الصدق هو الإخبار عن الشيء على ما هو عليه، والكذب هو الإخبار عن الشيء بخلاف ما هو عليه، ويقال: صدق فلان في الحديث صدقًا: أخبر بالواقع (المعجم الوسيط، 1/530).

 

والصدق يدعو إليه العقل والشرع، بخلاف الكذب، ومن هنا جاز أن تستفيض الأخبار الصادقة، حتى تصل إلى درجة التواتر، ولا يجوز ذلك في الأخبار الكاذبة (أدب الدنيا والدين، الماوردي، ص 260-261).

 

والصدق من الأخلاق الأساسية التي يتفرع عنها غيرها، يقول بعض العلماء: "واعلم- رحمك الله- أن الصدق والإخلاص أصل كل حال، فمن الصدق يتشعَّب الصبر، والقناعة، والزهد، والرضا، والأنس، وعن الإخلاص يتشعَّب اليقين، والخوف، والمحبة، والإجلال، والحياء، والتعظيم.. فالصدق في ثلاثة أشياء لا تتم إلا به: صدق القلب بالإيمان تحقيقًا، وصدق النية في الأعمال، وصدق اللفظ في الكلام" (رسالة المسترشدين، المحاسبي، ص 171).

 

وإنما كان الصدق فضيلة؛ لأنه أهم الأسس التي تُبنى عليها المجتمعات، ولولاه ما بقي المجتمع؛ ذلك لأنه لا بد للمجتمع من أن يتفاهم أفراده بعضهم مع بعض، ومن غير التفاهم لا يمكن أن يتعاونوا، وقد وُضعت اللغات لهذا التفاهم الذي لا يمكن أن يعيشوا بدونه، ومعنى الإفهام أن يوصِّل الإنسان ما في نفسه من الحقائق إلى الآخرين، وهذا هو الصدق (كتاب الأخلاق، أحمد أمين، ص 199-200).

 

وقد حثَّ الإسلام على الصدق وبيَّن فضائله، وأكد أنه من صفات النبوة، يقول تعالى: ﴿وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ إِبْرَاهِيمَ إِنَّهُ كَانَ صِدِّيقًا نَّبِيًّا﴾ (مريم: 41)، ويقول الله تعالى: ﴿وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ إِسْمَاعِيلَ إِنَّهُ كَانَ صَادِقَ الْوَعْدِ وَكَانَ رَسُولًا نَّبِيًّا﴾ (مريم: 54) وأمر عبادة المؤمنين بالصدق، قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ اتَّقُواْ اللّهَ وَكُونُواْ مَعَ الصَّادِقِينَ﴾ (التوبة: 119).

 

من أهم فضائل الصدق

1- أن الصدق في القول يؤدي إلى الصدق في العمل والصلاح في الأحوال:

يقول تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا* يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَن يُطِعْ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾ (الأحزاب:70- 71)، فالصدق في القول يؤدي إلى الصدق في الفعل، وهذا هو العمل الصالح (الأخلاق الإسلامية، د. عبد اللطيف العبد، ص 151-152).

 

2- الصدق يهدي الإنسان إلى البر والخير:

يقول صلى الله عليه وسلم: "إن الصدق يهدي إلى البر، وإن البر يهدي إلى الجنة، وإن الرجل ليصدق حتى يكتب عند الله صديقًا، وإن الكذب يهدي إلى الفجور وإن الفجور يهدي إلى النار، وإن الرجل ليكذب حتى يكتب عند الله كذَّابًا" (مكارم الأخلاق، ابن أبي الدنيا، ص 45، رواه البخاري عن عبد الله بن مسعود).

 

والبر الذي يهدي إليه الصدق هو الذي بيَّنه الله عز وجل في قوله تعالى: ﴿لَّيْسَ الْبِرَّ أَن تُوَلُّواْ وُجُوهَكُمْ قِبَلَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَلَـكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَالْمَلآئِكَةِ وَالْكِتَابِ وَالنَّبِيِّينَ وَآتَى الْمَالَ عَلَى حُبِّهِ ذَوِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ وَالسَّآئِلِينَ وَفِي الرِّقَابِ وَأَقَامَ الصَّلاةَ وَآتَى الزَّكَاةَ وَالْمُوفُونَ بِعَهْدِهِمْ إِذَا عَاهَدُواْ وَالصَّابِرِينَ فِي الْبَأْسَاء والضَّرَّاء وَحِينَ الْبَأْسِ أُولَـئِكَ الَّذِينَ صَدَقُوا وَأُولَـئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ﴾ (البقرة: 177).

 

3- الصدق فيه النجاة:

يقول تعالى: ﴿قَالَ اللّهُ هَذَا يَوْمُ يَنفَعُ الصَّادِقِينَ صِدْقُهُمْ لَهُمْ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا رَّضِيَ اللّهُ عَنْهُمْ وَرَضُواْ عَنْهُ ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ﴾ (المائدة: 119)؛ أي أن صدقهم في الدنيا ينفعهم في الآخرة، وفي الحديث: "تحرَّوا الصدق وإن رأيتم أن الهلكة فيه، فإن فيه النجاة" (رواه ابن أبي الدنيا في كتاب الصمت عن منصور بن المعتمر مرسلاً، وحسَّنه السيوطي في الجامع الصغير، وكنز العمال، 3/345).

 

وعن عبد الله بن عمرو رضي الله عنهما أن رجلاً جاء إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسول الله، ما عمل الجنة؟ قال: "الصدق؛ إذا صدق العبد برَّ، وإذا برَّ آمن، وإذا آمن دخل الجنة"، قال: يا رسول الله، وما عمل النار؟ قال: "الكذب؛ إذا كذب العبد فجر، وإذا فجر كفر، وإذا كفر دخل النار" (رواه أحمد، وانظر الترغيب والترهيب، 4/53).

 

4- الصدق فيه الربح والفوز:

يقول ابن عباس رضي الله عنهما: "أربعٌ من كنَّ فيه ربح: الصدق، والحياء، وحسن الخلق، والشكر"، وعن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "أربع إذا كنَّ فيك فلا عليك ما فاتك من الدنيا: حفظ أمانة، وصدق حديث، وحسن خليقة، وعفَّة في طعمة" (رواه الطبراني والحاكم وحسَّنه السيوطي في الجامع الصغير).

 

مراتب الصدق

أشار الإمام أبو حامد الغزالي إلى أن للصدق مراتب عديدة، نلخصها فيما يلي:

1- صدق اللسان.. وذلك لا يكون إلا في الأخبار أو فيما يتضمن الأخبار، ماضيًا أو مستقبلاً، ويندرج تحته الوفاء بالوعد والخلف فيه، وحق على كل عبد أن يحفظ ألفاظه، فلا يتكلم إلا بالصدق، وهذا هو أشهر أنواع الصدق.

 

2- الصدق في النية والإرادة.. ويرجع ذلك إلى الإخلاص، وهو ألا يكون له باعث في الحركات والسكنات إلا الله تعالى، فإنْ مازَجه شوبٌ من حظوظ النفس، بطل صدق النية، ويجوز أن يسمى صاحبه كذّابًا.

 

3- صدق العزم.. فإن الإنسان قد يقدم العزم على العمل، فيقول في نفسه: إن أعطاني الله تعالى ولاية عَدَلْت فيها، فهذه عزيمة تحتاج إلى صدق؛ لأنه بمنزلة التمام والقوة لها؛ كيلا يضعف أو يتغير وقت التنفيذ، ولذلك روى الإمام مسلم عن سهل بن حنيف رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "من سأل الله تعالى الشهادة بصدق بلَّغه الله منازل الشهداء وإن مات على فراشه".

 

4- الوفاء بالعزم.. ذلك أن النفس قد تسخو بالعزم في الحال، إذ لا مشقة في الوعد والعزم، لكن إذا حقت الحقائق وحصل التمكن، وهاجت الشهوات، انحلَّت العزيمة، ولم يتفق الوفاء، ولهذا مدح الله تعالى هؤلاء المؤمنين الذي وفَّوا بعزائمهم فقال سبحانه: ﴿رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ﴾ (الأحزاب: 23).

 

5- الصدق في الأعمال.. وهو أن يجتهد حتى لا تدل أعماله الظاهرة على أمر في باطنه لا يتصف هو به، وعلى المسلم هنا أن يستجر الباطن إلى تصديق الظاهر.

 

6- الصدق في مقامات الدين.. وهو أعلى الدرجات وأعزها، ومن أمثلته: الصدق في الخوف، والرجاء، والتعظيم، والزهد، والرضا، والتوكل، وحب الله تعالى، ورسوله صلى الله عليه وسلم (إحياء علوم الدين، 4/387-393).

 

آثار الصدق ونتائجه

للصدق آثار عظيمة، ونتائج جليلة منها:

1- للصدق رابطة قوية بالإيمان، فالصادق قوي الإيمان، والكاذب لا إيمان له، فقد سأل الصحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم: "يا رسول الله، أيكون المؤمن جبانًا؟ قال: نعم، فقيل له: أيكون المؤمن بخيلاً؟ قال: نعم، قيل له: أيكون المؤمن كذّابًا؟ قال: لا" (موطأ مالك، 2/990) (الأخلاق الإسلامية، حسن السعيد المرسي، ص 165-166).

 

2- الصدق يجعل صاحبه قليل الكلام، محتاطًا في استعماله، حتى لا يقع في زلات كثيرة، فإذا وجدت الرجل يكثر الكلام فاعلم أنه على خطر عظيم، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "كفى بالمرء كذبًا أن يحدث بكل ما سمع" (رواه مسلم وأبو داود، وانظر جامع الأصول حديث رقم: 8189).

 

3- الصدق يدعو صاحبه إلى الجرأة والشجاعة؛ لأنه ثابت لا يتلوَّن، ولأنه واثق لا يتردَّد، ولذلك جاء في تعريفات الصدق: "القول بالحق في مواطن الهلكة" (تهذيب مدارج السالكين، ص 398).

 

4- من آثار الصدق أيضًا تفريج الهمّ، والنجاة من الكرب، كما في قصة كعب بن مالك رضي الله عنه، وهو أحد الثلاثة الذين تخلفوا عن غزوة تبوك دون عذر، فقد عاقبهم رسول الله صلى الله عليه وسلم بنهي المسلمين عن كلامهم خمسين يومًا، وقد شقَّ ذلك عليهم، واستغلَّ أعداء الإسلام هذه الفرصة، فاتصل ملك غسان بكعب، يعرض عليه أن يلجأ إليه، فيواسيه، ويترك الإسلام، فرفض كعب، ولما تاب الله عليهم ذهب إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وقال له: "يا رسول الله، إن الله إنما أنجاني بالصدق، وإن من توبتي ألا أحدث إلا صدقًا ما بقيت" (صحيح مسلم، كتاب التوبة، 4/2120).

 

5- من آثار الصدق أيضًا الهدوء النفسي والطمأنينة القلبية، يقول النبي صلى الله عليه وسلم: "دع ما يريبك إلا ما لا يريبك؛ فإن الصدق طمأنينة والكذب ريبة" (الترغيب والترهيب، 3/558).

 

إن الإسلام لا يعلِّم المسلمين فضيلة الكلمة الصادقة وحسب، ولكنه يعلمهم أيضًا كيف يجب أن يكون تلقيهم لها، وكيف يجب أن تكون كفالتهم لها ولأهلها، وكيف يجب أن يكون مسلكهم إزاء الكذب والتضليل.

 

ولا يُدين الإسلام الكذب وحسب، ولكنه يميِّز بين ضروب من الرذائل، ودرجات من الإثم، كلها تتصل بانتهاك المعرفة الصحيحة (الفضائل الخلقية في الإسلام، ص 137-138).

 

والمسلم الحق هو الذي لا يستحل الكذب أبدًا، مهما نال بسببه من مكاسب، فما قيمة مكسب دنيوي رخيص يُغضب الله عز وجل!.

 

وعلى الذين يحلفون كذبًا لترويج سلعة ما أن يتوبوا إلى ربهم، ويعلموا أن هذا حرام وباطل، وأن بركته ضائعة، وعلى أصحاب المهن والصنائع أيضًا أن يستغفروا ربهم من تلك الذنوب التي يقعون فيها؛ نتيجة المماطلة وخلف الوعد وتغيير العقود والعهود.

 

ومثلهم أيضًا أصحاب الولايات والمناصب، الذين يصرِّحون بأنهم سيفعلون كذا وكذا، وتتعلَّق أفئدة الجمهور بهم، ثم لا يفُوا بمعشار ما أعلنوا، وكان بإمكانهم أن يؤجلوا الإعلان بعد العمل؛ حتى لا تضعُف ثقة الجمهور فيهم، ولا يقتدي بهم العامة، فيظهر الفساد في البر والبحر.

--------------

* nassareg2000@gmail.com