سري سمور

"إن قضية الموت ليست على الإطلاق قضية الميت، إنها قضية الباقين" غسان كنفاني.. جدتي الحاجة أم العبد التي لا زال قبر والدها الشيخ "عبد الله العواطلي" موجودًا على أراضي قريتنا (أم الشوف) التي احتلتها العصابات الصهيونية يوم 12 آيار/ مايو عام النكبة 1948م، وقد أعيد ترميم وبناء القبر مؤخرًا من قِبل الإخوة في الداخل من أبناء وأحفاد مريدي الشيخ الذي يعتبر من أولياء الله الصالحين في فلسطين؛ حكت لي كثيرًا عن أم الشوف، عن البساطة، عن الخير العميم الوفير، عن البيت والحقل، عن الفرس والأبقار والأغنام، عن ينابيع المياه، عن جدي الشيخ "أحمد سعيد محمد سمور" شيخ الكُتّاب الذي كان يعلّم أولاد القرية وبعض القرى المجاورة مجانًا.. أحاديث لها شبه في مئات المواقع الفلسطينية من مدن وقرى أصبحت إما ركامًا، أو أقيمت مكانها المستوطنات أو المتنزهات لشذاذ الآفاق، ومرة سألتُ جدتي: "بترجعي بالك؟!" فتنهدت بحزن وأجابت بحزم: "فش حدا من اللي طلعوا من هذيك البلاد رح يرجع!!"، وفعلاً نرى أن الذين عاشوا في فلسطين المحتلة عام 48 يموتون ولم يبق منهم إلا عدد قليل يتناقص باستمرار.

 

***

يا ويل كل الخون ... في الدنيا والآخرة

من بيع أرض الوطن ... في تجارة خاسرة

باعوا حيفا ويافا ... وعكا الأرض العامرة

وأم الزينات وجبع ... واللجون الزاهرة

 

***

في ذكراها.. النكبة.. التشرد.. تحولنا إلى لاجئين في الوطن والشتات، مات الكبار أو معظمهم؛ لكن الصغار لم ولن ينسوا، هذا ما راهن دهاقنة المشروع الصهيوني عليه، فالوطن يسكننا ولا نسكنه، وعلى الرغم من كل المذابح، والمؤامرات المستمرة، والمشاريع التي لو سُكب مدادها لكان بحرًا قاتمًا، ما زال الملايين من الشعب المشرد ينظرون إلى الوطن بحنين، صحيح أن هناك من تأقلم ونسي واندمج حيث هو، ولكن الكثير الكثير من اللاجئين يتوارثون حكاية الوطن المسلوب، قصص البيادر، والزيتون والليمون والجميز، ورعاة الأغنام، ولم تفلح كل المخططات بعمل "فورمات" للذاكرة الفلسطينية، بل إن الذاكرة في نشاط يحير الأعداء!

 

***

ويلي يا قلبي انكسر ... ع خراب بلادي

وبيتي بـ اجزم اندثر ... ودمي ملا الوادي

مطرود بأرض العرب ... يا خالي ويا خيي

وعز بلادي قد وجب ... من الميّة للميّة

 

***

مرت إحدى وستون سنة، لم يرجع الأجداد ولا الآباء، ولكن الأبناء والأحفاد لا بد سيعودون يومًا، وهذه ليست شعارات، ودغدغة عواطف، بل هذه سنة الله، ولن تجد لسنة الله تبديلاً، ولكن الغريب في الأمر أن تجد البعض يحترف اختزال الأوطان، فيما اللص القاتل لا زال- على الرغم من مدريد وأوسلو وأنابوليس وكل الاتفاقيات- يطلق على الضفة الغربية بما فيها القدس اسم "يهودا والسامرة"، إن الكارثة التي حلت بنا تحتاج إلى خطاب صريح مبسط في طرح القضية، ولنبتعد عن الحديث الذي أصبح مملاًّ ومقرفًا ومزعجًا عن "السلام"؛ لأنه وحتى بمنطق الواقعية والمرونة السياسية، فإن اللص يزداد طمعًا وغطرسةً وإنكارًا لجرائمه كلما رأى منا لينًا وما نسميه مرونةً وابتعادًا عن الشعارات!

 

***

يا مين يخبر أمي ... وأبوي مع عمّي

طالت غربتي وهمي ... والغاصب سيّل دمي

يا هوشي ما في نظر ... وين الهمة العالية

تركوك في الخطر ... وحسرتي ع الدالية

 

***

قبل مائة عام وأكثر لم يكن الكثير منا يتصور أن يقوم المشروع الصهيوني على أرضنا، كان هذا خيالاً في نظر السواد الأعظم من الناس، واليوم نرى أن الكثير من أبناء جلدتنا ينظر إلى هذا المشروع وكأنه قَدَرُ هذه الأرض، وإذا أفحمته بحقائق التاريخ وسنن الكون قال لك ربما بعد قرنين أو ثلاثة تتحرر البلاد، وهذا- لعمري- منطق أعوج، وعلى الرغم من اليقين بأن الشعارات وحدها والطموحات بلا عمل لا تحرر وطنًا ولا تعيد حقًّا إذا لم تقرن بعمل دءوب وخطط ذكية، مثلما فعل اللص لإقامة كيانه؛ فإن منطق التعايش مع اللص حماقة لا تجاريها حماقة.. يجب العودة- كما قلت سابقًا وسأظل أقول- إلى الجذور؛ فهناك أرض اسمها فلسطين تحولت بوحشية السلاح وبمؤامرات القريب والبعيد وفي ظروف نعلمها جميعًا إلى "إسرائيل"، وشرّد اللصوص أهل البلاد إلى المنافي.. فالحق يجب أن يعود إلى أصحابه، ولنكن على يقين أننا إذا عدنا للحديث بهذا المنطق فسنجبر العدو قبل الصديق على إكبارنا واحترامنا، أما التنازل المؤدي إلى تنازلات فلن يقبلها اللص؛ طمعًا في أكثر منها، فهو الضياع والحماقة، بل مخالفة لفطرة الله التي فطر الناس عليها، فالإنسان غريزيًّا يرفض أن يصالح لصًّا سرق منه ولو الشيء القليل، وبالتأكيد يرفض أن يقول للّص هذا لك معظمه ولكن مُنّ عليّ بشيء منه، ويسعى إلى وسطاء أقوياء هم أصدقاء اللص كي يقنعوا صديقهم بأن يمنّ على الضحية ويعيد بعضًا مما سرق.. ولن يعيد شيئًا خضوعًا لهذا المنطق الأخرق!

 

***

يا محلي عين غزال ... وميّتها هالجارية

ويا محلي ظل الشجر ... في خبيزة الغالية

 

***

في ذكرى النكبة بل الكارثة الحقيقية في هذا العصر، على الجميع أن يعيد حساباته، فنحن في النهاية أبناء مأساة واحدة، وضحايا لنفس المخطط، على المقاوم، كما على المفاوض أن يعيد ترتيب أوراقه، ودراسة نجاحاته وإخفاقاته بلا خجل، أما المكابرة والإصرار على الخطأ فهي أمور لن تقود إلا إلى إطالة أمد الكارثة والتشرد واللجوء، فالمقاومة لا غبار ولا جدال بأنها السبيل لاستعادة الحقوق؛ ولكن المقاومة انشغلت بأمور أبعد ما تكون عن المقاومة، وأنا أؤمن بأن المقاومة يجب أن يكون ظهرها محميًّا وتأمن على نفسها من المتآمرين كي تقوم بواجبها، ولكن ربما المؤامرة الحقيقية هي إشغال المقاومة واستنزافها في معارك جانبية، وأما المفاوضات فلا عيب من الاعتراف بأنها كانت خطأً جسيمًا، وأنها لم تجلب إلا الخسران، وكلما غرقنا في المفاوضات وانسجمنا بحيثياتها، كان من يسميه المفاوض بـ"الطرف الآخر"، وهو اللص القاتل والعدو المبين يزيد من تثبيت أركانه ويمعن أكثر فأكثر في تنكره للحق وأصحابه، فيا مقاوم ويا مفاوض مهلاً وارحموا أنفسكم وارحموا شعبكم، فهو الذي يخسر دائمًا!

 

***

طنطورة ما في عذر... في ضياعك منَّا

وقمبازي... من دمي يتحنَّى

جوّال بين البشر... ما في دوا شافي

يا ربي تبعث عمر... للجائع والحافي

 

***

أعلم أن اليوم مناسبة سيتحدث عنها الكثيرون، وسيكتب الكُتَّاب عنها مقالات، وسينظم الشعراء حولها القصائد.. جيد، والأجود أن تكون هذه الذكرى الأليمة فرصة للوقوف والتفكُّر فيما نحن له ذاهبون، فاللص يريد أن يقنعنا بأن إيران هي اللص، ويريدنا أن نقف معه، وهناك مؤامرة لشطب حق العودة، وهو حق- كما نقول دائمًا- لا يسقط بالتقادم، وكما قلت فإن موت الكبار لا يعني نسيان الصغار.

 

وأعود إلى جدتي الحاجة أم العبد، رحمها الله، فقد كانت أمية لا تقرأ ولا تكتب ولا تعرف المصطلحات ولا تحفظ أسماء غالبية الزعماء؛ ولكنها بفطرتها كانت تدرك أهمية الوحدة فقالت مرارًا: "لو أنهم ملوكت العرب يتحدوا بظلش ولا يهودي بهالبلاد!" وكلمة "ملوكت" لفظتها بالكاف الفلاحية الشبيهة بحرف (H) بالإنجليزية وهي جمع كلمة "ملوك" وتقصد بها طبعًا كل قادة العرب!

 

طبعًا وحدة "ملوك" العرب متعذرة، ونعلم أن منهم من كان له دور فيما نحن فيه من تشرد وضياع، ولكن وحدتنا ممكنة، على اعتبار أن الخطر يشمل الجميع واللص لم ولن يرحم أحدًا منا، حتى من يقبل التعايش معه، فهلاّ وحّدْنا الشعور بالخطر؟ وهل من عقلاء يضعون مصلحة الوطن المشرد أصحابه فوق أي اعتبارات أخرى؟ مع التأكيد الحازم الجازم بأن مصلحة المشردين ومن اغتصبت أرضهم لا تكمن في صداقة مع سارقهم!

 

أعلم أن مثل هذا اليوم من العام القادم لن تكون النكبة قد أصبحت تاريخًا، ولكن كلي أمل بأنه في مثل هذا اليوم من العام القادم يكون الخطاب صريحًا وواضحًا في المطالبة بالحق بلا ورع ولا خجل ولا تردد، وأن يكون هناك ولو شيء من الوحدة، ووضع الخلافات جانبًا، لأن النكبة توحدنا جميعًا، وبشكل أقوى مما يفرقنا سواها!

-------------

* قرية أم الشوف المدمرة قضاء مدينة حيفا المحتلة

حاليًّا: جنين- فلسطين المحتلة

sari_sammour@yahoo.com

s_sammour@hotmail.com