينوي أوباما بها حسم مشكلة الفساد والاتهامات بالاتجار في المخدرات الموجهة لحكومة الرئيس الأفغاني حميد قرضاي وقرضاي ذاته.

 

4- حقوق الإنسان وملف الديمقراطية عبر العالم:

أوباما اختار مصر لإلقاء خطابه للعالم الإسلامي، على الرغم من سجلِّ حقوق الإنسان السلبي والديكتاتورية التي يتمتع بها النظام المصري، كما تراجع الرئيس الأمريكي عن قراره السابق بإلغاء المحاكم العسكرية للمعتقلين بصفة الإرهاب، كما تراجع أوباما عن قراره بالكشف عن صور تعذيب جديدة، مسئول عنها موظفون وقادة عسكريون في الإدارة السابقة.

 

ولم تتحسَّن حالة الأقليات في الولايات المتحدة في عهده عن عهد سلفه، وأدَّت عوامل- من بينها الأزمة الاقتصادية العالمية- إلى كون المهاجرين هم الأكثر بطالةً في الولايات المتحدة، وكان التحسن الوحيد في هذا الملف في عهد أوباما هو التعهد بإغلاق معتقل جوانتنامو، كما أنه أعاد العلاقات مع كوبا جزئيًّا؛ حيث سمح لأهالي المهاجرين في الولايات المتحدة بالعودة لزيارة ذويهم، لكنه لم يرفع العقوبات المفروضة على كوبا.

 

5- إيران والملف السوري اللبناني:

في هذا المجال جدَّد أوباما العقوبات المفروضة على سوريا، وتراجعت إدارته عن سياسات الحوار التي كانت قد بدأتها مع دمشق، عن طريق وفود برلمانية ومن مجلسَيْ النواب والشيوخ.

 

بالإضافة إلى ذلك تراجع أوباما عن فكرة الحوار مع إيران حول ملفها النَّووي وقضايا الشَّرق الأوسط، بعد ضغوطٍ من الكيان الصهيوني، وقال إن هناك مهلة فقط للرئيس الإيراني الجديد لقبول فكرة الحوار حول البرنامج النووي الإيراني حتى أكتوبر القادم، بعدها سوف يتم تشديد العقوبات المفروضة على إيران.

 

وخلال زيارة نتنياهو الأخيرة إلى واشنطن، اتفق أوباما ونتنياهو على إمهال إيران سنةً، وقال أوباما في لقائه مع رئيس الحكومة الصهيونية في واشنطن: "بعد ذلك كل الخيارات مفتوحة"، كما عيّن أوباما يهوديًّا كمستشارٍ لسياساته في الشرق الأوسط بما في ذلك إيران، وهو دينيس روس.

 

6- قضايا القارَّة الإفريقية:

لم يتحرَّك أوباما خطوة واحدة في ملف الصومال، على الرغم من أن الوضع الإنساني مُدمَّرٌ تمامًا هناك، كما تستمر واشنطن في دعم العملية السياسية التي بدأتها الإدارة السابقة، وترعاها الأمم المتحدة، وأتت بشيخ شريف شيخ أحمد للحكم في الصومال.

 

أما في الملف السوداني فلا جديد في السياسة الأمريكية، فواشنطن وتل أبيب مستمرتان في دعم فصائل التمرد في دارفور، ولم يتم الضغط على حكومة تشاد لوقف تدخلاتها في الشأن السوداني، والتي تتم بدعمٍ فرنسي.

 الصورة غير متاحة

الصوماليون تابعوا خطاب أوباما لعله يعرض حلاً لأزمة بلدهم

 

في المقابل عيّن أوباما سوزان رايس برتبة وزير كمندوبة للولايات المتحدة في الأمم المتحدة، وهي معادية لنظام الرئيس السوداني عمر البشير، ومتشدِّدة في فرض العقوبات عليه، وكانت هناك أحاديث عن اتجاه واشنطن للتعامل مع الخرطوم، ولكن لم يتم مواصلة الجهد الذي بدأه في هذا الصدد السيناتور جون كيري رئيس لجنة العلاقات الخارجية في مجلس الشيوخ، والجنرال المتقاعد جوناثان جريشان مبعوث أوباما الخاص في السودان.

 

وتزداد مخاطر السياسات الأمريكية في عهد أوباما، مع كونها سلبية، ولكنها تجيء في إطار إعلامي متفائل وإيجابي، و"حزمة" من سياسات العلاقات العامة التي سوف تفرض سياسات أوباما عن طريق "القوة الناعمة"، وليس عن طريق "القوة الصلبة" التي تؤدي بدورها إلى تصلب المواقف والآراء.

 

الدور الصهيوني

لا توجد أحكام قيمية في توصيف سياسات الإدارة الأمريكية الجديدة، فهذه الملاحظات مبنية على قرارات وتصريحات رسمية ومؤكدة، ولكن تجب الإشارة إلى أنَّ تأثيرات طبيعة الحكومة الصهيونية الجديدة لها وزنها في تراجع أوباما عن الكثير من وعوده السابقة، خصوصًا مع لجوء الكيان إلى الهيئات التابعة له والشخصيات المؤيدة له في الولايات المتحدة، وخصوصًا الكونجرس؛ حيث مركز صناعة القرار الحقيقي في الولايات المتحدة.

 

الحكومة الصهيونية الجديدة مكونة من جميع ألوان الطيف اليَميني الصهيوني، ومرجع ذلك إلى حصول الأحزاب اليمينية في الانتخابات العامة المبكرة التي جرت في 10 فبراير الماضي على 62 مقعدًا من إجمالي عدد مقاعد الكنيست البالغة 120، ولذلك تم تكليف نتنياهو بتشكيل الحكومة، على الرغم من حصول حزب الليكود الذي يرأسه على 27 مقعدًا فقط مقابل 28 لحزب كاديما الذي ترأسه وزيرة الخارجية الصهيونية السابقة تسيبي ليفني، والتي فشلت في خريف العام الماضي 2007م، في تشكيل حكومة وحدة وطنية.

 

وفي ظل حكومة كهذه لا نتوقع أي تغيير في سياسات الحكومة الصهيونية تجاه القضايا العربية والإسلامية، ونقول لا تغيير، ولا نقول نتوقع تراجعًا؛ لأنَّ في الكيان الكل صهيوني ومتطرف، فقط يختلفون في طبيعة الخطاب، كما أن حزب كاديما الذي يصنَّف على أنَّه يمين- وسط، أصوله تعود إلى الليكود الذي كان يرأسه رئيس الوزراء الهالك المجرم إرييل شارون، وأسسه الإرهابي الهالك مناحيم بيجين، كما أن كاديما هو من قتل 1500 فلسطيني في عدوان غزة الأخير.

 

وتضم حكومة نتنياهو أحزاب: "الليكود"، و"إسرائيل بيتنا"، و"العمل"، و"شاس"، و"البيت اليهودي"، وكلها باستثناء "العمل"، أحزاب يمينيَّة متطرفة، وقد حدَّد نتنياهو ووزير خارجيته أفيجدور ليبرمان ووزير داخليته إيلي يشاي خطوط عامة لسياسات الحكومة الصهيونية إزاء مختلف الاستحقاقات، وكلها مواقف ضاغطة على القرار الأمريكي.

 

ففي خصوص إيران أعطت الحكومة الصهيونية أولوية للملف النووي الإيراني، ويجري سلاح الجو الصهيوني من آنٍ لآخر مناوراتٍ، يُخشى معها أن تكون مقدمة لعدوان صهيوني فردي على إيران.

 

أما على الجانب الفلسطيني فقد "تعهد" نتنياهو بإغلاق باب المفاوضات السياسية مع الفلسطينيين، خصوصًا حول اللاجئين والأراضي المحتلة في القدس والضفة الغربية، والتركيز على التعاون الأمني مع السلطة الفلسطينية في رام الله، وكذلك الحديث عن التنمية الاقتصادية للمناطق الفلسطينية، بدلاً من مناقشة قضايا اللاجئين والأراضي المحتلة.

 

مع وضع القدس خارج دائرة التفاوض، إذا ما استؤنفت، فالقدس "عاصمةٌ أبديَّةٌ موحدةٌ لإسرائيل"، وفي حال العودة للمفاوضات سيتم استبدال البلدة القديمة بأراضٍ في صحراء النقب تُعطى للفلسطينيين، مع المضي قدمًا في مشروعات توسيع مغتصبات القدس والضفة الغربية، وبناء أخرى جديدة، وطرد الفلسطينيين من ديارهم في القدس، وكل ما من شأنه تهويد المدينة المقدسة، وتكريس الوجود اليهودي في الخليل وغور الأردن، بشريًّا وعسكريًّا.

 

كما تم تقديم مشروع قانون في الكنيست لاعتبار الأردن وطنًا بديلاً للفلسطينيين، مع طرح خيار الترانسفير لعرب الداخل في أراضي الـ48، إما لدويلةٍ فلسطينيةٍ في قطاع غزة أو إلى الأردن، بعد رفض مرجعيَّات أنابوليس والمبادرة العربية للسلام، مع التأكيد أن استئناف المفاوضات مع الفلسطينيين رهينٌ بإزالة حكم حماس عن قطاع غزة، وتوحيد جهة التخاطب الفلسطينية، على أن تعترف حركات المقاومة بمرجعيات اللجنة الرباعية الدولية.

 

أما على مستوى سوريا ولبنان فقد رفضت الحكومة الصهيونية الانسحاب من الجولان السوري المحتل، مع الموافقة على استئناف التفاوض مع سوريا، لا يكون نهايتها بالضرورة عودة الجولان.

 

في مقابل ذلك تم تأجيل الانسحاب الصهيوني من قرية الغجر اللبنانية المحتلة في حرب الصيف في العام 2006م، ولكن بعد الانتخابات العامة اللبنانية التي جرت اليوم، مع إرجاء الانسحاب من مزارع شبعا لحين التسوية النهائية مع سوريا، وتكثيف الوجود الاستخباري الصهيوني في لبنان، والاستمرار في إثارة القلق الداخلي عن طريق المناورات العسكرية على الحدود والطلعات الجوية فوق الأجواء اللبنانيَّة.

 

تفسير

هذا الإطار الذي يحكم السياسات الأمريكية والصهيونية الرسمية في الشرق الأوسط، وإزاء الملفات الرئيسية في المنطقة؛ يجعل من المستحيل توقُّع حدوث تغييراتٍ إيجابيةٍ، رغم أنف كل كلام أوباما، ولعل التفسير الوحيد المطروح لهذا الأمر هو أن أوباما يسعى إلى تكريس نوع من أنواع الانفصال بين جمهور المسلمين مع الحركات التي تعادي الولايات المتحدة، بالحديث عن أنه لا عداء بين الولايات المتحدة والمسلمين، وإنما مع جماعاتٍ منها توصف بـ"الإرهابية" وهي في حقيقة الأمر جماعات تقاتل الوجود الاحتلالي الأمريكي في العراق وأفغانستان والاحتلال الصهيوني في فلسطين.

 الصورة غير متاحة

أسرة هندية مسلمة تتابع خطاب أوباما

 

في المقابل يحاول أوباما تلافي تكرار هجمات سبتمبر 2001م على قلب الأرض الأمريكية، والتي حدثت بسبب تغوُّل الأمريكيين وبفعل السياسات الأمريكية الداعمة للكيان الصهيوني بكل ما يرتكبه من جرائم في فلسطين وما حولها، ولذلك هو يتبرَّأ من معاداة أمريكا للمسلمين، ويحاول أنْ يظهر بمظهر من يعارض سياسات الصهاينة في القدس والضفة المحتلة، وإزاء الفلسطينيين عمومًا.

 

وفي النهاية لا يمكن بحال من الأحوال فهْم خطاب أوباما وسياساته من وجهة النظر المثالية؛ من أنه "رجل صالح"، أو لاعتبارات جذوره الإسلامية، فما يعرفه علوم النظم وتاريخ السياسة عن الأمريكيين وسياسات الولايات المتحدة، هو أن الولايات المتحدة بلد مؤسسات، والمصالح القومية الأمريكية فقط هي ما تحكم سياساتها وسياسات الإدارات المتعاقبة في الداخل والخارج، وهو ما كان أوباما واضحًا فيه، سواء في خطاب التنصيب في 20 يناير الماضي أو في خطابه الأخير من جامعة القاهرة.. فالمصلحة القومية الأمريكية فقط هي الحاكمة!.