في الحقيقة عندي مشكلة تخص ابن أخي، وقد علمت بها اليوم؛ حيث خرجت معه، ولاحظت نظراته لمنزل معيَّن، وقد سألته عن هذا المنزل، فقال إنه منزل فتاة يحبها، وهذه الفتاة تعتبر ابنة جيرانهم ويعرفونهم منذ فترة بعيدة، والمصيبة أن هذه الفتاة أكبر منه بخمس سنوات، وهؤلاء الناس استغلاليون؛ حيث كانت أمها تنوي تزويج ابنتها الأخرى لأخي، وقد تحدثت معه، لكن ليس هناك فائدة، لا أعرف كيف أتصرف معه؟ وهو يقول لي كل شيء، ولا يُخفي عني شيئًا، ولا أريد أن أخسر ثقته فيّ، أأشجعه أم أمنعه؟ وما الحل؟
وحتى والداه تحدثا معه ولم يغير رأيه؛ حيث إن والدة الفتاة عندما كانت ترى ابن أخي تقول له حياك يا زوج ابنتي، وهو يقول إن هذه تعتبر عمته يعني أم حبيبته, والمشكلة هو يدافع عنها أمامي..
ما الحل؟ أرجوك مساعدتي لأن هذه العائلة مشكلة كبيرة بالنسبة لنا..
يجيب عنها أ. أحمد صلاح
الأخت الكريمة..
أود أولاً أن ألفت انتباهك إلى أن معرفتك بقصة علاقة ابن أخيك بابنة الجيران، هي نقطة إيجابية تضاف إلى رصيد العلاقة بينكما، التي تتميز بالثقة والصراحة، واللذين بدونهما لا يمكن الوصول إلى حل لأي مشكلة، ما دامت قنوات الحوار انسدت بين الأطراف، كما انسدت بين ابن اخيك ووالديه منذ زمن..
وطبيعي أنه كلما زادت هذه الثقة، زاد معها كشف أسرارٍ ما كنا يومًا سنعرفها إلا عن طريق الصدفة، أو عند وقوع خطأ فادح يصيبنا بالمفاجأة والدهشة والعجز عن الحل.
وطبيعي أيضًا أن تكون هذه الأسرار مزعجة بالنسبة لنا، بصورة تصيبنا بالحيرة والقلق والأسى أحيانًا على الحالة التي وصل إليها أبناؤنا- أعز الناس إلينا- دون أن ندري، وهم بيننا معظم اليوم.
وما مشكلة ابن أخيك إلا مشكلة روتينية معتادة لكل المراهقين الذين تتميز مرحلتهم بسمة هامة وأساسية جدًّا وهي: الميل للجنس الآخر، جميع المراهقين سواء كانوا فتيانًا أو فتيات لا بد أن يميلوا للجنس الآخر في فترة المراهقة، والفرق بين حالة وأخرى تتوقف فقط على درجة هذه العلاقة بينهما: هل هي مجرد نظرات وإعجاب فقط؟ أم أنها وصلت إلى الأحاديث التليفونية وتبادل الرسائل؟ أم أنها تعدت إلى مرحلة اللقاءات الخارجية؟ أم أنها تطورت إلى أن وصلت إلى العلاقات المحرمة والكوارث الاجتماعية؟
والحب شعور غريزي يحتاجه كل إنسان مهما كان سنه أو ثقافته أو ميوله، والمراهق يذوق طعم الحب لأول مرة بمجرد دخوله مرحلة المراهقة، ولذا يشعر بلذته بصورة لا يمكن أن يتصورها مَن حوله، كأي إنسان يتلذذ بأي طعام لأول مرة في حياته، ولذا فإن المراهق يتمسك بهذا الحب بصورة عنيفة، ويزداد تمسكه به كلما حاولنا مواجهته بعنف، ويظهر من يريد أن يصرفه عن حبه، كمن يحاول أن ينزع عنه غطاءه في عز البرد، فسيحاول أن يتمسك بغطائه بكل عنف، مدافعًا عما وصل إليه من دفء، خصوصًا وقد وصفت ابن أخيك بأنه عصبي وعنيد.
ولذا.. فإن العلاقة العاطفية في هذه المرحلة تتسم بعدم النضج، فهي لا تتميز بالحسابات المنطقية والعقلانية التي يراها الكبار، مثل فارق السن وأنها تكبره بخمس سنوات، ومثل توجهات العائلة الاستغلالية كما وصفتِها... الخ.
عذرًا للإطالة في عرض طبيعة المشكلة وملابساتها، ولكن قصدي من ذلك أن تتعاملي مع الموقف بهدوء، باعتباره لم يصل بعد إلى حد الكارثة كما وصفتِها في رسالتك.
وبهذا الهدوء وهذا الفهم لطبيعة مشاعر ابن أخيك، ومع وجود حالة الثقة المتبادلة بينكما، يمكن أن نبدأ الحل بـ (الحوار).
نعم.. (الحوار)
اجلسي مع ابن أخيك في حوار ودي هادئ بدون عصبية وبدون تعنيف لسلوكه، بحيث يهدف الحوار إلى النقاط التالية:
1- الاعتراف بحقه في الحب وحاجة كل إنسان منا إليه.
2- عرض وجهة نظر الإسلام في الحب، في أنه لم يحرمه، بل دعا إليه ولكن في إطار معين يحمي الفتى والفتاة من الوقوع في الخطأ، مثل غض البصر، وحسن الاختيار، ونية الزواج، وفي هذا صيانة للفتى والفتاة والأسرة من الوقوع في مشاكل عديدة، وأن نية الزواج تعني تحمل المسئولية، وتستلزم متطلبات عليه أن يعيها جيدًا إذا أراد ذلك، وأن الإسلام يحرم العلاقة بين فتى وفتاة بدون أي إطار شرعي.
3- توضيح صورة الحب في هذه السن (سن المراهقة)، وبأنه حب مشتعل، يطغى على التفكير العقلاني في كثير من الأحيان، وهو ما يمر به الكثير من أصدقائه، ولذا فإنه مُعَرَّض دائمًا لعدم الاستمرار.
4- عدم الاعتراض على اختياره؛ ولكن العاقل من يسمح لنفسه بأن يتعرف على خبرات الآخرين والاستماع إلى وجهات نظر عقلانية، حتى يستطيع أن يكوِّن رأيًّا سليمًا فيمن اختارها، من حيث كونها مناسبة له أم لا؟ ومن حيث فارق السن والتواؤم الاجتماعي بين الأسرتين، وهل هذه العوامل ستؤدي إلى زواج ناجح أم لا؟
باختصار.. عامليه على أنه (رجل) ينبغي أن يتحمل مسئولية ما يقدم عليه، لا مجرد طفل يلهو بلعبة وجدها أمامه ونحن نريد أن نمنعه عنها.
كما أني لا أريد أن أسير في اتجاه أنني أرفض الارتباط بهذه الفتاة بناءً على رأيك فيها وفي عائلتها، لنقص المعلومات التي وردت في الرسالة عنهما، إلا أنني لا أرتاح فقط لسلوك أمها التي تصرح دائمًا بأن ابن أخيك هو زوج ابنها، بما يعني أنها امرأة غير ناضجة، وهي راضية عن سلوك ابنتها مع شاب ليس بينهما أي رباط شرعي.
افتحي باب الحوار والنقاش مع ابن أخيك بحب وثقة وعقلانية، ليس في الحب فقط، ولكن في الهوايات والاهتمامات والمواهب والدين عمومًا، وادعيه مرة ومرات إلى الالتزام بالصلاة والتقرب إلى الله، ويا حبذا لو نجحت في إقناعه بحلقة مسجدية يزيد فيها من ثقافته الدينية، ويتقرب فيها أكثر إلى الله، عندها ستتضح له أمور كثيرة لم يكن ليراها في عالمه المغلق.
كوني دائمة الحوار والنقاش الهادئ معه، ولا تتعجلي النتيجة، وإن لم يقتنع برأيك، فتحدثي عن الخطوط الحمراء التي يضعها الدين للعلاقة بين الفتى والفتاة، وأعلني رفضك لتجاوزها بهدوء في كل مرة، واستمري في دعوته إلى تقوية علاقته بربه، ولا تنسي أن تبلغي والديه بما تقومين به (إذا رأيت أن ذلك لن يسبب مشاكل) لتكونوا جميعًا في اتجاه واحد.
أعرف أن الأمر شاق، ولكن الله سبحانه وتعالى وعدنا بأنه لن يهدينا الطريق، إلا إذا اجتهدنا وجاهدنا ﴿وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا وَإِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ (69)﴾ (العنكبوت: 69).
وتسلحي بالدعاء، بقلب ملهوف، ونفس مطمئنة لمعونة الله.
وفقك الله لهداية ابن أخيك.. ولكل خير.