العمل له أهمية كبيرة في حياتنا لأن إسلامنا الحنيف حثنا على ذلك، وجعله عبادةً يؤجر عليها من عمل، ما دام يعمل ابتغاء مرضاة الله- عز وجل- ولا بد للإنسان أن يسعى لطلب الرزق الحلال والبعد عن المحرمات حتى يبارك الله- عز وجل- في رزقه؛ لأن الرزق بيد الله سبحانه وتعالى، ولكن ليس معنى ذلك أن نجلس وننتظر الرزق يأتي إلينا من عند الله، فكان الأولى بذلك الأنبياء عليهم السلام، ولكنهم جميعًا كانوا يكدون ويتعبون ويعملون للحصول على رزقهم، فآدم- عليه السلام- عمل بالزراعة, وداوود- عليه السلام- عمل بالحدادة, وعيسى- عليه السلام- عمل بالصباغة, ومحمد- صلى الله عليه وسلم- عمل برعي الغنم والتجارة, فلا يجوز للمسلم ترك العمل باسم التفرغ للعبادة أو التوكل على الله, ولو عمل في أقل الأعمال فهو خير من أن يسأل الناس. قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "لأن يأخذ أحدكم حبله, ثم يغدو إلى الجبل فيحتطب, فيبيع فيأكل ويتصدق, خير له من أن يسأل الناس".

 

الإسلام لا يعرف الكسل ولا يحب اليأس ويقدر الأيدي العاملة، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:"ما أكل أحد من عمل قط خيرًا من أن يأكل من عمل يده، وأن نبي الله داود كان يأكل من عمل يده" (رواه البخاري).

 

وللعمل قيمة عالية في الإسلام؛ لأنه سبب لاستمرار وجود الإنسان في هذا الكون، فالله-عز وجل- خلق الإنسان، وكلفه بعدة أعمال لينفع بها نفسه أولاً، ثم مجتمعه وليس هذا فحسب، بل لينتفع بها في آخرته أيضًا، وأفضل دلالة على ذلك قوله تعالى: ﴿فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَه (7)وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَه (8)﴾ (الزلزلة)، كما أن الإنسان يعمل ليبحث عن رزقه، ويحقق به حاجاته المادية والمعنوية والفكرية؛ ولذلك عظم الإسلام من قيمة العمل ورفع شأنه حتى جعل منزلته من منزلة الجهاد في سبيل الله، وفي ذلك يقول كعب بن عجزة: مرَّ على النبي- صلى الله عليه وسلم- رجل، فرأى أصحاب النبي من جلده ونشاطه ما أعجبهم، فقالوا يا رسول الله لو كان هذا في سبيل الله، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "إِنْ كَانَ خَرَجَ يَسْعَى عَلَى وَلَدِهِ صِغَارًا فَهُوَ فِي سَبِيلِ اللهِ، وَإِنْ خَرَجَ يَسْعَى عَلَى أَبَوَيْنِ شَيْخَيْنِ كَبِيرَيْنِ فَهُوَ فِي سَبِيلِ اللهِ، وَإِنْ كَانَ يَسْعَى عَلَى نَفْسِهِ يُعِفُّهَا فَهُوَ فِي سَبِيلِ اللهِ، وَإِنْ كَانَ خَرَجَ رِيَاءً وتَفَاخُرًا فَهُوَ فِي سَبِيلِ الشَّيْطَانِ".

 

وقد حث الإسلام على ضرورة إعطاء العامل حقه يقول صلى الله عليه وسلم: "أعطوا الأجير أجره قبل أن يجف عرقه"، وللعامل في الإسلام العديد من الحقوق منها:

مناسبة الأجر للعامل: فلا بد أن يكون أجر العامل على قدر عمله فيقول الله عز وجل: ﴿وَلا تَبْخَسُوا النَّاسَ أَشْيَاءَهُمْ﴾ (الأعراف: من الآية 85)، وعلى صاحب العمل ألا ينقص من أجر العامل لأن الله- عز وجل- حذر من ذلك في قوله تعالى ﴿وَيْلٌ لِلْمُطَفِّفِينَ (1)﴾ (المطففين).

 

سرعة دفع الأجر للعامل: فنجد قول رسول الله صلى الله عليه وسلم: "أعطوا الأجير أجره قبل أن يجف عرقه"، يدعو إلى سرعة الأجر للعامل، فلا يتباطأ صاحب العمل في إعطاء العامل أجره لحاجته إليه.

 

مناسبة العمل للعامل: فالله عز وجل جعل لكل إنسان عملاً يقدر عليه ويفهمه ويؤديه بإتقان دون غيره، فالطبيب مثلاً لا يقدر على عمل المزارع، والمزارع لا يقدر على عمل المحامي، والأخير لا يقدر على عمل المعلم مثلاً فالله تعالى يقول: ﴿لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلاَّ وُسْعَهَا لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا اكْتَسَبَتْ﴾ (البقرة: من الآية 286).

 

واجبات العامل:

جعل الإسلام لكل عمل أخلاقيات عامة لا بد أن يتحلى بها المسلم بصفة عامة والمسلم العامل خاصة، فعليه أن يتحلى بالصدق والأمانة وعدم الخداع؛ فالتاجر مثلاً يجب أن يكون سمحًا لا يعرف الخداع والطمع، ولذلك يقول صلى الله عليه وسلم: "رحم الله رجلاً سمحًا إذا باع, وسمحًا إذا اشترى, وسمحًا إذا اقتضى".

 

وعلى العامل أو الموظف أن يتقي الله- عز وجل- في عمله، وأن يكون عمله خالصًا لوجه الله وابتغاء مرضاته ليخدم وطنه ومجتمعه؛ لا لكي يظهر على زملائه، أو ليتودد لرئيسه لينعم بالمكافآت المادية وخلافه.

 

أما المدير فيجب عليه أن ألا يتكبر على عماله، وأن يتحلى بصفة التواضع، وألا يكون متعسفًا في أوامره، فيقول الله تعالى: ﴿وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ﴾ (آل عمران: من الآية 159), كما يجب عليه أن يكون عادلاً بينهم.

 

وهكذا على كل من يقوم بعمل ما لا بد أن يتحلى بأخلاقيات الإسلام، وليكن شعاره"من غشنا فليس منا".

 

دور الدولة والمؤسسات تجاه العمال:

يتلخص دور الدولة تجاه العمال في الآتي:

* رعاية حقوق العمال فلا بد أن تكون أجور العمال مناسبةً لظروف المجتمع الذي يعيشون فيه, فمثلاً لا بد أن تغطي الغلاء وارتفاع الأسعار الجنوني.

 

* على الحكومات أن تلبي حاجات العمال والمواطنين وسرعة الاستجابة لهم؛ ولو تحقق ذلك لعمل الكل بجد وإتقان وزاد الإنتاج وتقدم المجتمع.

 

* يجب على الحكومة محاربة المؤسسات الفاسدة الجشعة، والإصلاح من شأنها أو غلقها تمامًا.

 

* ضرورة مراقبة الحكومة لمؤسساتها والتصدي لما يفسدها والعمل على تقويمها وحل مشاكلها وتلبية حاجاتها.

 

* وقف حالات الفصل التعسفي ومناصرة ودعم العمال.

 

وفي ذلك قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "كلكم راع وكلكم مسئول عن رعيته"، فأي عامل راعٍ لعمله لا بد أن يتحلى بأخلاقياته، ويعرف واجباته ويعرف حقه، ولا يجور على حق غيره ويتقن عمله كما ينبغي أن يكون, وليعلم أن للعمل قيمة غالية في دينه لا بد من تقديرها والحفاظ عليها.

 

وعلى الدولة رعاية كل الشعب بمن فيهم العمال الذين هم يعملون ويجدون ويتعبون لخدمة وطنهم الغالي, فهم من يرفع شأن الوطن ويزيد إنتاجه ويدفعه للتقدم والازدهار.

----------

* nassareg2000@gmail.com