أنا أم لثلاثة أطفال متزوجة من طبيب، وهو طبعًا مشغول جدًّا ومثقل بالأعمال الدعوية، ولم أكن قبل الزواج ملتزمة، لكنى الآن والحمد لله أفضل، لكن ليس لي عمل دعوي.
المشكلة أنني أشعر بفتورٍ ومللٍ من حياتي مع زوجي، فعلى الرغم من كونه طيبًا، فهو لا يهتم بمشاعري، ولا أشعر معه بالدفء العاطفي، فمشاعره جامدة جدًّا؛ لدرجةِ أنني تمنيتُ لو كنتُ تزوجتُ شابًّا عاديًّا فربما كان يرويني عاطفيًّا.. فماذا أفعل؟
* تجيب عن الاستشارة الدكتورة حنان زين الاستشاري النفسي في (إخوان أون لاين):
أهلاً بك حبيبتي يا طيبة ويا زوجة الطيب، لا تندمي عزيزتي على اختيارك؛ فهو صحيح، وقرارك بأن تختاري صاحب الدين قرار يدل على عقلٍ راجحٍ وقلبٍ يسعى لسعادة الدنيا والآخرة، والله عز وجل يقول: ﴿الطَّيِّبَاتُ لِلطَّيِّبِينَ وَالطَّيِّبُونَ لِلطَّيِّبَاتِ﴾ (النور: من الآية 26) أدام الله عليكما نعمة الخلق الحسن، اللهم آمين.
وليس معنى ذلك أني لا أُقدِّر حجم المعاناة التي أنتِ فيها، بل على العكس، أُقدرها وأحترمها وأضم صوتي لصوتك، بل أنادي بأعلى صوت: أن يا أيها الرجالَ، يا مَن تأمرون بالمعروف وتنهون عن المنكر، اتقوا الله في نسائكم، وأعطوهن حقوقهن النفسية والبدنية، فهن بشرٌ مهما كانت درجة التزامهن، ومَن خَلَقَهن سبحانه وتعالى أعلم باحتياجاتهن وبمفاتيح قلوبهن إذ يقول سبحانه وتعالى: ﴿نِسَاؤُكُمْ حَرْثٌ لَكُمْ فَأْتُوا حَرْثَكُمْ أَنَّى شِئْتُمْ وَقَدِّمُوا لأَنفُسِكُمْ وَاتَّقُوا اللهَ وَاعْلَمُوا أَنَّكُمْ مُلاقُوهُ وَبَشِّرْ الْمُؤْمِنِينَ (223)﴾ (البقرة).
ألا ترين يا سيدتي أن الله يرد على إهمال بعض الأزواج بقوله تعالى ﴿وَاتَّقُوا اللهَ﴾!! كما يقول سبحانه وتعالى: ﴿وَعَاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ﴾، واحتياجات المرأة النفسية تسبق احتياجاتها الجسدية، ولكي يصل الرجل لإشباع احتياجاته الجسدية منها (أكل- شرب- نظافة- رعاية- علاقة زوجية) لا بد أن يُشبع احتياجاتها النفسية مثل التعبير عن الحب بصورة لفظية أو غير لفظيه بالتقدير والاعتراف بالمجهود المبذول بالحنان، بأبسطِ صورةٍ؛ كنظرةٍ حانية أو لمسة دافئة أو لقمة في الفم، تعبيرًا عن الحنان والود، وحبيبنا ومعلمنا صلى الله عليه وسلم يقول: "إن الرجلَ إذا نَظَرَ إلى امرأته ونظرت إليه نظرةَ وُد غفر الله لهما، فإذا أخذ بكفها تساقطت ذنوبهما من بين أصابعهما".. قمة الرومانسية!! والله قمة المودة والرحمة.
إن الأزواج يا حبيبتي لا يدركون حجم المعاناة التي تشعر بها المرأة من جرَّاء افتقادها الإشباع النفسي أو الجسدي، ولا بد أن يكون حجم الضغط النفسي الذي تتعرَّض له ولا تُعبِّر عنه أملاً أن يشعر بها رفيق عمرها؛ لذلك سأقترح عليك اقتراحاتٍ لعلها تدلك على طريق الحل.
أولاً: حاولي- يا ابنتي- أن تشكري زوجك على طيبته وأخلاقه وأمره بالمعروف ونهيه عن المنكر، ثم قولي له لو أن ابننا عطشان جدًّا جدًّا، وقد يموت من العطش وبيدي كوب من الماء فهل سأبخل عليه بالماء؟ سيقول "لا".
- قولي له هل يمكن أن أقول إن الطعام الذي أعددته له والفاكهة والخضار به نسبة ماء وهذا يكفيه؟ أكيد سيقول "لا".
- قولي لو أن الطبيبَ أوصاني بأن ابننا لا بد أن يشرب ماءً كثيرًا خوفًا على توقف كليته مثلاً فهل أمنع عنه الماء؟ سيقول "لا".
حوار بسيط جدًّا تقولينه ثم تصمتين وتبتسمين وتقومين وتُقبِّلين جبينه وتقولين له: "أنا قلبي سيقف من العطش، وأنت طبيبي، وبيدك كوب الماء.. أرجوك أسمعني ما يُشبع أنوثتي، أخبرني عمَّا في قلبك تجاهي؛ فإني أحبُّ أن أسمعه منك".
حبيبتي إياكِ أن تقولي: قلت له ذلك مرارًا وتكرارًا، أو تقولي ليس لها معنى بعد اليوم، أو تقولي... إلخ.
بل افعلي ذلك بطريقةٍ جديدةٍ ونية أقوى، ثم اشكريه على أدنى تصرفٍ عاطفي تجاهك، وهذا هو الأهم؛ بمعنى لو قال كلمة طيبة فكوني رائعة فيما يُحب (طعام أو نظافة أو علاقة خاصة).
وأخبريه أن الكلمةَ الجميلةَ هي التي دفعتك لذلك، وهذه هي الطريقة الوحيدة التي يفهم بها الرجل أهمية ما تطلبينه، وكرري تشجيعك دائمًا، أي أن النتيجة لا تظهر إلا باستمراركِ على ذلك.
ثانيًا: لا بد أن تشغلي نفسك بأعمالٍ مفيدة حتى لو كان زوجك يعطيكِ كل احتياجاتك، فالعمل المفيد أو التطوعي يعطيكِ جزءًا نفسيًّا رائعًا، ويُخفف من ضغوطكِ، ويشعرك بأهميتك كما أنه من الأمور المهمة التي تقتل الملل والفتور، فمثلاً:
- يمكنك الالتحاق بدار تحفيظ القرآن أو مركز لتدريب السيدات أو جمعية خيرية للمكفوفين أو الأيتام أو المرضى أو...
- ويمكنك الالتحاق بالجامعة لتكملي دراساتك العليا أو الحصول على دبلومة أو... أي اهتمي بالاستفادة من عمرك وفراغك، فهي مسئوليتك مهما كانت ظروفك.
- حاولي أن تزاولي رياضة المشي ولو لمدة نصف ساعة، فهي تخفض الضغوط النفسية والأمراض العضوية؛ أي طوِّري ذاتك ونمي مهاراتك وستنعمين بحياتك، وكوني قدوةً لأبنائك.
- تابعي برامج- مجلات- مواقع خاصة للمرأة والحياة الأسرية والأحكام الشرعية.
- مارسي أية هواية لك (قراءة- أشغال- رسم... إلخ).
- تابعي صلة رحمك وعلاقاتك وصداقاتك القديمة.
ثالثًا: ما رأيك يا عزيزتي لو أطلعتِ زوجك على مشكلتك على الموقع والرد لعله يشعر بكَمِّ الألم الذي بداخلك، وخاصةً أنك سيدة فاضلة، وذكرتِ صفات طيبة في زوجك.
حبيبتي التعبير عن الحبِّ للزوجة هو نتاج تربية الأم بالدرجة ثم تدريب الزوجة، فالرجل الذي لم يعتد على التعبيرات العاطفية وهو ابن، أو لم يُرزق بأم حنونة تُدربه على أهمية الكلمة الحلوة لا يستطيع بسهولة أن يُعبِّر لزوجته، سواء كان متدينًا أو غير متدين.
ولو رجعنا لحبيبنا المصطفى صلى الله عليه وسلم، وقد تجاوز الخمسين، وزوجته لم تتم العشرين، وهو أكثر الناس انشغالاً، والعرب طبيعتهم كصلابة الأرض، وخاصةً مع النساء، ومع ذلك جاءت لنا السيرة حافلةً بكل المعاني التي يحثُّ فيها رسولنا الكريم على إظهار الحبِّ والعاطفة للزوجات، ولم تشتكِ منه السيدة عائشة، أو من افتقادها لهذا الجانب، بل حينما سُئل مَن أحبُّ الناس إليك يا رسول الله قال: "عائشة"، وحينما سألته السيدة عائشة كيف حبُّك لي؟ قال صلى الله عليه وسلم: "كعقدة الحبل"، وبعد ذلك سألته: كيف العقدة؟- لتطمئن على حبه لها- فقال صلى الله عليه وسلم: "على حالها".. أي ما زلتِ حبيبتي وفي قلبي، وحينما يقول تأكيدًا لحبه لها: "ما أبالي بالموت بعد أن عرفتُ أنكِ زوجتي بالجنة".
فلا تندمي على اختيارك وبارك الله لك فيه وبارك له فيكِ، وأوصيكِ لو كان لديك أطفال أن تُعلميهم وتربيهم على أهمية الكلمة الطيبة؛ إذ يقول الله تبارك وتعالى: ﴿إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ وَالْعَمَلُ الصَّالِحُ يَرْفَعُهُ﴾ (فاطر: من الآية 10)، فقد سبق الكلم الطيب العمل الصالح، ويقول تبارك وتعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ كَيْفَ ضَرَبَ اللهُ مَثَلاً كَلِمَةً طَيِّبَةً كَشَجَرَةٍ طَيِّبَةٍ أَصْلُهَا ثَابِتٌ وَفَرْعُهَا فِي السَّمَاءِ (24)﴾، ويقول رسولنا الكريم- صلى الله عليه وسلم: "الكلمة الطيبة صدقة"، ويقول: "تبسمك في وجه أخيك صدقة"، ويقول: "وأن تضع اللقمة في فم زوجتك هي لك صدقة".
أخيرًا ذكِّري نفسك دائمًا بإيجابياته، واحمدي الله عليها، وأوصيكِ حبيبتي بالدعاءِ المُلِحّ الدائم أن يرزقك الله بما تُحبينه من زوجك، وأن يجعله قرةَ عين لكِ، ويجعلك قرةَ عين له، ويُديم الود بينكما، ويُؤلف بين قلوبكما.. اللهم آمين.
كما أوصيكِ بقراءة الرقية الشرعية أو سماعها، فهي حصن واقٍ بفضل الله تبارك وتعالى.