كنت مشغولاً في المقال السابق عن (صراع الأجيال المزعوم) بفكرة رئيسة.. وهي أن الإخوان لا يعرفون في أجندتهم الفكرية ولا العملية ذلك التقسيم الدخيل المُدَّعى عليهم بين "حمائم وصقور"، أو بين إصلاحيين ومحافظين أو بين "حرس قديم وآخر جديد".. وقلت إن الإخوان لا يعرفون هذه التقسيمات، ولا يلحظون هذه التصنيفات بينهم.. وإنها فقط من بنات أفكار آخرين، ونابعة من عقول وتوجهات مَن ينادون بها، ويروجون لها من وسائل الإعلام المختلفة التي دأبت منذ مدة على كيل التهم الزائفة، وإحداث نوعٍ من التشويه للجماعة والنيل من برامجها ورموزها؛ بغيةَ الحد من حركتها وتحجيم نشاطها وأعمالها في الحياة العامة السياسية والاجتماعية، توصلاً إلى إخلاء الساحة للتيارات العلمانية واليسارية لتسرح وتمرح في طول البلاد وعرضها، دون ممانعة أو مقاومة لتيارات التغريب والعلمانية والعولمة وإشاعة عوامل الفساد والانحلال والفسق والفجور وإباحة الزنا والصداقة غير البريئة بين البنين والبنات، وإعلاء قيم الحداثة؛ تحديًا لنداء الأصالة، ثم الهبوط بقيم المجتمع إلى تمجيد الباطل وتحبيب الشائن من الأفعال.. حتى وجدنا أحد الكُتَّاب يقول بكل جرأةٍ وبجاحة: "إنني أفخر أن تكون أمي راقصة" مثل تحية كاريوكا وسامية جمال.. إلخ.

 

انظر كيف هبطت القيم؟! واختلت الموازنين؟! وتبدلت المعايير؟!

ولقد تواكبت هذه الحملة الإعلامية والفكرية بهجمة أخرى أشد شراسة، وهي الهجمة الأمنية، يقودها رجال الأمن في كل مكان من أرض مصرنا العزيزة.. يحدثون نوعًا من الإرباك والقلق والتوتر في صفوف الإخوان.. وتجري عمليات الملاحقة والمتابعة لكل أفرادها وكوادرها.. ولا يخلو الأمر من استعمال كثير من القسوة والبطش، سواء عند مداهمة البيوت الآمنة أو في مجريات التحقيق والاستجواب وجمع المعلومات.

 

هذه الممارسات الغريبة وغيرها سواء في الجوانب الإعلامية والأمنية.. والتي استمرت قرابة نصف قرن أو يزيد.. كان من شأنها أن تدمر كل عمل وتقبر كل فكر.. وتقضي على كل توجه يريد للإسلام أن يكون له دور في بلده وهي مصر، بلد الإسلام، وبلد الأزهر الشريف، وبلد المآذن المنتشرة في كل البقاع والأصقاع، أقول: كان يمكن- لولا رحمة الله وفضله- أن تؤتي هذه الممارسات الشاذة الهدف منها، وتقضي على العمل الإسلامي من جذوره، وتجعل الناس ينفضُّون عنه، وتبعث الرعب والهلع في نفوس العاملين وتصيبهم بالقعود والإحباط والاكتئاب، لولا فضل الله ورحمته، إذ اقتضت قدرة الله وإرادته أن يبقى هذا الدين، محفوظًا، محوطًا بالحماية الإلهية إلى يوم القيامة.. ﴿إنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ﴾ (الحجر: 9).. ﴿كَتَبَ اللَّهُ لَأَغْلِبَنَّ أَنَا وَرُسُلِي إِنَّ اللَّهَ قَوِيٌّ عَزِيزٌ﴾ (المجادلة: 21).. ﴿هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَكَفَى بِاللَّهِ شَهِيداً﴾ (الفتح: 28).

 

ولقد أحدثت مقالتي السابقة نوعًا من الحراك الفكري ظهر في كثير من المداخلات التي عقَّبت عليه.. وأخرجت ما عند الشباب من أفكار أنا حريص على الاستماع إليها بعمق.. والإجابة عليها بكل حب ووضوح تقتضيه ظروف الكتابة وطبيعة المرحلة.

 

الخلاف في الرأي

لا أنكر أن الخلاف في الرأي عند الإخوان وفي كل مستوياتهم.. عند الشباب والشيوخ.. هذا الخلاف وارد.. بل موجود.. إذ نحن قبل كل شيء بشر من البشر.. يسري علينا ما يسري عليه من عوامل ومؤثرات.. ويختلف كل منا عن الآخر.. في نشأته وروافد تفكيره والمؤثرات البيئية عليه ونمط حياته.. والوسط الاجتماعي والفكري الذي ترعرع فيه.. صحيح أن المنهج الإسلامي الذي يأخذ العمل الإسلامي به أفراده له بصماته وآثاره على تكوينهم الشخصي فيما بعد إذ يوحِّد بين القلوب والمشاعر.. ويحدد الوجهة والبوصلة إلى هدف واضح ومحدد هو خدمة قضايا الإسلام، والالتزام به، والحركة بمبادئه في النفس والمجتمع.. بل في العالم أجمع.. وفق منهج شامل ومتكامل ينتظم كل شيء ويفتي في كل شيء؛ حيث يجمع بين شئون الدنيا والآخرة.

 

إذن لا بد لي أن أعترف أن الاختلاف وارد، وأن الرؤى قد تتعدد فيما يطرح من موضوعات وأفكار للمناقشة والبحث؛ إذ الإجماع عليها ضرب من المستحيل، فالله سبحانه وتعالى يثبت هذا التنوع في كتابه ﴿وَلَوْ شَاء رَبُّكَ لَجَعَلَ النَّاسَ أُمَّةً وَاحِدَةً وَلاَ يَزَالُونَ مُخْتَلِفِينَ﴾ (هود: من الآية 118).

 

ولكن.. ما حدود هذا الخلاف وأبعاده؟ وما أهدافه ومراميه؟ وهل هو في حالة تناقض مع المبدأ المتفق عليه؟ أم هو في تكامل وتنوع وإثراء لهذا المنهج؟ ورغبة أكيدة في تطويره وتنمية قدرات أفراده للوصول إلى الغاية بأيسر الوسائل وأسلم الحلول.. وفق ضوابط محددة وآداب للحوار لا يليق التفريط فيها.

 

خلاف تنوع وتكامل

مَن يعايش الإخوان ويختلط بهم ويَغْشى منتدياتهم ومجالسهم، يُدرك بما لا يدع مجالاً للشك أن الحوار المثمر والمناقشة الجادة لأية مشكلة أو قضية مطروحة.. تنال قدرًا كبيرًا من النقاش وتجاذب الرأي.. والصراحة والوضوح.. والعمق في تحليلها وتفنيدها.. وبيان جوانبها السلبية والإيجابية.. ويدافع كل صاحب رأى عن رأيه بكل ما يملك من وسائل وأسانيد.. وتكون هذه المناقشات وما تحمله من صخب.. وحدة في بعض الأحيان.. كل ذلك وما إليه يتم.. ومعلوم لدى الكثيرين.. ولا يضيق به أحد.. أو يؤدي إلى فرقة وشحناء.. أو يفسد للود قضية.. أو يجرح سلامة الصدر والحب والود والأخوة العميقة بين الجميع.. لماذا؟

 

* لأنه.. يجري في مناخ خاص ووفق ضوابط معينة وهي:

* عدم التعصب للرأي أو التمسك به متى وضح قصوره وعدم ملاءمته للإجماع.. إذ مقتضى الشورى أو مبادئ الديمقراطية التي يحبها البعض تقضي بذلك.. إذ العبرة برأي الأغلبية.

 

1-  كل من يدلي برأيه يكون رائده المصلحة العامة وليس الانتصار للنفس.. فهذا السلوك منكر بيننا وقد ورثنا الحكمة العظيمة (رأيي خطأ يحتمل الصواب ورأي غيري صواب يحتمل الخطأ) وقد كان للأستاذ محمد حامد أبو النصر المرشد الرابع للجماعة مقولة مؤداها: (أطرح رأيي جانبًا.. ويصبح رأي الجماعة هو رأيي).

 

2- أدب الإسلام هو الذي يحكم المناقشات.. فلا تطاول ولا تجرع ولا طعن في الأشخاص.. أو الهيئات.. ويظلل الجميع الحب في الله ووحدة العقيدة والهدف.

 

3- مبدأ ( نتعاون فيما اتفقنا عليه.. ويعذر بعضنا بعضًا فيما اختلفنا فيه).. فقدر الاتفاق كبير.

 

وقدر الاختلاف قليل.. وبالحوار والشورى نصل لحل مرضٍ وقرار صائب تصلح به المسيرة ويستقيم به الطريق.

 

وقد يدَّعي البعض أن هذه شعارات ودعاوى نظرية لا أساس لها في عالم الواقع.. وأرد قائلاً: إن ما أثبته هنا هو الحقيقة بعينها.. وما نمارسه في حياتنا ومع أحبائنا.. وما أؤمن به شخصيًّا وأمارسه مع غيري كبُر هذا الغير أم صغُر.. حيث أقول ما أراه حقًّا من وجهة نظري.. وأَدَع القرار في النهاية يأخذ مجراه.. وألتزم به، صادف رأيي أم خالفه، فلا يغنيني ذلك في كثير أو قليل، حيث أنزل على ما تقرر.

 

4- لا نخرج في آرائنا عن قيم الإسلام وآدابه ومعاييره.. فلا نتبنى ما يخالف معلومًا من الدين بالضرورة.. ولا يصطدم بقاعدة شرعية.. كما لا يتعارض مع مواريث العمل الإسلامي وضوابطه وأعرافه.. أو ما يجمع عليه الرأي في القضايا المستحدثة والأمور المستجدة.

 

5- لا يصح أبدًا أن أتحرك بين الآخرين برأيي الشخصي الذي أبديته في حينه.. وعند أصحاب الشأن في البت فيه.. لا أتحرك به أو أدعو إليه.. ولا أحاول إقناع الآخرين به.. إذ إن ذلك هو الفوضى بعينها وليس معمولاً به في عالم الجماعات أو الأحزاب.. فكيف بنا ونحن "دعوة" ولسنا "دولة".

 

بهذه الضوابط.. نكون قد أرسينا قواعد حقيقية للحوار والمناقشات التي تثري العمل وتؤكد جدواه بعيدًا عن الأهواء والأغراض.. متجردين.. مخلصين نطلب من الله القبول والمثوبة.. ونسأله الرشد والصواب.. وفوق ذلك.. لا نسير خلف بريق المصطلحات.. وزيف الشعارات والمبادئ.. ولا نتكلم إلا بناء على علم ويقين بالقضية التي نثيرها ونؤمن بها.. ثم يلزم أن أحدد بالضبط.. هل أنا داخل دائرة العمل الإسلامي ملتزم به وأدور في فلكه.. أم أحلق خارج هذا السرب.. إذ إن هذا التحديد مهم.. وينبني عليه ترتيبات مختلفة.

 

أراني.. في نهاية هذه الجولة أرحب بكل الآراء ولا أضيق بها.. بل أفرح بكل الأجيال القادمة.. واستبشر بها خيرًا.. فدين الإسلام والعمل له يحتاج إلى جهد الجميع في كل المراحل العمرية المختلفة.. فالكل متراحم متعاون على البر والتقوى.. متساند متآذر يتعلم بعضنا من بعض.. ويكمل بعضنا الآخر.. ويدعو الجميع أن يسدد الخطى ويقوي البنيان.. ويصرف عنا جميعًا كيد الشيطان.

 

والحمد لله أولاً وآخرًا...