عمليات التهويد التي تقودها العصابات الصهيونية في مدينة القدس، وتسير بشكلٍ متصاعدٍ هذه الأيام، حتى وصلت إلى أوجها ليست جديدةً أو وليدة العصر، فقد ظهرت أولى بوادرها ومعالمها إبان الانتداب البريطاني لفلسطين، والذي لعب دورًا كبيرًا في وضع اللبنة الأولى لتهويدها، وساهم بشكلٍ كبيرٍ في تسهيل الهجرة اليهودية إليها، وإصدار قوانين الأراضي، لتسهيل نقل ملكيتها إلى المنظمات الصهيونية، وزيادة عدد السكان اليهود في القدس، والإخلال بالتوازن الديموغرافي بينهم وبين العرب.
![]() |
|
باب العامود أحد أبواب القدس الرئيسية |
والمتتبع لمسيرة التاريخ يدرك أنَّ جذور التهويد في المدينة المقدسة بدأت منذ العام 1849م، حينما حصل اليهودي الروسي موسى مونتفيوري، أحد الداعمين للاستيطان اليهودي في فلسطين، على فرمانٍ من السلطات العثماني، سُمِحَ بموجبه لليهود بشراء الأراضي في القدس وفلسطين، وتمكن عام 1855م، نتيجة تدخل بريطانيا لدى السلطات العثمانية، من شراء قطعة أرضٍ في القدس أقام عليها أول حيٍّ يهوديٍّ في القدس، وفي فلسطين بشكلٍ عامٍ.
وتحاول هذه الورقة استعراض ملامح تاريخ تهويد القدس، والمشروعات المختلفة التي مرت بها طيلة العقود الماضية، سواءً على مستوى محاولات الاحتلال الصهيوني للقدس لتغيير معالمها الجغرافية، وبنيتها العمرانية، أو على مستوى الجانب الديموغرافي، ومساعي الاحتلال للإخلال بالتوازن السكاني في المدينة المحتلة، لصالح اليهود.
أولاً: البدايات الأولى للتهويد
كانت بداية مواطئ القدم للصهاينة في فلسطين من القدس بالذات، قلب العقيدة، ليمتد بعدها كالإخطبوط في أرجاء فلسطين، وكانت البدايات الأولى لعمليات التهويد في أعقاب دخول الجنرال البريطاني إدموند هنري اللنبي، بقيام المهندس ماكلين، مهندس مدينة الإسكندرية، بوضع الخطة الهيكلية الأولى لمدينة القدس الغربية، وكذلك المقاييس والمواصفات والقيود المتعلقة بالبناء والتطور العمراني في المدينة المقدسة بأكملها.
وقسمت الخطة الهيكلية التي وُضِعَت عام 1918م، المدينة إلى أربعة مناطق: البلدة القديمة وأسوارها، المناطق المحيطة بالبلدة القديمة، القدس الشرقية، والقدس الغربية؛ واعتبرت تلك المخططات العمود الفقري لكافة الخطط اللاحقة لتهويد المدينة، وبناءً على نص الخطة، فقد تم منع البناء منعًا باتًّا في المناطق المحيطة بالبلدة القديمة، ووضعت قيودًا على البناء في القدس الشرقية، وأعلنت عن "القدس الغربية" كمنطقة تطويرٍ.
وفي عهد المندوب السامي الأول، هربرت صموئيل، اليهودي الصهيوني، والذي مثل التاج البريطاني في فلسطين في السنوات ما بين العام 1920م إلى العام 1925م، أخذت القدس تشهد سمات التحول ومعالم التهويد الأولى البارزة.
وابتدأت معالم التهويد تظهر بشكلٍ فعليٍّ وعلى أرض الواقع مع بناء أولى المغتصبات على هضاب القدس، فبُنِيَت مغتصبة روميما عام 1921م، ثم لحقت بها مغتصبة تل بيوت في العام 1922م، ثم بيت هاكيرم 1923م، وميخور حاييم، وميخور باروخ، ورحافيا، وكريات موشيه، ونحلات آحيم في العام 1924م، ثم بيت واجن، ومحانايم، وسنهادريا عام 1925م، وكريات شموئيل 1948م، ونحيلا، وكيرم أفراهام 1929م، وأرنون، وتل إرزه 1931م، حتى أصبح عددها ست عشرة مغتصبةً وضاحيةً وحيًّا يهوديًّا عام 1948م.
وكان من بينها 11 في عهد هربرت صموئيل وحده، وهو ما يعني أنَّ معظم ما بُنِيَ في عهد الانتداب البريطاني في القدس، قد بُنِيَ في عهد المندوب السامي الأول.
وشهدت فترة الانتداب البريطاني على فلسطين والقدس تدفق رؤوس الأموال اليهودية، وخاصةً مع المهاجرين الذين جاءوا من ألمانيا وبولندا، واللذين كانوا في معظمهم من الطبقة المتوسطة، الذين باعوا أملاكهم وصفُّوا أعمالهم، وانتقلوا مع رؤوس أموالهم إلى فلسطين، وقُدِّر مجموع الأموال التي وظفها اليهود في فلسطين، خلال السنوات من 1932م وحتى العام 1935م، بنحو 31 مليون ليرة فلسطينية، مقابل 20 مليونًا تم توظيفها خلال السنوات العشر من العام 1921م وحتى العام 1931م.
وإلى جانب ذلك تدفقت رؤوس الأموال الأمريكية والغربية إلى فلسطين، لاستثمارها في مشاريع إقامة "الوطن القومي اليهودي"، حصلت القدس منها على نصيبٍ وافرٍ منها، بحيث أخذ ينتقل إليها، أو يقام فيها تدريجيًّا، عددٌ كبيرٌ من المؤسسات الصهيونية واليهودية، لجعلها مركزًا سياسيًّا وإداريًّا وتعليميًّا لليهود، فأصبحت مقرًّا للجنة التنفيذية للمنظمة الصهيونية العالمية، والوكالة اليهودية، والصندوق التأسيسي، والصندوق القومي اليهودي، والمجلس الوطني لليشوف، والحاخامية الرئيسية.
ولم يتوقف الدور البريطاني عند هذه الحد؛ حيث افتتح وزير الخارجية البريطاني آرثر جيمس بلفور عام 1925م الجامعة العبرية في القدس، والتي وضع حجر الأساس لها حاييم وايزمان رئيس الوكالة اليهودية، بحضور الجنرال اللنبي في 24 يوليو 1918م، أي قبل انتهاء الحرب العالمية الأولى ببضعة أشهرٍ.
ولعبت السلطات الانتدابية دورًا كبيرًا في تقييد التوسع الفلسطيني في القدس؛ حيث قامت بوضع مخططات تنظيمية عدة للمدينة؛ وذلك في الأعوام 1919م و1922م و1929م و1930م و1946م، راعت إلى حد كبير خارطة الاستيطان اليهودي في المدينة القائمة والمستقبلية، يضاف إلى ذلك طبيعة الموقع المتفاوت طبوغرافيًّا، والذي تحكم في هذا التوسع، فمن جهة الغرب، التي طالها التوسع أكثر من بقية الأجزاء الشرقية، توفرت التربة الخصبة، والأمطار والمياه، والانحدار التدريجي باتجاه اللد والرملة، والسهول الساحلية.
![]() |
|
صرخة مدوية من القدس المحتلة والأقصى ضد مخططات التهويد |
وذلك على النقيض من المنحدرات الشرقية شديدة الانحدار، وفقيرة التربة، وقد أدَّى ذلك إلى أنْ تتوسع حدود بلدية القدس عدة مرات، فقد وصلت مساحتها عام 1930م إلى 17 ضعفًا من مساحة البلدة القديمة، أو ما يُقارب 4800 دونمًا، ارتفعت عام 1948 إلى 20131 دونمًا.
وساهم الانتداب البريطاني إلى حدٍّ كبيرٍ في زيادة عدد المهجرين اليهود إلى فلسطين والقدس خاصة؛ حيث قفز عدد الذين وصلوا من 1806 مهاجرًا عام 1919م إلى 8223 عام 1920م، و13.892 عامًا 1924م، و34.386 عامًا 1925م، و37.337 عام 1933م، و66.422 عامًا 1935م و22.098 عامًا 1947م.
وساهم ذلك في تعزيز الجالية اليهودية في القدس بشكلٍ كبيرٍ، وقلب الميزان الديموغرافي على النحو التالي: كانت نسبة الذين استوطنوا القدس من هؤلاء على النحو التالي: 40.7% عام 1922م؛ 30.8% عام 1930م، و16.7% عام 1946م، و11.6% عام 1948م.
إلا أنَّ العرب من مسلمين ومسيحيين استمروا يشكلون أغلبية، وإن كانت متناقصة، في لواء القدس، كوحدةٍ تشمل القرى والبلدات المحيطة بالمدينة؛ حيث بلغ عدد سكان ديار بيت المقدس عام 1945 295.230 منهم 142،829 مسلمون، و52.600 مسيحيون، و100.200 يهود، أي بنسبة 34%.
واستمرت الأغلبية العربية في التناقص في المدينة المقدسة، حتى استطاع اليهود سفارديم وأشكنازيم، أنْ يصبحوا أغلبية داخل حدود البلدية في العام 1947؛ حيث وصل عددهم إلى 99.4 ألف يهودي، في مقابل 65.1 ألف عربي، في حين بلغ عدد العرب في البلدة القديمة 33.600 ألف يملكون 85% من عقاراتها، بينما كان اليهود 2400 فقط.
وقد راجع المؤرخ البريطاني مايكل دمبر، الأدبيات الديموجرافية لفترة الانتداب، وتوصل إلى تفسيرين لهذا التمايز في نِسَبِ السكان:
- الأول: اعتادت الإحصاءات الانتدابية احتساب المهاجرين الذين وصولوا إلى القدس قبل عام 1946م، ثم انتقلوا بعدها إلى تل أبيب ومناطقٍ أخرى، كأنهم باقون في القدس.
- الثاني: أنَّ تلك الإحصاءات استثنت سكان الأرياف المحيطة بالقدس، الذين يعملون في المدينة، مثل العاملين في المدينة من سكان قريتَيْ لفتا ودير ياسين، بينما احتسبت في الوقت ذاته السكان اليهود الذين يسكنون خارج البلدية، على أنَّهم من سكان المدينة، مثل سكان بيت فيجان ورامات راحيل وميخور حاييم، وهي عملية التفافية مشوهة يسميها دامبر بـ"الإحصاء الديموجرافي الهيكلي" (Demography Gerrymandering)، أي تقسيم منطقة إلى وحدات لمصلحة جماعةٍ معينةٍ.
وعلى الرغم من هذه التقديرات البريطانية، فإنَّ العرب كانوا يملكون داخل حدود بلدية القدس عام 1947، ما مجموعه 11.191 دونم من أصل 19.326 (منها 3305 دونمات أراضي دولة)، في حين يملك اليهود 4830، أي أنَّ العرب كانوا يملكون ثلاثة أضعاف الأرض.
ووفق إحصاءات 1945م، فإنَّ لواء القدس كان يغطي مساحة 1.57 مليون دونم، منها 88.4% كان يملكها عرب، و2.1% يملكها يهود، و9.5% أرض عامةٍ.
وأثارت الأرقام المتصاعدة للمهاجرين اليهود إلى فلسطين، والسياسة البريطانية التي سهلت إقامة الوطن القومي اليهودي في فلسطين، مخاوف الشعب العربي الفلسطيني وقياداته في فلسطين، إذ تبين لهم أنَّ هذه الهجرة ستجعل من العرب الفلسطينيين أقليةً في بلادهم خلال فترةٍ وجيزةٍ، فقام الشعب الفلسطيني بعددٍ من الانتفاضات والثورات ضد سياسة الهجرة واستملاك الأراضي، والبنود التي تضمنها صك الانتداب عن "الوطن القومي اليهودي"، وكذلك القوانين والأوامر البريطانية بخصوص استملاك الأراضي.
وكان من أبرز هذه الثورات والانتفاضات ما وقع منها في العام 1920م، وثورة البراق في العام 1929م، وفي العام 1933م ثم الثورة العربية الكبرى في الفترة ما بين العامَيْن 1936 و1936م؛ حيث كانت القدس مركزها جميعًا أو- على الأقل- الشرارة التي انطلقت منها، وكان السبب المباشر لثورتَيْ 1920م و1929م النزاعات بين اليهود والمسلمين حول الأماكن المقدسة في القدس.
وفي تلك الأثناء سعى اليهود بشكلٍ تدريجيٍّ للسيطرة على مجلس بلدية القدس، التي اكتسبت طابعًا سياسيًّا في عهد الانتداب البريطاني خاصة بعد التسهيلات التي آمنها لهم البريطانيون منذ احتلال المدينة، ولم تختلف الممارسات البريطانية تجاه القدس عن ممارساتها تجاه القضية الفلسطينية ككل، فقد تميزت في معظمها بتسهيل سيطرة اليهود على المدن الفلسطينية بشكلٍ عام وعلى القدس بشكلٍ خاصٍ.
ومن أجل تحقيق ذلك تلاعبت الإدارة البريطانية بحدود المسطح البلدي في المدينة المقدسة، وبقوائم الناخبين، بحيث كانت تستثني الأحياء العربية منها، مثل الطور وسلوان والعيسوية وشعفاط وبيت صفافا، بينما كانت الأحياء اليهودية مهما بعدت تدخل في مسطح البلدية.
وأقدمت السلطات البريطانية في بداية عهد الإدارة العسكرية لفلسطين- في أواخر العام 1917م، وحتى العام 1920م- على حل المجلس البلدي للقدس، وتعيين لجنة لإدارة البلدية، أسندت رئاستها لعضوٍ مسلمٍ، ينوب عنه عضوان من الطائفتَيْن المسيحية واليهودية.
وفي أبريل من العام 1926م، وضعت السلطات البريطانية قانون الانتخابات الذي أتاح، خلافًا للقانون العثماني، حق الانتخاب لدافعي الضرائب حتى وإنْ لم يكونوا من أصحاب الأملاك بل مستأجرين فقط، كما نص هذا القانون على أنَّ الناخب يجب أنْ يكون مواطنا فلسطينياً بدلاً من "مواطنٍ عثمانيٍّ".
وتكوّن المجلس البلدي بعد العام 1927م، من اثني عشر عضوا، نصفهم فقط من العرب، أربعة مسلمين ومسيحيان، والنصف الآخر من اليهود، وكان ذلك نتيجة للتعديلات التي طرأت على قانون الانتخابات، والذي فتح الباب واسعًا أمام المهاجرين اليهود ليدخلوا تلك الانتخابات، إلا أنَّ رئاسة البلدية بقيت في يد مسلم، وكان وقتها حسين الخالدي.
ثم تم تعيين موشيه شرتوك اليهودي نائبًا أول لرئيس البلدية بناءً على اتفاقٍ مع المندوب السامي، ثم بدأت محاولات اليهود للمطالبة برئاسة البلدية، وبعد فشل الاقتراح الذي تقدمت به السلطات البريطانية باتباع نظام التناوب على رئاسة بلدية القدس، بسبب معارضته فلسطينيًّا، تم إبعاد رئيس البلدية حسين الخالدي، ونفيه إلى جزر سيشيل في المحيط الهندي، لكونه عضوًا في اللجنة العربية العليا.
ثم قام الإنجليز بحل المجلس في 11 يوليو من العام 1945م، وتعيين لجنةٍ بلديةٍ من ستة موظفين بريطانيين، وبقى الأمر كذلك حتى نهاية فترة الانتداب البريطاني على فلسطين في مايو 1948م.
وحتى قبل النهاية المحددة للانتداب في 15 مايو 1948م، عمدت عصابات الهاجاناه على احتلال كل منطقة القدس، ولم يُحبَط هذا المخطط إلا في اللحظة الأخيرة عبر المقاومة الفلسطينية؛ حيث بقيت البلدة القديمة والقدس الشرقية في قبضة العرب في حرب 1948م.
وتحققت السيطرة اليهودية الراهنة على القدس الغربية وما يسمى بـ"الممر" الذي يصلها بالساحل، عبر الاحتلال العسكري خرقًا لقرار التقسيم الصادر في العام 1947م، والذي نص على بقاء القدس مدينة موحَّدة، لذلك فإنَّ الأمم المتحدة لم تعترف بالسيادة "الإسرائيلية" على القدس الغربية لا تصريحًا ولا تعريضًا، وإنَّما عارضتها، كذلك فإنَّ المجتمع الدولي، بما فيه الولايات المتحدة، لم يعترف إلى الآن، بصورةٍ واضحةٍ، بالسيادة "الإسرائيلية" على القدس بما فيها القدس الغربية.
وبانقضاء العام 1948م، تمكن الكيان الصهيوني من إعلان الدولة التي ترسخت أصولها على مدار عمر الانتداب البريطاني، كما تمكن من السيطرة على الجزء الغربي من مدينة القدس، تلك المحاولة التي بدأت قبل أنْ تنسحب القوات البريطانية من فلسطين 14 مايو 1948م، لتبدأ مرحلة جديدة في تاريخ فلسطين والقدس، بما حملته تلك المرحلة من تغييراتٍ عميقةٍ في الخارطة السياسية، ألقت بظلالها ثقيلة على الصراع في المنطقة، على مدار النصف الثاني من القرن العشرين.
ثانيًا: مشاريع التهويد والأماكن المستهدفة
![]() |
|
الترميم مظلة الصهاينة لهدم القدس |
شهدت المرحلة الأولى لسقوط مدينة القدس جزئيًّا في قبضة الاحتلال الصهيوني في العام 1948م، البدايات الأولى لجملة من القضايا المتعلقة بالقدس، والتي ما زالت معلقة حتى الآن، يأتي في مقدمتها، تهجير السكان الفلسطينيين من القدس، والسيطرة على أراضيهم وقراهم، ونقل ملكيتها إلى مؤسسات الاستيطان اليهودي.
وتكرست هذه الجهود في مرحلة ما بعد الاحتلال الصهيوني الكامل للمدينة المقدسة، في حرب يونيو من العام 1967م، بفعل مشاريع التهويد التي تم تنفيذها وتلك الجاري تنفيذها على الأرض، لحسم هوية مدينة القدس الدينية والثقافية، كـ"عاصمةٍ مقدسةٍ وموحدةٍ للشعب اليهودي"، وذلك كجزءٍ من مشروعه لفرض حدود دولته النهائية وتثبيتها من طرفٍ واحدٍ، والذي بدأه رئيس وزراء الاحتلال الهالك إرييل شارون مع مطلع الألفية الجديدة.
وتحويل مدينة القدس إلى "عاصمةٍ يهوديّة" يعني بطبيعة الحال تهويد قلبها المتمثّل بالمسجد الأقصى والبلدة القديمة، واستبدال معالمه ومقدساته الإسلامية والمسيحية، بمعالمٍ ومقدساتٍ يهوديةٍ، والمحتل يعمل على تحقيق ذلك اليوم من خلال أربع مساراتٍ عملٍ، وهي:
1- خلق مدينة يهودية مقدسة موازية للبلدة القديمة بمقدساتها الإسلامية والمسيحية، ومشتركةٍ معها في المركز ذاته:
وقد قطع المحتل شوطًا كبيرًا في إنشاء هذه المدينة حتى الآن، فقد افتتح بالفعل 11 موقعًا أمام الزوار، ولا زالت عمليّات البناء والحفر مستمرة في أكثر من 11 موقعًا آخرًا.
وخلال الشهور الثلاثة الماضية كان العمل في هذه المدينة يسير بوتيرةٍ سريعة، ففي 1 فبراير كشف انهيار صفٍّ مدرسيّ في مدرسة القدس الأساسيّة عن وصول الحفريّات الصهيونية أسفل البلدة القديمة إلى شمال ضاحية سلوان على بعد 100 متر فقط من السور الجنوبيّ للمسجد الأقصى، وفي 5 فبراير كشفت مؤسسة الأقصى للوقف والتراث عن حفر نفقٍ جديد محاذٍ لمسجد عين سلوان من الجهة الغربيّة يسير أسفل الطريق الذي يصل سلوان بباب المغاربة.
إضافةً إلى ذلك فإنّ هناك عددًا كبيرًا من سكان حي وادي الحلوة (وهو أقرب أحياء سلوان للمسجد الأقصى) تحدثوا عن سماعهم لأصوات حفريات أسفل منازلهم طوال الليل والنهار، وفي أكثر من منطقة من الحي.
وفي بداية شهر مارس أعلنت شركة "تطوير الحيّ اليهودي" عن البدء ببناء سيرٍ متحرّك تحت الأرض يصل حارة الشرف "الحي اليهودي" بساحة البراق أمام الساحة الغربية للحرم القدسي الشريف بزعم المساعدة في تخفيف الازدحام في الطرقات الضيقة، للحي، وتمكين المجموعات الكبيرة من الوصول للساحة بسهولةٍ أكبر.
بعدها بأيّام كشفت وسائل الإعلام الصهيونية عن إقرار الحكومة لمخططٍ تبلغ قيمته حوالي 600 مليون شيكل (145 مليون دولار) "لإعادة إعمار أبواب البلدة القديمة وأهم مواقعها الأثرية"، وسيتضمن هذا المشروع تغيير الطراز المعماري للأبواب والمواقع المستهدفة حتى يصبح أقرب للتخيل اليهودي منه إلى الطراز الإسلامي.
2- المسار الثاني: تحقيق وجودٍ يهوديٍّ دائمٍ ومباشرٍ في المسجد الأقصى ومحيطه:
وذلك من خلال الاقتحامات المتكرّرة لمجموعات المتطرفين والتي تهدف إلى "تثبيت حق اليهود بالصلاة في جبل الهيكل"، وإلى نزع صفة "الحصرية الإسلامية" عن المسجد، وتحويله إلى منطقةٍ مفتوحةٍ أمام اليهود والسياح الأجانب.
وبذلك يكون المسجد وإنْ بقيت أبنيته قائمةً أشبه بالمتحف منه بالمسجد الإسلامي، وأيضًا من خلال الكُنُس المقامة على أسوار المسجد، ككنيس المدرسة التنكزية، وأسفل منه، كقنطرة ويلسون، وفي محيطه ككنيسَيْ خيمة إسحاق وهوفير، والتي تسهل عمليّات اقتحام المسجد، وتوفر غطاءً لأعمال الحفريات، وتضفي أيضًا الطابع اليهودي على البلدة القديمة، خصوصًا وأنَّ اثنين من هذه الكنس سيكونان من أكبر الأبنية الموجودة في البلدة، وسيغطّيان مشهد المسجد القبليّ وقبة الصخرة من الجهة الغربيّة.
3- المسار الثالث: تفريغ الأحياء الفلسطينيّة المحيطة بالمسجد الأقصى من سكانها، والحدّ من قدرة الفلسطينيّين على الوصول إلى المسجد الأقصى والبلدة القديمة:
ويسعى الاحتلال إلى تحقيق ذلك من خلال منع البناء في الأحياء المحيطة بالبلدة القديمة، وهدم المباني القائمة فيها بحجة أنها مقامةً من دون ترخيصٍ على أراضٍ عامةٍ، وأيضًا من خلال تشديد الإجراءات الأمنية في البلدة القديمة ومحيطها، حتى على المصلّين الآتين من الأراضي الفلسطينية المحتلة في العام 1948م.
وقد شهدت الشهور الثلاثة الأولى من العام 2009م الحالي، أكبر مخططٍ للتهجير الجماعي منذ احتلال القدس عام 1967م، كما شهدت الفترة السابقة والتي تزامنت مع الحرب على غزة، إجراءاتٍ أمنيةً غير مسبوقةٍ قلصت عدد المصلين في المسجد الأقصى خلال أيام الجمع إلى ما لا يزيد على 3000 مصلٍّ فقط؛ حيث يفرض الاحتلال طوقًا أمنيًّا على البلدة القديمة، ويحيطه بطوقٍ أمنيٍّ أوسع في محيطها، ويمنع كل من هو دون الـ50 عامًا من الدخول للصلاة في المسجد الأقصى، كما يمنع حتى سكان البلدة القديمة الذين تقلّ أعمارهم عن الـ50 من دخول المسجد، وهي إجراءاتٌ لم يتخذها المحتل مسبقًا حتى خلال انتفاضة الأقصى الثانية في العام 2000م.
![]() |
|
تجاهل المقدسات الإسلامية إحدى المخططات الصهيونية لتهويد القدس |
4- المسار الرابع: الترويج لمدينة القدس كمدينة يهودية:
وذلك من خلال تنظيم الجولات السياحية في المدينة، وفق مسار يتجاهل المقدسات الإسلامية، ويحاول الربط بين الآثار والمقدسات المسيحية والمدينة اليهودية التاريخية، ويصور الوجود الإسلامي في المدينة كوجودٍ طارئٍ ومنفصلٍ عن الوجود المسيحي واليهودي فيها، وأيضًا من خلال إقامة مهرجانات واحتفالاتٍ بالمناسبات والأعياد اليهوديّة الدينيّة والقوميّة على مدار العام.
وأعلن روبن فينسكي مدير قسم تطوير البلدة القديمة في بلدية الاحتلال في القدس في 7 مارس عن سعي البلديّة لـ"إقامة المهرجانات طوال أيام السنة من أجل وصول السياح، في أوقات مختلفة لا تقتصر على مواسم مفضلة، تمتد خلال شهرَيْ يوليو وأغسطس والأعياد الصهيونية، وتتضمن المخططات في السنوات القادمة استثمارات بثمانية ملايين شيكل (حوالي 2 مليون دولار) للترويج للمدينة سياحيًّا على مدار العام.



