محمد رجب سالم
يا له من أمر قبيح، وشأن فاضح صريح!! أن يكون الشرفاء خلف أسوار السجون مغيَّبين، وعن أهليهم مبعدين، وفي أوطانهم مضطهدين، وليس لهم من ذنب ولا جريرة إلا أنهم آمنوا بالله رب العالمين، ومردُّ ذلك كُله إلى الظلم، الذي حرَّمه ربُّ العزة سبحانه وتعالى على نفسه، وجعله بين عباده محرَّمًا؛ ففي الحديث القدسي الذي أخرجه مسلم يقول رب القوى والقُدَر جل شأنه: "يا عبادي، إني حرمت الظلم على نفسي وجعلته بينكم محرمًا فلا تظالموا".

ما الجريمة؟ وما الخطيئة؟
إنها الجريمة القديمة الجديدة، جريمة الشرفاء والأحرار منذ بدء الخليقة، وحتى غروب شمس الحياة، وصدق الله العظيم القائل في محكم التنزيل: ﴿وَمَا نَقَمُوا مِنْهُمْ إِلاَّ أَنْ يُؤْمِنُوا بِاللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ (8)﴾ (البروج).
وأصحاب المبادئ والدعوات يوقنون تمام اليقين أن سبيلهم مملوءٌ بالأشواك، وأن السجن بالنسبة لهم ليس إلا تقييدًا لحركة الأبدان، أما الأرواح والأفئدة فطليقة حرة في رحاب ربها، وفي معيَّة خالقها، ورحم الله المفكر الشهيد سيد قطب فقد قال في هذا المعنى:
أخي أنت حر وراء السدود أخي أنت حر بتلك القيود
إذا كنت بالله مستعصمًا فماذا يضيرك كيد العبيد؟!
وحينما سُئل الإمام المودودي: ماذا أعددت للصعوبات التي تواجهك على طريق دعوتك؟ أجاب: "أعددت للشدة يقينًا، وللمعوقات دينًا، وللظلم صبرًا، وللسجون والمعتقلات قرآنًا وذكرًا، وللمشانق: ﴿وَعَجِلْتُ إِلَيْكَ رَبِّ لِتَرْضَى﴾ (طه: من الآية 84)".
لقد ارتضى الله الإسلام لنا دينًا، أي عقيدة ومنهج حياة، وهكذا بلغه لنا رسول الله صلى الله عليه وسلم، وعلى أساسه أقام دولته، وتحاكم إلى شريعته، ونشر نوره، وبثَّ هداه، ومن ثم بات هذا الفهم الصحيح والتطبيق الكامل للإسلام أمانةً في أعناق المسلمين، كلما انحرف جيل أو فرَّط في هذه الأمانة توجَّب أن تقوم جماعة بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر؛ امتثالاً لأمر الحق جل ثناؤه، وتباركت أسماؤه: ﴿وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنْ الْمُنْكَرِ وَأُوْلَئِكَ هُمْ الْمُفْلِحُونَ (104)﴾ (آل عمران).
وليس لأمة الإسلام من خيرية إلا إذا قامت بهذا الواجب، ونهضت بهذا الحق، قال تعالى: ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنْ الْمُنكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ﴾ (آل عمران: من الآية 9). وكم هو رائع ودقيق تعليق الفاروق عمر بن الخطاب على هذه الآية الكريمة؛ حيث قال: "من سرَّه أن يكون من هذه الأمة، فليؤَدِّ شرط الله فيها، يعني قوله تعالى: ﴿تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنْ الْمُنكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ﴾.
والأروع من التعليق النظري للفاروق تطبيقه العملي؛ فقد روي عنه أنه قال يومًا على المنبر: "يا معشر المسلمين: ماذا تقولون لو ملت برأسي إلى الدنيا هكذا؟ (وأمال رأسه)، فقام إليه رجل فسلَّ سيفه، وقال: كنا نقول بالسيف هكذا (وأشار إلى قطعه)، فقال عمر: إياي تعني بقولك؟ فقال الرجل: نعم إياك أعني بقولي، فقال عمر: رحمك الله، الحمد لله الذي جعل في رعيتي من إذا اعوججت قوَّمني".
ولما كانت الأضداد لا تتلاءم، ولا تتواءم كالظلام والنور، والظل والحرور، والخير والشرور، فإن القائمين على الظلم، والسادرين في الغيِّ لا يقبلون الحق، ولا يحبون أهله، بل ويستبدُّون بآرائهم وأفكارهم، ولو كان ذلك على حساب شعوبهم وأوطانهم.
والاستبداد ابن بارٌّ للظلم، ويشتركان معًا في إفراز السموم والهموم التي تُصيب الفرد والمجتمع في مقتل، وفي هذا المعنى يقول عبد الرحمن الكواكبي في كتابه (طبائع الاستبداد): "لو كان الاستبداد رجلاً، وأراد أن يُعرِّف أو يَنْسُبَ نفسه لقال: أنا الشر، وأبي الظلم، وأمي الإساءة، وأخي الغدر، وأختي المسكنة، وعمي الضير، وخالي الذل، وابني الفقر، وبنتي البطالة، وعشيرتي الجهالة، ووطني الخراب، أما ديني وشرفي وحياتي فالمال، المال، المال".
وفي عدل الإسلام وكمال مبادئه العلاج الناجع والدواء النافع لداء الظلم الذي أصاب كيان الأمة، ونخر كالسوس في عظامها، وليس في الاستبداد والقهر، فالعدل مظلة الأمان، وسياج البنيان، وأساس الملك والعمران، وصفحات تاريخنا الناصعة خير شاهد على ذلك، فقد رُوي أن "الجراح بن عبد الله" والي خراسان على عهد خامس الراشدين أمير المؤمنين عمر بن عبد العزيز كتب إليه يشكو رعيته قائلاً: "إن أهل خراسان قوم قد ساءت رعيتهم، وإنه لا يصلحهم إلا السيف والسوط، فإن رأى أمير المؤمنين أن يأذن لي في ذلك"، فكتب إليه عمر يقول: "أما بعد، فقد بلغني كتابك، تذكر فيه أن أهل خراسان قد ساءت رعيتهم، وأنه لا يصلحهم إلا السيف والسوط، فقد كذبت، بل يصلحهم العدل والحق، فابسط ذلك فيهم والسلام".
وإننا شعوبًا ورعيةً لنتساءل في أسى وحسرة: لماذا يغضُّ قادتنا الأشاوس على امتداد الوطن الكبير من المحيط الهادر إلى الخليج الثائر، كما كان يطلق عليه دعاة القومية العربية.. لماذا يغضون الطرف عن هذه الصفحات المضيئة في تاريخنا والمشرقة في تراثنا؟ بل لماذا يغضُّون الطرف عن النماذج الناجحة الديمقراطية عند الأعداء؟ فما سمعنا عن كبت لحرية في "إسرائيل"، وما علمنا عن مُصادرة رأي آخر عندهم أو اعتقال معارضين في الولايات المتحدة أو الدول الأوربية، على سبيل المثال!.
لماذا يكون الاستبداد من نصيب العرب وحدهم؟ ولماذا يكون الظلم من حظِّ الأحرار الشرفاء من المسلمين؟ ثم لماذا يتقدم العالم إلى الأمام ونتقدم نحن للخلف؟
إن الإصلاح الإسلامي هو الدواء لكل داء، وإن المصلحين هم الأطباء الذين يقدمون هذا الدواء للأمة بأيد آسية وأفئدة رحيمة، وهم أيضًا أحرار الأمة وشرفاؤها الذين يدفعون الثمن من دمائهم وأرواحهم، موقنين أن طريقهم ليست مفروشةً بالورد والرياحين، وإنما تحفُّه المكاره والتضحيات، ولكن الغلبة في النهاية للحق وأهله، وصدق سيد قطب حين قال في قصيدة "هبل":
لكنما الأحرار في هذا الزمان هم القليلْ
فليدخلوا السجن الرهيب ويصبروا الصبر الجميلْ
وليشهدوا أقسى رواية، فلكل طاغية نهايةْ
ولكل مخلوق أجل.. هبلْ.. هبلْ
أما أنتم أيها الظالمون فأنتم الخاسرون؛ فإن سنة الله فيكم ماضية، وضربة القضاء بكم نازلة، وكلمة الحق فيكم فاصلة، فلا تغتروا بقوة، ولا تفرحوا بسلطان، فكل ذلك إلى زوال؛ لأن دوام الحال من المحال، واسمعوا هذا التحذير النبوي، الذي رواه الشيخان البخاري ومسلم، ويقول فيه سيد الخلق وحبيب الحق صلى الله عليه وسلم: "إن الله ليملي للظالم فإذا أخذه لم يفلته، ثم قرأ قوله تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ أَخْذُ رَبِّكَ إِذَا أَخَذَ الْقُرَى وَهِيَ ظَالِمَةٌ إِنَّ أَخْذَهُ أَلِيمٌ شَدِيدٌ (102)﴾ (هود)".
فهل من معتبر؟ وهل من مدكر؟!
-------
* داعية إسلامي.