د. حسن الحيوان

علماء المسلمين على أن الإيمان يزيد وينقص ولا يستقر أبدًا، وللزيادة أو النقص أسباب كثيرة، وهناك توجيهات فكرية وخطوات وآليات عملية لزيادة الإيمان، كما أن الزمن هو المجال الذي يؤسِّس الإنسان- وتحديدًا الشباب- من خلاله لحياته؛ بتفعيل هذه التوجيهات بشكل إيجابي؛ لتحقيق قيمة مضافة وتنمية، وصولاً إلى نهضة شاملة للشباب الذي يمثِّل أساس ومستقبل المجتمع.
ولذلك فالطاقات الواسعة للشباب لا بد أن تُستثمر لا أن تستهلك، وإلا ينفرط عِقد المجتمع والدولة، والمقصود هو تأكيد أن أمر الشباب إذا لم يؤخذ على أعلى درجة من الجدية والأولوية القومية، فلا أمل في أي إصلاح أو نهضة؛ حتى لو تم تحقيق أي إيجابيات لأي من شرائح المجتمع الأخرى، والشاهد أن الشباب لا يوجد أمامه إلا ثلاث احتمالات فقط:
أولاً: الاعتدال الفكري، والتوازن العملي، وبذل الجهد المنظم لجلب المنافع، وتحقيق قيمة مضافة.
ثانياً: الفراغ السلبي، وما أسميه حاليًّا بثقافة الشيشة، وما حولها من استحقاقات وسلوك.
ثالثًا: الفراغ المدمِّر، والتطرف الفكري الذي يؤدي إلى شتى صور العنف المنتشرة بالمجتمع المصري؛ فلننظر للأحوال العامة في مصر، وما إمكانية أن يقوم الشباب ببلورة أفكارهم للحياة ورؤيتهم للمستقبل؟!.
فعلى المحور السياسي نرى ما حدث في انتخابات الطلبة في الجامعات، وكذلك في الشورى واتحادات العمال، يعبر عن درجة غير مسبوقة من كبت للحريات العامه؛ لدرجة أن شتى القوى الاجتماعية والسياسية، وعلى رأسهم الإخوان انسحبت من الانتخابات، والمدهش أن أساتذة الجامعات التابعين للحكومة والحزب الحاكم طالبوا بإلغاء اتحادات الطلاب نهائيًّا، كما أن وسائل الإعلام القومية تؤسس لدرجة متزايدة من عدم المصداقية والإهمال على المستوى المهني، وكذلك الانحلال والإباحية؛ مما يؤثر سلبيًّا على الشباب، خصوصًا الذي يعاني من الفراغ القاتل، ولا بد من التنبيه على أن انعدام مصداقية الإعلام الرسمي، وتدني المستوى بشكل عام، خصوصًا بعد انتشار الفضائيات يؤدي إلى حالة من الانفصال بين الدولة والمجتمع، قد تؤدي إلى أزمات قومية كارثية، فكيف تستطيع الحكومة مثلاً توجيه المجتمع حال حدوث أي أمر طارئ عام، مثل زلزال أو حرب أو وباء مثل الإنفلونزا الحالية.
أما المحور الاقتصادي فغالبية الشباب يواجه البطالة التامة؛ حيث لا يجد أي نوع من أنواع العمل، حيث يعمل المهندس أو الدكتور كحارس أمن أو بائع في الشوارع، وبأجر زهيد في مواجهة موجة وحشية من غلاء الأسعار، إلى درجة أن أمل أي شابٍّ في امتلاك المسكن المتواضع أصبح دربًا من الخيال؛ حتى بالنسبة لأبناء الطبقة الاجتماعية فوق المتوسطة, كما أن متوسط أسعار الإيجارات أصبحت مرتفعة جدًّا بالنسبة للدخل الشهرى, أضف إلى ذلك قانون الضرائب العقارية الجديد الذي سيؤدي إلى مزيد من ارتفاع أسعار الإيجارات.
أما على الصعيد الفكري فهناك ضبابية تامة في قضية الهوية، وبالتالي الازدواجية الحضارية (بين الإسلام والعلمانية) المتفشية في المجتمع، خصوصًا بين طبقات الصفوة والنخبة؛ مما أدَّى إلى التراجع العميق في الانتماء العام على شتى الأصعدة، وصولاً إلى التبعية للآخر الحضاري لدرجة زيادة حالات تجسُّس المصريين لصالح "إسرائيل" (الكيان الذي يمثل العدو الإستراتيجي للشعب المصري) الأمر غير المسبوق على مدار التاريخ المصري, كما أن أبسط صور التوجيه الفكري للشباب- الذي يعاني من الفراغ التام- أصبحت منعدمة حيث الأحزاب السياسية الشكلية بدون مضمون، ومراكز الشباب التي أصبحت حبرًا على ورق؛ مما أدَّى إلى الوباء الحضاري في مجال التسلية والترفيه الذي يُفترض أنه- وفقًا للقيم والمبادئ الحضارية الإسلامية- يمثِّل الوسيلة (وليس الهدف) اللازمة للانتعاش، والعودة إلى الجدية، والعمل المثمر؛ لاستيعاب العصر لتحقيق التقدم والتنمية، وصولاً لإعمار الأرض حسب التكليف السماوي المقرر في القرآن والسنة النبوية.
أما الفساد فالأحوال العامة تؤسِّس إلى إعطاء غير ذي حق ما ليس بحقه؛ لدرجة تقنين الممنوع وتحليل الحرام، أي أن الشباب يعيش في حالة من الكبت السياسي.
والفقر الاقتصادي والفراغ الفكري في مناخ فاسد، لا بد أن يؤدي إلى انعدام القدوة والأمل، وحالة مزمنة من اليأس، ويؤكد ذلك على استحالة استثمار الشباب لتحقيق الاحتمال الأول المذكور.
ألا يعني ذلك ضرورة أن ندعو حكومتنا الرشيدة لإنشاء وزارة للشيشة للعمل على نشر وتعميق هذه الثقافة (حتى لا يتجه الشباب للاحتمال الأسوأ المدمر) من خلال الإمكانات الهائلة للإعلام الرسمي الذي يؤكِّد دائمًا إنجازات الحكومة، بدايةً من رغيف العيش إلى كل ما يحقق النهوض بالبعد الاجتماعي للمواطنين.
-----------
* رئيس جمعية المقطم للثقافة والحوار