"إعادة ترتيب أوراق المنطقة".. "تحقيق مقاربات سياسية".. "إيجاد تسويةٍ ما للصراع العربي- الصهيوني، وتحويله باتجاه إيران".. ربما هي تلك السياسة التي باتت تتضح وتتبناها الإدارة الأمريكية الجديدة، لإجراء تغييرٍ حيويٍّ على مكانة الولايات المتحدة الأمريكية في مخيلة العرب والمسلمين، وتنفيذ أجندة أمريكية- صهيونية قديمة، بوسائل وسياسات جديدة.

 

وفي الإطار فإنَّ هناك العديد من الملفات الساخنة يضعها الرئيس الأمريكي باراك أوباما على طاولته وسلم أولوياته، في محاولةٍ على ما يبدو لكبح جماح ما يُوصف بـ"محور الممانعة"، وعلى رأسها إيران وسوريا، وتحسين صورة الولايات المتحدة التي وصلت الحضيض في عهد إدارة سلفه الجمهوري جورج بوش الابن، ومحاولةً منه لدفع بعض الدول العربية باتجاه التحالف مع سياسات بلاده فيما يتعلق بملف إيران النووي والتطبيع مع الكيان الصهيوني، بعد الاعتراف به.

 

ولعل من أهم وأبرز أولويات أوباما في الوقت الراهن هو الملف المفاعل النووي الإيراني، وقضيَّتَيْ العراق وأفغانستان، والقضية الفلسطينية، وإنْ كانت كافة المؤشرات تشير إلى أنَّ سياساته لن تختلف عن سياسات سلفه المنصرف، مع تحسيناتٍ إضافيةٍ باستخدام أدوات القوة الناعمة، مثل الخطاب الإعلامي الجيد، ورفع الشعارات البراقة حول الديمقراطية وحقوق الإنسان والحريات.

 

ومن خلال الحراك السياسي النشط الذي يقوده أوباما في منطقة الشرق الأوسط حاليًا، بات واضحًا أنَّ أوباما يدرك عمق المشكلات التي تواجه بلاده، بعد أنْ وصلت صورتها إلى الحضيض لدى غالبية شعوب العالم، وخاصة العالمَيْن العربي والإسلامي، في ظل سياسات الرئيس المنصرف بوش الابن.

 

واللمحة التي أعطاها أوباما عن أجندته هو أنَّه سيركز الاهتمام على أفغانستان وباكستان، كما أنَّه قال إنَّه سوف يباشر مباحثات مع إيران لاحتوائها، وسيهيمن الموضوعان المشار إليهما على الأجندة الأمريكية خلال السنوات الأربع القادمة، بعدما هيمن العراق على أجندة الإدارة الراحلة على حساب قضايا مركزية كالقضية الفلسطينية ومفاوضات السلام مع الكيان.

 

وبكل تأكيد فإن أوباما سوف يواجه تحديات حرجة ومتداخلة في الشرق الأوسط، يتطلب بعضها معالجات مستعجلة، من بينها العراق الذي يعيش هدوءًا هشًّا، وسط أعمال عنف مقتطعة تجهد القوات الأمريكية، بينما إيران تقترب من العتبة النووية، ومسار سلام متعثر بين الكيان الصهيوني والفلسطينيين، وحكومة ضعيفة في لبنان، وتحدٍّ فرضته مجموعات المقاومة الإسلامية في الأراضي الفلسطينية، مثل حماس والجهاد، وفي لبنان، مثل حزب الله، وموقف أمريكي ضعيف بسبب سنوات من الفشل والانحراف.

 

وتحاول هذه الورقة استعراض ملامح السياسات الأمريكية الجديدة وتأثيراتها على ترتيب أوضاع المنطقة، بما في ذلك مستقبل المقاومة، والتحالفات الجديدة، والتوجه الخاص بجعل الصراع العربي- الصهيوني، صراعًا عربيًّا /صهيونيًّا ضد إيران، وجدوى خطابات أوباما في كلٍّ من تركيا قبل أسابيع، وفي القاهرة قريبًا.

 

أولاً: محددات السياسة الأمريكيَّة

يمكن تحديد أولويات الرئيس الأمريكي باراك أوباما في الشرق الأوسط من خلال تقييم أربع قضايا رئيسية تواجه إدارته الجديدة، الصراع العربي/ الفلسطيني- الصهيوني، والعراق، وأفغانستان، وإيران.

 

وقبل التعرُّض إلى طبيعة التعامل الأمريكي مع هذه الملفات، يجب أولاًَ معرفة طبيعة المحددات التي سوف تصنع أولويات وسياسات الإدارة الأمريكية في السنوات الأربع المقبلة، وكذلك البيئة التي تولت فيها الإدارة الأمريكية الجديدة، وفي هذا الإطار فإنَّ أوباما تولَّى الحكم، وهناك أمامه معضلات ضخمة يجب عليه التَّعامُل معها:

 

1-جيوش الولايات المتحدة تُحارب وتخسر في أفغانستان والعراق.

 

 الصورة غير متاحة

الاقتصاد الأمريكي في أضعف حالاته بسبب الأزمة المالية العالمية

2-أزمة ماليَّة خانقة جعلت الاقتصاد الأمريكي في أضعف حالاته؛ حيث تراجعت معدلات النُّمو والإنتاج الصِّناعيِّ إلى معدلات لم يسبق لها مثيل منذ الثَّلاثينيَّات والأربعينيَّات الماضية، وارتفعت معدَّلات البطالة والجريمة إلى مستويات غير مسبوقةٍ.

 

3-هدَّدت الأزمة رموز القوَّة الأمريكيَّة أمام العالم؛ حيث "جنرال موتورز" مُعرَّضة للإفلاس، بينما العالم كله بما في ذلك أوروبا والصين وروسيا، يطالب بتغيير بنية النِّظام الرأسمالي العالمي، الذي هو عنوان السيطرة الأمريكية وهيمنة الولايات المتحدة عالميًّا.

 

4-علاقات سيئة مع التكتلات الكبرى، مثل الصِّين وروسيا والاتِّحاد الأوروبي، وعزَّز من ذلك همجية تعامل الإدارة الأمريكية السابقة مع النظام العالمي، فتم غزو العراق بقرارٍ منفرد بعيدًا عن الأمم المتحدة، كما أنَّ كثيرًا من القواعد الأمريكية في بلدان أوروبا استُغِلَّت بشكل غير مشروع فيما يعرف بالحرب على الإرهاب.

 

كما أنَّ تأثيرات طبيعة الحكومة الصهيونية الجديدة لها وزنها في تراجع أوباما عن الكثير من وعوده السَّابقة، خصوصًا مع لجوء الكيان إلى الهيئات التَّابعة له والشَّخصيَّات المؤيدة له في الولايات المتحدة؛ حيث حرص رئيس الوزراء الصهيوني بنيامين نتنياهو على الاجتماع مع الُّلوبي الصُّهيونيِّ في الكونجرس الأمريكي فور وصوله واشنطن، وحرص- أيضًا- على الوصول مبكرًا يومًا عن موعد لقائه أوباما، لهذا الغرض.

 

إلا أنَّ خلفيات أوباما، كونه أسود من أصول إفريقية مسلمة قد تساعده على تسهيل حركته دوليًّا على مستوى العالم العربي والإسلامي.

 

ثانيًا: أولويات أوباما في الشرق الأوسط

1- الصراع مع العدو الصهيوني

يدرك أوباما أنَّه بحاجةٍ إلى ما هو أكثر من الخطابات الرنانة، لإصلاح جسور الثقة المدمرة مع المسلمين، وفي هذا الإطار تعهد أوباما بالتحرك السريع للتوصل إلى تسويةٍ سلميةٍ بين الفلسطينيين والصهاينة على أساس حل الدولتين، الذي ينص على أساس قيام دولة فلسطينية وأخرى يهودية "قابلتَيْن للعيش جنبًا إلى جنبٍ بسلامٍ"، وأوضح أنَّه سيشارك بشكلٍ مباشر، ويستثمر رأس المال السياسي لإدارته في المساعدة على تحقيق اختراق على مسرح الصراع الفلسطيني الصهيوني.

 

ويعتقد أوباما أنَّ إيجاد تسويةٍ ما للصراع العربي- الصهيوني يمكن أنْ يكون مدخلاً لتحالف عربيٍّ مع الولايات المتحدة والكيان الصهيوني ضد إيران، ومحاصرة تيار الممانعة والمقاومة الممثل في حماس وسوريا وحزب الله اللبناني، كما أنَّها تساعد رؤيته على إجراء تغييرٍ حيويٍّ على مكانة الولايات المتحدة الأمريكية في ذهنية العرب والمسلمين.

 

كما يسعى أوباما إلى إرجاع الصراع العربي الصهيوني إلى أولوية غير متقدمة في قائمة عمل أوباما، الذي يولي أهميةً للوضع الداخلي، وخصوصًا في ظل الأزمة الاقتصادية التي ضربت الاقتصاد الأمريكي في مقتل، تلي ذلك أولويات أفغانستان والعراق، ثم يأتي بعد ذلك الصراع في الشرق الأوسط.

 

وفي شان الصراع في الشرق الأوسط، فمن غير المرجح أنْ تختلف سياساته عن سياسات بوش الابن، فيما يتعلق بتمسكه بخارطة الطريق واعتراف المقاومة الفلسطينية بالكيان الصهيوني وقرارات اللجنة الرباعية الدولية المعنية بالسلام في الشرق الأوسط، والاتفاقيات المُوقَّعة بين الكيان الصهيوني ومنظمة التحرير الفلسطينية.

 

وإنْ كان أوباما سوف "يحاول الظهور" بشكلٍ أفضل، ولكن السؤال هل سيسعى أوباما نحو تغيير قواعد المشهد الإقليمي من خلال إيجاد تسوية عربية صهيونية شاملة، وكسر الحواجز النفسية بين المسلمين واليهود من جهةٍ وبين المسلمين والغرب من جهةٍ أخرى.

 

وفي هذا الإطار يقول مراقبون إنَّ أوباما لديه قناعة بأنَّ هدف التوصل لسلامٍ عربي صهيونيٍّ، ليس ضربًا من الأمنيات، فقد نصح مستشارون كبار لأوباما، ومن بينهم السفير الأمريكي الأسبق لدى الكيان الصهيوني ومصر دانيل كيرتزر، ومستشار الأمن القومي الأسبق زبيجنيو برجينسكي؛ بأنَّ الوقت قد حان للتوسط من أجل سلام بين العرب والصهاينة.

 

ويبدو أنَّ شلال الدم في غزة في العدوان الصهيوني الأخير، قد عزز اعتقاد أوباما بأنَّ الوقت عامل جوهري، وأنَّه ثمة حاجة ملحة بالفعل لحسم الصراع العربي الصهيونية الخطير، ولكن في المقابل فإنَّ كافة الدلائل تشير إلى أنَّ موقف إدارة أوباما من الصراع الفلسطيني- الصهيوني سيشبه موقف إدارة الرئيس الأسبق بيل كلينتون، مع تحسُّن إضافيٍّ.

 الصورة غير متاحة

أوباما ونتنياهو

 

وتبدي دولة الكيان الصهيوني تخوفها من سياسات أوباما في هذا الجانب، ولذلك وكما كان متوقعًا بدا الخلاف واضحا في اللقاء الذي جمع بين نتنياهو بأوباما، ولاسيما أنَّ حكومة نتنياهو ترفض حل الدولتَيْن، في حين أنَّ أوباما طالب الكيان أخيرًا باتخاذ خطواتٍ جديةٍ والعمل على تبني حل الدولتَيْن، ووقف بناء المغتصبات في الضفة الغربية المحتلة.

 

وأعرب بعض أعضاء حاشية نتنياهو، عن غضبهم من الرسائل الأمريكية، والتي تربط المساعدة الأمريكية للكيان في لجم التهديد النووي الإيراني، بتنازلات حقيقية في الموضوع الفلسطيني.

 

وتتباين التوقعات والتحليلات بشأن طبيعة السياسة التي يمكن أن ينتهجها الرئيس الأمريكي تجاه الملف الفلسطيني عمومًا، والحوار الفلسطيني الداخلي في القاهرة على وجه الخصوص، وإن كان يبدو أنَّه ليس ضمن أجندته.

 

وربما يفتح الرئيس المنتخب خطوطًا للتفاوض مع خصوم الولايات المتحدة، ومن بينها حركة حماس المقاطعة منذ نشأتها، ولكن من المستبعد أنْ يكون هناك أي جديد أو أي تغيّر في الموقف الأمريكي "المشروط" من الحوار الداخلي أو المفاوضات.

 

ومن المحتمل أيضًا أنْ يسعى أوباما لبدء عهد جديد بمحاورة حركة حماس وحزب الله وإبران، للتخلص من أعداء أمريكا في العالم، عن طريق الحوار والصراحة، وليس عن طريق ما يُسمَّى بسياسة القوة، ولهذا يتوقع العديد من المراقبين أنْ يطرح الرئيس الأمريكي خلال زيارته مصر في الأسبوع الأول من يونيو، مبادرة سلام خاصة به لتحريك مسارات المفاوضات العربية الصهيونية، وفلسطينيًّا، سيقوم الطرح الأمريكي على أساس حل الدولتَيْن.

 

ويبدو أن أوباما على استعداد لاستثمار رأسماله السياسي لتحقيق تسوية ما ومحاصرة المقاومة ودول الممانعة، ولكن الاحتمالات ما زالت بعيدة المنال، خاصةً أنَّ اللوبي اليميني سيكون بالمرصاد للرئيس الأمريكي الجديد إذا حاول الضغط لتقديم تنازلات من أجل بناء دولة فلسطينية مستقلة.

 

وربما اللقاءات التي جمعت كلاًّ من العاهل الأردني الملك عبد الله الثاني وأوباما في واشنطن، والرئيس المصري وعبد الله في القاهرة، وعبد الله مع الرئيس السوري بشار الأسد في غضون الأيام العشرة الماضية؛ تكون قد تمحورت حول هذا الموضوع، فيما يتعلق بدفع مفاوضات السلام ومحاصرة المقاومة من خلال سحب وجر سوريا باتجاه تيار الاعتدال بتخليها عن دعم حركات المقاومة بما في ذلك حماس وحزب الله اللبناني، لمحاصرة إيران.

 

وكانت زيارة الملك الأردني عبد الله الثاني إلى واشنطن ولقائه الرئيس الأمريكي باراك أوباما أنعشت الآمال في المنطقة والعالم بإمكانية عودة فكرة السلام إلى مسارها الطبيعي بوجود زخمٍ أمريكيٍّ يحاول أنْ يلعب دورًا حقيقيًّا في دفع الكيان الصهيوني إلى التجاوب مع مبادرة السلام العربية.

 

وفي هذا الإطار هناك سؤال يطرح نفسه: هل يمكن أنْ يمارس أوباما ضغوطًا على الكيان الصهيوني؟!.. الحقيقة أنَّ الكيان بصرف النظر عمن يحكمه من اليسار أو اليمين، لن يقدم أيَّة تنازلاتٍ مؤلمةٍ، وهذا ما أكده نتنياهو خلال زيارته لواشنطن ولقاءه أوباما، حين تحدَّث عن رفض فكرة الدولتَيْن أو تجميد الاستيطان.

 

وطالما أنَّ دولة الاحتلال تمارس الفيتو على السياسة الأمريكية في الشرق الأوسط، فلن يتحقق أي تقدم على جبهة السلام، ولإنجاز تقدم ما، يتعين على أوباما أولاً أنْ يتمتع بإرادة سياسية مستقلة من أجل ممارسة الضغط المطلوب على الكيان الصهيوني، وإشراك معسكر الموالين للسلام داخل الكيان والولايات المتحدة على السواء، في عملية صياغة رؤية السلام في الشرق الأوسط.

 

2- إيران والتحالف العربي- الصهيوني

هناك أيضًا إمكانية حقيقية لإحراز اختراقٍ في العلاقات الإيرانية- الأمريكية, فأوباما لم يقترح فقط إجراء اتصالات مباشرة على مستويات رفيعة، بل تطبيع العلاقات الدبلوماسية، وقد أعلن غير مرةٍ استعداده للاعتراف بدور إيران المحوري في منطقة الخليج العربي إذا ما "تخلى نظام طهران عن برنامجه النووي ودعمه للإرهاب" بحسب الأدبيات الصهيونية والأمريكية.

 

هذا الموقف الأمريكي الجديد دفع الكيان الصهيوني للتعبير عن قلقه وانزعاجه الشديد، في الوقت الذي بدأت فيه واشنطن تتحدث وتروج لوجود تحالف عربي- صهيوني ضد إيران مستغلةً قلق بعض الأنظمة العربية من البرنامج النووي الإيراني، وفي محاولة لتوظيف هذا التخوف في تحويل الصراع العربي- الصهيوني إلى عربي/ صهيوني ضد إيران.

 

ويسعى الكيان في هذا الإطار لاستثمار سوء التفاهم العربي- الإيراني، لما يخدم مصلحته، دون أنْ تخطو أية خطوات إيجابية نحو التسوية الشاملة والعادلة للنزاع العربي- الصهيوني.

 

وبكل الطرق يسعى الكيان الصهيوني لإثارة الدول العربية ضد إيران، بل توظيف التخوف العربي من إيران في تشكيل الحلف الجديد من أجل تحويل صراعها إلى الوجهة الإيرانية وليس مع الكيان، فصار الكيان يقترح، أو يشترط لحل القضية الفلسطينية، أنْ يُعْلَنَ عن تشكيل هذا الحلف العربي الصهيوني على الملأ، مع تواصل الحرص على تكبير الخلاف الثانوي بين العرب وإيران، وتغليبه على الصراع الرئيسي مع الكيان.

 

وقد ينجح الكيان الصهيوني في صناعة حلفه، خاصةً أنَّ العديد من المصادر تحدثت عن نجاحه في خلق محور ضد إيران بقيادة مصر والأردن، وقد تُضرَب إيران بأيدٍ عربية، وسلاح عربيٍّ، وبالمال العربي، أو بالتحالف الغربي- العربي، كما جرى مع العراق.

 

وتحدثت بعض المصادر مؤخرًا عن أنَّ الكيان نجح بالفعل في بناء محور صهيوني عربي ضد الملف النووي الإيراني، ولإثارة كثيرٍ من الضغوط في المجتمع الدولي على إيران، وأضافت هذه المصادر أنَّ تقارير دبلوماسيةً وصلت بروكسل من سفارات أوروبية في تل أبيب، أكدت أنَّ ارتياحًا كبيرًا يسود الحكومة الصهيونية الحالية للإنجازات الكبيرة التي حققتها الاتصالات المباشرة مع عواصم عربيةٍ، مثل القاهرة وعمَّان، واتصالات غير رسمية بين صهاينة ومسئولين سعوديين، إذ أدت هذه الاتصالات والتقارير والدراسات التي قدمت لهذه الدول عن خطورة المشروع النووي الإيراني، إلى خلق محور عربي- صهيوني ضد إيران في مواجهة طموحات الأخيرة النووية.

 الصورة غير متاحة

قوات أمريكية في أفغانستان

 

3- أفغانستان وباكستان

أوباما بالفعل أرسى القواعد المنطقية للانسحاب من بلاد ما بين النهرين, لكن أفغانستان والمناطق القبلية المحاذية للحدود الباكستانية التي لا تخضع للقوانين، هي الجبهة المركزية للحرب الأمريكية على ما يعرف بـ"الإرهاب"، وليس العراق، إلا أنَّه في بعض الأحيان يساوي بين حركة طالبان وتنظيم القاعدة معًا، عندما دعا إلى تحويل الموارد الأمريكية لإلحاق الهزيمة بكلتيهما.

 

وهناك خطر حقيقي في السياسة الأمريكية يكمُن في أنَّ رئاسة أوباما إذا ما افتقدت المستشارين العقلاء، قد تجد نفسها متورطةً في صراعٍ طويل الأجل وباهظ الثمن في المسرح الأفغاني- الباكستاني، وصرَّح أوباما أنه سيرسل ما لا يقل عن فرقتَيْن قتاليتَيْن إلى أفغانستان، وسيطالب بمشاركة أكبر- بقيود قليلة- من الحلفاء في حلف شمال الأطلنطي (الناتو).

 

وقد هدد بالتصديق على شنِّ عمليات لمكافحة "الإرهاب" داخل باكستان، إذا ما عجزت السلطات الباكستانية عن تأمين حدودها مع أفغانستان، وفرض إجراءاتٍ صارمة على معسكرات تدريب مقاتلي القاعدة وطالبان.

 

وفي الأيام الأخيرة يبدو أنَّ أوباما بدأ يفهم الواقع المعقد والمُرَكَّب للمسرح الأفغاني- الباكستاني؛ حيث صرَّح بأنَّ الإستراتيجية الأمريكية الجديدة ستعتمد على حلٍّ إقليميٍّ يأخذ بعين الاعتبار مشاركة سياسية لدول الجوار المحورية مثل إيران والهند، وغير ذلك من استثماره في قضايا الاقتصاد السياسي والأمن السياسي والتعليم والتوظيف والحكم في أفغانستان.

 

وقد تعهَّد أوباما بتقديم يد العون للحكومة المنتخبة ديمقراطيًّا في إسلام آباد و"تقديم حلول واقعية لمشاكل الفقر والتعليم القائمة في أفغانستان.

 

ومن المخاطر التي قد تواجه الحكومة الأفغانية الضعيفة في كابول، والإدارة الأمريكية في واشنطن أنَّ حركة طالبان- بفضل الإنجازات الأخيرة لها على الأرض- قد ترفض عروض تقاسم السلطة في أفغانستان، وتستمر في القتال، فتجر إدارة أوباما الجديدة إلى متاهة السياسات القبلية في أفغانستان، والصراع الدموي لسنوات طويلة مكلفة.

 

وخلافًا لإدارة الرئيس الأمريكي السابق بوش الابن، التي اعتمدت على القوة كعاملٍ رئيسيٍّ في السياسات الأمريكية، وحصدت عداء الرأي العربي والإسلامي في مختلف أرجاء العالم، صرَّح أوباما بأنَّه سيلجأ إلى الوسائل السياسية وليس فقط الحل العسكري لمعالجة مشكلة تنظيم القاعدة، وسد الفجوة مع العالم العربي والإسلامي.

 

كما صرَّح أوباما غير مرةٍ أثناء حملته الانتخابية أنَّ أولى مبادراته ستكون زيارة يقوم بها إلى بلد مسلم مؤثر، ويشدد على أن الولايات المتحدة لا تشن حربًا ضد الإسلام، وكانت التكهنات تشير أولاً إلى إندونيسيا التي قضى فيها أوباما سنوات عمره الأولى، إلا أنَّ الإدارة الأمريكية عدلت خياراتها بعد ذلك لتكون مصر هي هذا البلد.

 

4- العراق

في العراق، يختلف أوباما عن بوش الابن، وجون ماكين مرشح الجمهوريين في الانتخابات الرئاسية الأمريكية الأخيرة، بإصراره على أنَّ المهمة الجديدة للجيش تنطوي على إنهاء الحرب بشكلٍ منظم وأسلوبٍ مسئول، وعلى الرغم من أنَّ خطة أوباما تقضي بالإبقاء على قوات في العراق، فقد ردد مرارًا وتكرارًا بأنَّه لن تكون هناك قواعد عسكرية دائمة.

 الصورة غير متاحة

أوباما قرر انسحاب قواته من العراق

 

ومن الواضح أنَّ أوباما سيواجه مقاومةً عنيفةً لخطة الانسحاب من العراق من بعض قيادات الجيش، وربما حتى من قبل بعض مستشاريه، من أجل التسويف في الانسحاب بحجة التحذيرات المرعبة من اندلاع العنف بعد الخروج الأمريكي، فبمجرد دخوله البيت الأبيض، بدأت الضغوط والعراقيل المؤسساتية بتعقيد رغبته في إنهاء الحرب بالعراق.

 

ولكن لا أوباما ولا الولايات المتحدة يتحملان المضي في مسار بوش الابن بالعراق، فبالنسبة لأوباما سيكون انتحارًا سياسيًّا، إذ إنَّ تقدمه في الحملة على منافسيه في الانتخابات الرئاسية كان مدفوعًا بمعارضته للحرب، وقد أنزل الناخبون في الانتخابات التمهيدية العقاب بمنافسته هيلاري كلينتون، بسبب صوتها المؤيد لغزو العراق في العام 2003م.

 

كما أنَّ الولايات المتحدة التي تواجه أكبر أزمةٍ ماليةٍ منذ الكساد الكبير في عشرينيات وثلاثينيات القرن الماضي، تنفق عشرة مليارات دولار شهريًّا في العراق.

 

وقد أكد كلٌّ من أوباما ونائبه جوزيف بايدن، أنَّ قمة أولوياتهما تنطوي على إرساء الاستقرار الاقتصادي وتعزيزه ووضع حد للمغامرة المكلفة في العراق، وقد خاطب أوباما هموم الناخبين الاقتصادية عبر ربطه بين تحقيق الاستقرار المالي، وتقليص الإنفاق على الحرب في العراق.

 

ثالثًا: التحركات الخارجية لأوباما

وفي المحصلة النهائية ولتحقيق جميع هذه الأولويات والأهداف كانت زيارة الرئيس الأمريكي لتركيا وقريبًا في القاهرة، ومثلت زيارة أوباما إلى تركيا يومي 6 و7 أبريل الماضي مؤشرًا على احتمال بداية مرحلة جديدة في العلاقات بين البلدَيْن بعد مرحلة عاصفة ومتوترة مرت بها العلاقات في عهد الرئيس الأمريكي السابق جورج بوش الابن بين عامي 2000م و2008م.

 الصورة غير متاحة

أوباما خلال حديثه بالبرلمان التركي

 

ولا شك في أنَّ اختيار أوباما زيارة تركيا هو اختيار مدروس بدقة، بوصفها تشكل النموذج الأبرز بالنسبة إلى إدارته؛ نظرًا لتنامي الدور الإقليمي والدولي لتركيا، ولمقوماتها وقدراتها الذاتية ولموقعها الجيوستراتيجي، وإمكانيات تجاوبها مع النهج الأمريكي الجديد؛ الأمر الذي مكَّنها من أنْ تتفوق على دول إسلامية مثل إندونيسيا التي رُشِّحت، من قبل الفريق العامل في الإدارة الأمريكية الجديدة، لتكون الدولة الإسلامية الأولى التي يخاطب منها أوباما بلدان وشعوب العالم الإسلامي.

 

ويبدو أنَّ الرئيس الأمريكي يدرك تمامًا عمق المشكلات التي تواجه بلاده، بعد أنْ وصلت صورتها إلى الحضيض لدى غالبية شعوب العالم، وخاصةً العالمَيْن العربي والإسلامي، فاستغل زيارته إلى العاصمة التركية أنقرة، ومشاركته في المؤتمر الثاني لحوار "الأديان والحضارات" في إسطنبول، كي يطلق رسائل متعددة الاتجاهات، طاولت العلاقة مع تركيا والعرب وكافة المسلمين، واعتبر فيها أنَّ عالم اليوم تصوغه جميع الثقافات والحضارات، وأنَّ المسلمين شركاء حتى في تطور أوروبا والولايات المتحدة نفسها.

 

ولكن يثور هنا أيضًا تساؤل عن جدوى الزيارة لتركيا، ولماذا تم اختيارها هي والقاهرة؟.. يمكن القول إنَّ تركيا لا تزال تمثل للولايات المتحدة، الأبعاد التالية:

 

- تركيا شريكٌ في منظمة حلف شمال الأطلنطي (الناتو)، ويخدم توجه أوباما بالتالي أهداف الحلف.

 

- تركيا صديق وربما شريك للكيان الصهيوني، الابن المدلل للولايات المتحدة والغرب.

 

- النظام العلماني التركي، حتى مع وصول حزب العدالة والتنمية التركي ذو الجذور الإسلامية إلى الحكم، ونموذج الحكم في تركيا، يعتبر أحد أركان السياسات الأمريكية في مواجهة الأنظمة الدينية المتشددة.

 

وتقول تقديرات حالة، إنَّه إذا كان أوباما جادًّا في حل المشكلات عن طريق الحوار، فسيجد في أنقرة وتحديدًا في حزب العدالة والتنمية أكبر معينٍ له؛ لأنَّ سياسة تركيا ارتكزت في السنوات الأخيرة في ظل هذا الحزب على عامل التواصل مع الجميع، واكتسبت صفة الوسيط في عدد كبير من الملفات، من بينها المفاوضات غير المباشرة بين سوريا والكيان الصهيوني في العام 2008م.

 

كما أنَّ تركيا لا تزال تمثل لواشنطن عنصرًا حيويًّا في تنفيذ الإستراتيجيات الأمريكية والغربية في المنطقة، ولكن كثرت التحليلات التي تقول إنَّ تركيا تشهد انعطافة قد تنقلها من موقعها التقليدي في المحور الغربي إلى موقع جديد أقرب إلى الشرق، بل حتى إلى دول الممانعة، خاصةً أنَّ استطلاعات الرأي ومواقف المسئولين الأتراك تشير إلى التغير في المزاج التركي سلبيًّا من الولايات المتحدة بعد حقبة بوش الابن.

 

ومن هنا فإنَّ أحد أهم أسباب زيارة أوباما إلى تركيا هو محاولة استعادة تركيا إلى حضنها الغربي السابق، وكبح جماح انعطافتها نحو الشرق والعالم الإسلامي.

 

كما يهيئ أوباما وإدارته الجديدة لإعادة تموضع شاملة في مناطق التوتر من البلقان إلى وسط آسيا مرورًا بالقوقاز والشرق الأوسط، وتركيا هنا تقع في موقع المؤثر والفاعل بكل القضايا التي تقع في هذه الجغرافيا الواسعة، ودورها مساعد وضروري لنجاح إعادة التموضع هذه، وزيارة أوباما محاولة لإعادة الاعتبار للدور التركي في هذه المناطق، والذي تعرّض للتهميش أو الاستعلاء من جانب الإدارة السابقة.

 

إنَّ اختيار تركيا لأول زيارة لأوباما إلى بلدٍ مسلمٍ، ولثاني زيارةٍ له إلى بلد خارجي (بعد كندا)، وبعد شهرٍ ونصف الشهر فقط على انتخابه رئيسًا للولايات المتحدة، هي محاولة من أجل تحسين صورة الولايات المتحدة المتآكلة والمتهالكة في العالم الإسلامي من جرَّاء المرحلة السابقة.

 

وهي أيضًا محاولة لتخفيف سلبية الصورة الأمريكية في المرحلة المقبلة؛ لأنَّ حروب الولايات المتحدة لم تنته، ومسرحها كلها هو الجغرافيا الإسلامية؛ حيث أضاف أوباما إلى خارطة حروب الولايات المتحدة، منطقة جديدة هي باكستان، وأعلن هذا التوجه بنفسه أثناء عرض إستراتيجية الحرب في أفغانستان وباكستان؛ حيث قالت وزيرة الخارجية الأمريكية إنَّ باكستان هي "أخطر منطقة في العالم".

 

وكذلك اتخاذ أوباما لتركيا مكانًا لتوجيه رسالة إيجابية للعالم الإسلامي، هو دعم مباشر للنموذج التركي العلماني في العالم الإسلامي كنموذج، وإيلاء للريادة التركية في هذا العالم، كما لا يمكن تجاهل أنَّ من أهم أهداف استعادة تركيا إلى المعسكر الغربي هو عدم تحوُّلها إلى طرف سالب في علاقتها بالكيان، لاسيما بعد أحداث غزة الأخيرة، بعدما كانت أنقرة ولا تزال تمثل إلى حدٍّ كبيرٍ، أكبر اختراق غربي صهيوني للعالم الإسلامي.

 

وكالعادة هنا تساؤل، هو إنْ كانت أهداف أوباما من زيارة تركيا تتمثل في ذلك، فلماذا اختار القاهرة للتحدث عبر منبرها الى العالم الاسلامي، على كل الانتقادات الموجهة إلى سجلها الحقوق والديمقراطي.

 

هنا ربما يكون أوباما قد شعر بغضب وانزعاج القاهرة بعد زيارته لتركيا وخوفها من سحب البساط من تحت أقدامها؛ لذلك قرر زيارتها، خاصةً أنَّ تركيا اكتسبت صفة الوسيط في عدد كبير من الملفات، بدلاً من مصر، فهي الوحيدة التي على صلةٍ قويةٍ وجيدةٍ مع جميع الأطراف، من فلسطين والكيان الصهيوني إلى إيران وسوريا وباكستان وأفغانستان، وحتى روسيا وجورجيا، ويمكن لأوباما أنْ ينطلق اعتمادًا على الدور التركي، بدلاً من البدء من الصفر، أو اللجوء إلى مصر.

 

على أي حال فإنَّ اختيار باراك أوباما لمصر ليوجه منها خطابه إلى العالم الإسلامي يمثل ضربةً للديمقراطية، وكما يقول بعض المراقبون فإنَّ هذا الاختيار للقاهرة يعني أنَّ الرئيس الأمريكي لن يتبع سياسة سلفه التي بدأها بالحديث عن نشر الديمقراطية في منطقة الشرق الأوسط، مشيرين إلى أنَّ مصر تتأرجح نحو عدم الاستقرار السياسي.

 

اختيار أوباما العاصمة المصرية القاهرة، منبرًا للإدلاء بخطابه الذى طال انتظاره للعالم الإسلامي، يمكن التنبؤ منه أنَّ الرئيس أوباما سيعول على نظامٍ ديكتاتوريٍّ خانقٍ، خاصةً أنَّ مصر تحوَّلت من منارةٍ سابقةٍ للقومية العربية إلى أداة مخلصة للسياسات الموالية للغرب والمناهضة للديمقراطية.

 

وهذ الخطاب الذي سيلقيه أوباما بالقاهرة في يونيو المقبل، هو ثالث خطاب يوجهه إلى العالم الإسلامي، بعد خطاب التنصيب وخطاب تركيا، في محاولةٍ منه للسعي نحو الشراكة والمصالحة مع المسلمين، الذين أنهكتهم سياسات جورج بوش الابن المهينة، والتي تتعلق بالحرب على الإرهاب، وكذلك سياسته الانقسامية السامة، وفي أول مقابلة له مع قناة (العربية)، قال أوباما إنَّ مهمته تقوم على أنْ يفهم العالم الإسلامى أنَّ الأمريكيين ليسوا أعداءهم.

 

ومع ذلك، فإنَّ اختيار أوباما لمصر يحمل تأييدًا وتثبيتًا للنظام الحالي، مؤكدًا أنَّ صورة الولايات المتحدة فى العالم الإسلامي هي أنها تسعى فقط إلى تلبية مصالحها السياسية بدلاً من العمل على التحول الديمقراطي في المنطقة وتأييد الاستقلال الذاتي وحق شعوب العالم العربي والإسلامي في تقرير مصيرهم.

 

خاتمة:

وفي هذا الإطار، وفي نهاية هذا الاستشراف، ومع محاولات الكيان الصهيوني ومحور الاعتدال العربي لعزل إيران، ومحاولات مصر والأردن والسعودية لاستقطاب سوريا بعيدًا عن إيران، كيف سوف يكون مستقبل المقاومة الفلسطينية، في ظل هذه الأجواء؟!.

 

الحقيقة أنَّ إجابة هذا السؤال سوف تكون بناءً على عاملَيْن، الأول مدى نجاح التحالف العربي- الأمريكي- الصهيوني في عزل إيران وفك محور الممانعة، والثاني قدرة المقاومة على صناعة عناصر قوتها الذاتية، وبناء تحالفاتٍ بديلةٍ تكون جاهزةً في حال حدوث انفكاك في محور الممانعة، وربما تكون روسيا هي قلب الهدف هذه المرة، ولكن هل تفلح المقاومة في ذلك؟!.. هذا هو ما سوف تجيب عنه الأيام القادمة.